أخبارالتنمية المستدامةالطاقة

الطاقة النظيفة ليست للجميع.. تحذير جديد من اتساع فجوة عدم المساواة في التحول الأخضر

الطاقة النظيفة وحدها لا تكفي.. البنية التحتية والسياسات العادلة مفتاح التحول الأخضر

أزمة الطاقة العالمية تدفع الأسر نحو البحث عن الاستقلال الطاقي والسيارات الكهربائية.. لكن تكلفة البطاريات والألواح الشمسية والسكن قد تترك المستأجرين والأسر الأقل ثراءً خارج سباق التحول الأخضر

تدفع الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية خلال عام 2026، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، الحكومات والمجتمعات إلى إعادة التفكير في مفهوم أمن الطاقة والاستقلال عن الأسواق الدولية المتقلبة.

فالممر البحري الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية أصبح محورًا رئيسيًا في أزمة الطاقة، بينما انعكست الاضطرابات على أسعار الوقود والسلع والغذاء والأسمدة والبلاستيك، ما عزز الاهتمام بتقنيات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية ومصادر الطاقة المحلية.

لكن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يخلو من تحديات اجتماعية، إذ تحذر باحثة في الاقتصاد والطاقة من أن الانتقال الأخضر قد يتحول إلى مصدر جديد لعدم المساواة إذا لم تضع الحكومات سياسات تضمن قدرة مختلف فئات المجتمع على المشاركة والاستفادة من هذا التحول.

وترى الدكتورة مرجان نظيفي، المحاضرة الأولى في كلية ماكواري للأعمال بجامعة ماكواري الأسترالية، أن التحول إلى الطاقة النظيفة يجب ألا يكون امتيازًا للأسر التي تمتلك بالفعل الموارد المالية والسكنية اللازمة للاستثمار في التكنولوجيا الجديدة.

الطاقة النظيفة

أزمة الطاقة تعيد تعريف الاستقلال الطاقي

أدت الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة، وانعكس ذلك على أسعار البنزين والسلع المستوردة والأسمدة والمنتجات البلاستيكية في أستراليا.

ومع تنامي إدراك الأسر لقيمة الاستقلال في مجال الطاقة، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية في الأشهر الأخيرة، في مؤشر على أن الأزمات الجيوسياسية يمكن أن تدفع المستهلكين إلى البحث عن بدائل تقلل تعرضهم لتقلبات أسواق النفط والغاز.

وتقول نظيفي إن الصدمات العالمية تؤكد حاجة أستراليا إلى تقليل تعرضها لتقلبات أسواق الطاقة الدولية، لكنها ترى أن السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن ضمان استفادة الجميع من التحول إلى الطاقة النظيفة؟

تجربة في دولة نفطية قادتها إلى الاقتصاد الأخضر

تستند نظيفي في اهتمامها بسياسات الطاقة إلى تجربة شخصية ومهنية في إيران، حيث لعب النفط والغاز دورًا محوريًا في الاقتصاد والحياة اليومية.

وقبل انتقالها إلى جامعة ماكواري، عملت مستشارةً أولى لنائب وزير الشؤون الاقتصادية في إيران، وشاهدت عن قرب كيف تؤثر قرارات الطاقة في إيرادات الحكومات والتنمية الاقتصادية وتكاليف المعيشة للأسر.

وتقول إن هذه التجربة دفعتها إلى التخصص في اقتصاديات الطاقة، والتركيز على تصميم سياسات للطاقة النظيفة تكون أكثر ذكاءً وعدالة، وتتيح لعدد أكبر من المواطنين المشاركة في التحول.

وأكملت نظيفي درجة دكتوراه ثانية في جامعة ماكواري، ركزت خلالها على العلاقة بين انبعاثات الكربون وأسواق الطاقة.

الطاقة النظيفة

الألواح الشمسية لا تعني أن التحول الأخضر متاح للجميع

تتناول أبحاث نظيفي الحديثة العلاقة بين دخل الأسر واستثماراتها في تقنيات الطاقة النظيفة، مثل البطاريات المنزلية والألواح الشمسية والسيارات الكهربائية.

وتتمتع أستراليا بمكانة متقدمة عالميًا في استخدام الطاقة الشمسية، إذ يوجد نظام ألواح شمسية في نحو منزل واحد من كل ثلاثة منازل.

لكن انتشار الألواح الشمسية لا يعني أن جميع الأسر قادرة على مواصلة الاستثمار في تقنيات الطاقة النظيفة.

وتشير الباحثة إلى أن الدخل ليس العامل الوحيد الذي يحدد قدرة الأسرة على المشاركة في التحول الأخضر.

فبعض الأسر تواجه تكلفة الشراء الأولية المرتفعة للبطاريات والسيارات الكهربائية، بينما تواجه أسر أخرى عوائق مرتبطة بالسكن نفسه.

المستأجرون وسكان الشقق في قلب فجوة الطاقة النظيفة

يواجه المستأجرون وسكان المباني السكنية تحديات أكبر في تبني تقنيات الطاقة النظيفة، لأنهم لا يمتلكون دائمًا سلطة إجراء تعديلات على العقار الذي يعيشون فيه.

وقد لا تتوافر المساحة المناسبة لتركيب الألواح الشمسية أو البطاريات، كما أن المستأجر قد لا يرغب في تحمل تكلفة استثمار طويل الأجل في عقار لا يملكه.

وتضيف الباحثة أن بعض الأسر، حتى بين ملاك المنازل، قد تفتقر إلى المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار الاستثمار.

فقد لا يعرف صاحب المنزل ما إذا كانت البطارية ستخفض فاتورة الكهرباء بالفعل، أو التكنولوجيا الأنسب لاحتياجاته، أو المدة التي يحتاج إليها لاسترداد التكلفة الأولية.

وهكذا، لا تصبح المشكلة مالية فقط، بل تمتد إلى إتاحة التكنولوجيا والمعلومات والقدرة على اتخاذ القرار.

الطاقة النظيفة

خطر ظهور طبقات جديدة من عدم المساواة

تحذر نظيفي من أن ارتفاع تكلفة تقنيات الطاقة النظيفة والعوائق السكنية والمؤسسية قد يؤدي إلى ظهور شكل جديد من عدم المساواة في قطاع الطاقة.

وتشمل الفئات الأكثر عرضة لخطر الاستبعاد المستأجرين، وسكان الشقق، والأسر محدودة الثروة، والأسر التي لا تمتلك ألواحًا شمسية بالفعل.

فبعض هذه الأسر لا تستطيع إجراء التغييرات المطلوبة في مساكنها، بينما لا تستطيع أسر أخرى تحمل التكلفة الأولية للتكنولوجيا، حتى لو كانت هذه التكنولوجيا قادرة على خفض فواتير الطاقة على المدى الطويل.

ومن هنا، فإن التحول الأخضر قد يمنح الأسر الأكثر قدرة ماليًا فرصة للاستفادة من انخفاض تكاليف الطاقة، في حين تبقى الأسر الأقل قدرة مرتبطة بتكاليف الطاقة التقليدية.

امتلاك الألواح الشمسية قد يفتح الباب أمام مزيد من الاستثمار

تركز أبحاث نظيفي أيضًا على سؤال مهم: هل يؤدي امتلاك الألواح الشمسية بالفعل إلى تغيير العلاقة بين دخل الأسرة وقدرتها على الاستثمار في البطاريات والسيارات الكهربائية؟

وتشير الفكرة إلى أن امتلاك نظام شمسي قد يعني أن الأسرة تجاوزت بالفعل عددًا من العقبات المالية والعملية والمؤسسية التي تعيق الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة.

وبالتالي، فإن الأسر التي بدأت رحلتها نحو الطاقة النظيفة قد تكون أكثر استعدادًا لإضافة تقنيات أخرى، مثل البطاريات المنزلية والسيارات الكهربائية.

الطاقة النظيفة

الحل يبدأ من سياسة أكثر عدالة

ترى الباحثة أن الحل لا يكمن في تقديم دعم شامل لجميع الأسر بصورة متساوية، وإنما في تصميم سياسات تستهدف العوائق الفعلية التي تواجه كل فئة.

وتقول إن السياسات الأفضل هي التي تعتمد على البيانات لتحديد الأسر التي تواجه عقبات حقيقية، بدلًا من افتراض أن الدخل السنوي وحده يكفي لتحديد قدرة الأسرة على الاستثمار.

فالثروة والأصول، ونوع السكن، وملكية المنزل أو استئجاره، ومدى الوصول الحالي إلى تقنيات الطاقة النظيفة، كلها عوامل يمكن أن تقدم صورة أكثر دقة عن قدرة الأسرة على المشاركة في التحول الأخضر.

دعم المستأجرين وسكان الشقق ضرورة

تدعو الباحثة إلى توجيه مزيد من الدعم إلى المستأجرين وسكان الشقق، باعتبارهم من الفئات التي قد تواجه صعوبة في الاستفادة من برامج الطاقة الشمسية والبطاريات المنزلية.

كما ترى أن على الحكومات توسيع الاستثمار في توليد الطاقة المتجددة وتخزينها وشبكات الكهرباء، بالتوازي مع حماية الأسر من ارتفاع التكاليف.

وهذا يعني أن نجاح التحول الأخضر لا يعتمد فقط على تركيب المزيد من الألواح الشمسية أو توربينات الرياح، وإنما على بناء منظومة طاقة قادرة على توفير الكهرباء النظيفة بأسعار عادلة وموثوقة.

الأزمات قد تزيد الاهتمام بالطاقة النظيفة.. لكنها قد تؤجل الاستثمار

رغم أن ارتفاع أسعار الوقود وأزمات الطاقة قد يدفعان الأسر إلى التفكير بصورة أكبر في الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والاستقلال عن الشبكات والأسواق الخارجية، فإن عدم اليقين الاقتصادي قد يعمل في الاتجاه المعاكس.

ففي أوقات الأزمات، قد تزداد الرغبة في خفض فاتورة الطاقة على المدى الطويل، لكن قدرة الأسرة على دفع تكلفة الاستثمار الأولية قد تتراجع.

وبالتالي، فإن ارتفاع الاهتمام بالطاقة النظيفة لا يعني بالضرورة ارتفاع الاستثمار فيها بالمعدل نفسه.

الطاقة المستدامة - الطاقة النظيفة _ الطاقة المتجددة
الطاقة النظيفة

المسؤولية ليست على الأسر وحدها

تشدد نظيفي على أن مطالبة المواطنين بالتحول إلى الطاقة النظيفة لا تكفي لتحقيق انتقال عادل.

فالأسر تحتاج إلى بنية تحتية موثوقة، وشبكات كهرباء قادرة على استيعاب الطاقة المتجددة، وخيارات تمويل مناسبة، وسياسات تمنح مختلف الفئات فرصة حقيقية للمشاركة.

كما يمكن للمستهلكين اتخاذ بعض الخطوات، مثل مقارنة خطط الكهرباء والاستثمار في الطاقة الشمسية أو أنظمة تخزين الكهرباء عندما تكون مناسبة اقتصاديًا وسكنيًا.

لكن الباحثة تؤكد أن المسؤولية لا ينبغي أن تقع بالكامل على عاتق الأفراد.

التحول الأخضر يحتاج إلى عدالة.. لا إلى تكنولوجيا فقط

تكشف أزمة الطاقة الحالية أن التحول إلى الطاقة النظيفة لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي واستقرار أسعار الطاقة.

فكلما زاد الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية والمتجددة، انخفضت حساسية الدول والأسر للصدمات التي تضرب أسواق النفط والغاز العالمية.

لكن تحقيق هذه الفوائد يتطلب ضمان وصول التكنولوجيا النظيفة إلى مختلف شرائح المجتمع، وليس فقط الأسر القادرة على تحمل تكلفتها.

وفي النهاية، فإن نجاح التحول الأخضر لن يقاس فقط بعدد الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية التي تدخل الأسواق، وإنما بقدرة الحكومات على بناء نظام طاقة نظيف وموثوق وعادل، يتيح للفقراء والطبقة المتوسطة والمستأجرين وسكان المدن المشاركة في المستقبل الأخضر، بدلًا من تركهم خلف الركب.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة