تقنية جديدة تستخرج مياه الشرب من الهواء بكفاءة عالية حتى في المناخات القاحلة
مادة ذكية مبتكرة تنتج 1.8 لتر من مياه الشرب يوميًا من هواء المناطق الجافة
نجح فريق من الباحثين في جامعة كيل الألمانية في تطوير مادة مسامية متقدمة قادرة على استخلاص مياه الشرب مباشرة من الهواء، حتى في البيئات الجافة، في إنجاز قد يفتح آفاقًا جديدة لمواجهة أزمة ندرة المياه الناتجة عن تغير المناخ، خاصة في مناطق البحر المتوسط والمناطق القاحلة حول العالم.
وتأتي هذه التقنية ضمن مشروع بحثي يهدف إلى إيجاد مصادر مستدامة للمياه في المناطق التي تشهد ارتفاعًا متواصلًا في درجات الحرارة وتراجعًا في معدلات هطول الأمطار.
ونُشرت نتائج البحث في دوريتي Journal of Materials Chemistry A وIndustrial & Engineering Chemistry Research.

تقنية تحول رطوبة الهواء إلى مياه شرب
يعتمد الابتكار على مادة تنتمي إلى فئة الأطر الفلزية العضوية (Metal-Organic Frameworks – MOFs)، وهي مواد فائقة المسامية تعمل بطريقة تشبه الإسفنج، إذ تمتص كميات كبيرة من بخار الماء خلال وقت قصير، ثم تطلقه بسهولة عند تسخينها.
ويتميز الهيكل الداخلي لهذه المواد بوجود ملايين المسام الدقيقة المترابطة، ما يمنحها مساحة سطحية هائلة تساعد على التقاط جزيئات الماء بكفاءة عالية.
وركز الباحثون على تطوير مادة تحمل اسم CAU-10-H، التي اكتُشفت في جامعة كيل قبل نحو 15 عامًا، وأُعيد تصميمها لتصبح أكثر كفاءة في امتصاص بخار الماء وتحويله إلى مياه صالحة للشرب.

تعمل في ظروف جافة
تستطيع المادة التقاط جزيئات الماء عند درجة حرارة الغرفة، وفي مستويات رطوبة نسبية تبدأ من 18% فقط، وهي ظروف تماثل البيئات الجافة وشبه الصحراوية.
وعند تسخين المادة إلى نحو 70 درجة مئوية، تُطلق المياه التي خزنتها داخل مسامها، لتُجمع وتصبح صالحة للاستخدام.
ولزيادة سرعة العملية، دمج الباحثون المادة مع هياكل كربونية موصلة للكهرباء، ما يسمح بتسخينها بسرعة باستخدام الكهرباء أو حتى أشعة الشمس، لتعمل في دورات قصيرة ومتكررة ترفع من كفاءة إنتاج المياه.

إنتاج يصل إلى 1.8 لتر يوميًا
أظهرت الاختبارات أن كل جرام من المادة يستطيع امتصاص ما يصل إلى 0.17 جرام من الماء في الظروف الجافة.
وبفضل سرعة دورات الامتصاص والتحرير، يمكن لكيلوجرام واحد من المادة المركبة إنتاج ما يصل إلى 1.8 لتر من مياه الشرب يوميًا من رطوبة الهواء، وهو معدل يعد واعدًا للاستخدام في المناطق التي تعاني شح الموارد المائية.
ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد توفر مصدرًا مستدامًا للمياه في القرى النائية، والمناطق المتضررة من الجفاف، ومخيمات الإغاثة، والمناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية للمياه.
استخدامات إضافية في التبريد المستدام
لا تقتصر فوائد المادة الجديدة على إنتاج المياه، بل أظهرت أيضًا كفاءة كبيرة في تطبيقات التبريد بالامتزاز، حيث حققت قدرة تبريد تصل إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بمادة السيليكا جل المستخدمة حاليًا لإزالة الرطوبة.
ويقترح الباحثون استخدام الحرارة المهدرة من مراكز البيانات أو المخابز أو المنشآت الصناعية لتشغيل هذه الأنظمة، ما قد يسهم في تقليل استهلاك الطاقة في أجهزة التكييف، ودعم حلول التبريد المستدام.

خطوة نحو الإنتاج الصناعي
تمكن الفريق البحثي من نقل إنتاج المادة من المختبر إلى مرحلة التصنيع التجريبي، حيث نجح في إنتاج نحو 30 كيلوجرامًا منها، أي ما يعادل 60 ضعفًا مقارنة بالكميات التي كانت تُنتج سابقًا داخل المختبر.
كما أظهرت التحليلات الاقتصادية أن تكلفة الإنتاج يمكن أن تتراوح بين 12 و14 دولارًا للكيلوجرام، وهو ما يعزز فرص تصنيعها على نطاق صناعي وتسويقها تجاريًا في المستقبل.
ويؤكد الباحثون أن نجاح إنتاج المادة بكميات كبيرة يمثل خطوة مهمة نحو استخدامها عمليًا في توفير مياه الشرب للمناطق المتأثرة بتغير المناخ، مع الإسهام في تطوير أنظمة تبريد أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة.





