وجهات نظر

د.رفعت جبر: بين مسافة السكة وفخ الاستدراج.. قراءة في “صمت القاهرة”

عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

بين حين وآخر، تنطلق أبواق إعلامية —بعضها يرتدي عباءة “التحليل” البريطاني الرصين، وبعضها يقتات على فتات “التريند” في منصات التواصل— لتطرح سؤالًا ملغومًا: “أين مصر وجيشها من مواجهة إيران؟”.

هذا التساؤل ليس نابعًا من حرص على الأمن العربي، بل هو محاولة بائسة لجرّ الدولة المصرية إلى صراعات استنزافية، وضرب إسفين بين القاهرة وأشقائها في الخليج. إليكم كشف الحقائق وقراءة ما بين السطور.

1. عقيدة “الجيش الرشيد” لا “المرتزق”

تتعامل بعض الصحف الغربية مع الجيش المصري وكأنه “قوة للطلب”، متناسية أن العقيدة العسكرية المصرية تقوم على الدفاع لا الاعتداء، وعلى الحماية لا الاستعراض. مصر لا تنجر إلى حروب بالوكالة، ولا تقاد بضجيج “التغريدات”. إن توازن الموقف المصري هو الذي منع تحول المنطقة إلى ساحة حرب شاملة تحرق الأخضر واليابس. وهنا تجب المكاشفة؛ فإن ما تروج له تلك المنصات ليس دعوة للنصرة أو حرصًا على الأشقاء، بل هو “فخ استدراج” مكشوف، يُراد به تحويل بوصلة الجيش المصري عن أهدافه الاستراتيجية وحماية حدوده المشتعلة، ليغرق في صراعات صفرية بعيدة تخدم أجندات الآخرين.

2. التضليل الغربي: بريطانيا نموذجًا

– عزل مصر: لطالما برعت الصحافة البريطانية في سياسة “فرق تسد”. هدفهم اليوم هو من خلال تصويرها كقوة “سلبية” لا تشارك في الأزمات.

– تحريض الخليج: عبر إيهام صانع القرار الخليجي بأن السند المصري “غائب”، لخلق فجوة تملؤها قوى دولية أخرى بمقابل مادي وسياسي باهظ.

3. “مسافة السكة”.. الأفعال لا الأقوال

حين قال الرئيس السيسي “مسافة السكة”، لم يكن يقصد القفز في مغامرات غير محسومة النتائج، بل كان يرسم خطًا أحمرًا للأمن القومي العربي.

-تأمين الممرات الملاحية: مصر تؤمن باب المندب وقناة السويس، وهو جوهر الأمن الخليجي والعالمي.

-الثقل السياسي: لولا الموقف المصري المتزن، لتم تدويل أزمات المنطقة بشكل ينهي السيادة العربية تمامًا.

4. من يقف وراء محاولات الوقيعة؟

هناك مثلث مصالح يسعى لضرب العلاقة (المصرية – السعودية – الإماراتية):

قوى إقليمية: تدرك أن تحالف القاهرة والرياض وأبو ظبي هو “الحصن الأخير” ضد مشاريع التوسع.

أجهزة استخباراتية: تريد إنهاك الجيش المصري في صراعات بعيدة عن حدوده المباشرة (التي تشتعل بالفعل في ليبيا والسودان وفلسطين).

– تجار الحروب: الذين ينتعشون بوجود صراع عسكري مباشر “عربي – إيراني” يضمن تدفق مبيعات السلاح لعقود.

– الحقيقة المرة للمغرضين: إن صمت مصر العسكري هو “قوة ردع” وليس ضعفًا، ودبلوماسيتها الهادئة هي “حكمة الكبار” التي ترفض أن تكون وقودًا لحروب يخطط لها في الغرف المظلمة بلندن أو واشنطن.

الوعي هو السلاح

إن الرد على هؤلاء ليس بالانجرار خلف عواطفهم المزيفة، بل بوعي الشعوب العربية بأن مصر هي عمود الخيمة؛ إذا استقرت، استقر العرب، وإذا استدرجت لمحرقة الحروب العبثية، ضاع الجميع.

مصر تحمي بشرف، وتصون بنزاهة، وتعرف تمامًا متى تتحدث.. ومتى تضرب.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading