د.رفعت جبر: شطرنج الدم في الشرق الأوسط.. كيف تُصنع الحروب وتُدار المحارق؟
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
(بين ثورة الخميني وطموح صدام.. القصة الكاملة لتحالفات تحت الطاولة وأعداء الغد)
على رقعة الشطرنج العالمية، لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء مطلقون، بل توجد «حالات استراتيجية» يتم استهلاكها حتى العظم. ما حدث منذ عام 1979 وحتى اليوم ليس مجرد صدفة تاريخية، بل هو «هندسة سياسية» حوّلت المنطقة إلى ساحة استنزاف كبرى.
1979: عام الزلزال وتغيير الأدوار
لم تكن الثورة الإيرانية مجرد حراك داخلي، بل كانت لحظة فارقة سمحت فيها القوى الغربية، عبر تفاهمات «غوادلوب»، برحيل الشاه الذي انتهت صلاحيته، واستبداله بنظام يعيد تشكيل توازنات المنطقة. وفي مفارقة لافتة، صعد صدام حسين إلى سدة الحكم في العراق في العام نفسه، وكأن المسرح أُعدّ لمواجهة كبرى بين قطبين إقليميين.
حرب الثماني سنوات: «إيران غيت» وازدواجية المعايير
بينما كانت المدافع تشتعل بين بغداد وطهران خلال الفترة من 1980 إلى 1988، مارست واشنطن لعبة «ضبط الإيقاع».
في العلن، دعمت العراق بالمعلومات الاستخباراتية والاتفاقيات الاستراتيجية لمنع تمدد الثورة الإيرانية.
وفي الخفاء، تفجّرت فضيحة «إيران – كونترا» أو «إيران غيت»، حيث تدفقت الأسلحة الأمريكية إلى طهران عبر إسرائيل، لضمان عدم حسم الحرب لأي طرف. وكان الهدف استنزاف القدرات البشرية والاقتصادية للبلدين حتى حافة الإفلاس.
ضرب المفاعل وغزو العراق: التخلص من «الأدوات»
بمجرد انتهاء الحرب وخروج العراق قوةً عسكرية كبرى، بدأ الانقلاب عليه. جرى ضرب المفاعل النووي العراقي، ثم استُدرج النظام لغزو الكويت، لينتهي الأمر بغزو العراق عام 2003 وتفكيك دولته بالكامل. والمفارقة أن المستفيد الأكبر من سقوط صدام حسين كانت إيران، التي توسع نفوذها داخل العراق تحت أنظار القوات الأمريكية.
والآن.. هل حان دور إيران؟
اليوم يتكرر المشهد بسيناريو «العدو المشترك». فبعد استخدام النفوذ الإيراني لسنوات بوصفه «فزّاعة» لتمرير صفقات السلاح وبناء تحالفات جديدة، يبدو أن الدور قد حان لتقليم أظافر طهران أو إعادة صياغة نظامها بما يخدم المرحلة المقبلة، في ظل تهديدات إسرائيلية ودعم أمريكي واضح.
هل هي مؤامرة أم مصلحة شعوب؟
الحقيقة المرة أنها ليست مصلحة للشعوب بأي حال من الأحوال. فالشعوب هي الوقود والضحية. ما يجري هو «جيوسياسة المصالح الباردة» التي تقوم على:
-
منع ظهور قوة إقليمية مهيمنة، فلا يُسمح بعراق قوي ولا بإيران نووية.
-
ضمان أمن الطاقة عبر إبقاء منابع النفط تحت رقابة دولية أو ضمن مناطق صراع مسيطر عليه.
-
تنشيط مصانع السلاح، إذ تضمن الحروب المستمرة تدفق المليارات إلى الشركات الكبرى.
حكمة القيادة السياسية المصرية
إن تحالفات «تحت الطاولة» بين أعداء الظاهر، وصراعات «فوق الطاولة» بين أصدقاء الأمس، تؤكد أن المنطقة العربية والإقليمية تُدار بعقلية «المحرقة المستمرة»، يُصنع العدو ليُحارب، ثم يُدمّر، ليُخلق مكانه عدو جديد.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يظل قرار توجيه ضربة عسكرية لإيران مرهونًا بتوافق دولي استراتيجي يتجاوز الرغبات الإقليمية، إذ تُدار اللعبة بميزان دقيق يخشى انفلات الأمور نحو حرب شاملة لا تُبقي ولا تذر.
وهنا تبرز حكمة القيادة السياسية المصرية التي استقرأت مبكرًا قواعد «شطرنج الدم»، فتبنّت موقفًا ثابتًا ورصينًا يرفض الانجرار إلى صراعات الوكالة أو الانخراط في محاور التأجيج. لقد أدركت الدولة المصرية أن اتساع رقعة المواجهة يعني اشتعال نار عالمية تأكل الأخضر واليابس، فتمسكت بدورها حائط صد يمنع انزلاق المنطقة نحو الهاوية، مؤكدة أن أمن الشرق الأوسط يبدأ بخفض التصعيد لا بتوسيع دوائر النار، حمايةً لمقدرات الشعوب ومنعًا لتحول الإقليم إلى رماد في محرقة دولية جديدة.





