سالي فودة: اليوم العالمي للبيئة 2026.. من النفايات إلى الموارد في مواجهة تغير المناخ
أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية
في الخامس من يونيو من كل عام، يحتفل العالم بـ«اليوم العالمي للبيئة»، وهي مناسبة عالمية تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالموارد الطبيعية وكيفية بناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة. ويأتي الاحتفال هذا العام ليؤكد حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها: أن مواجهة تغير المناخ تبدأ من فهمنا للطبيعة وتعلّمنا من أنظمتها المتوازنة.
فالطبيعة لا تعرف مفهوم «النفايات». فكل ما ينتج عنها يعود مرة أخرى إلى دورة الحياة، ليصبح موردًا جديدًا يدعم استمرارية النظام البيئي. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نستطيع محاكاة هذا النموذج الطبيعي في أنظمتنا الاقتصادية والصناعية؟
إن التوسع في إعادة الاستخدام والتدوير وتثمين المخلفات لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات المناخية. فالمخلفات الزراعية والعضوية والصناعية تحمل في داخلها قيمة اقتصادية وبيئية كبيرة يمكن استثمارها لإنتاج الطاقة الحيوية، والأسمدة الحيوية، والمواد الخام البديلة، بدلًا من التخلص منها بطرق تساهم في زيادة الانبعاثات الكربونية وتلوث البيئة.
ومن منظور البصمة الكربونية، فإن تحويل المخلفات إلى منتجات ذات قيمة مضافة يسهم في تقليل استهلاك الموارد الطبيعية، وخفض الانبعاثات الناتجة عن استخراج وتصنيع المواد الخام الجديدة، والحد من انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن المكبات المفتوحة. كما يفتح المجال أمام بناء اقتصاد دائري حقيقي يعتمد على استدامة الموارد وإطالة دورة حياتها.
لكن النجاح في هذا التحول يتطلب أكثر من مجرد مشروعات متفرقة أو مبادرات محدودة، بل يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة تربط بين إدارة المخلفات والعمل المناخي، وتدعم الابتكار الأخضر، والاستثمار في التقنيات النظيفة، وتطوير الصناعات القائمة على الموارد المعاد تدويرها، مع ضمان الجودة والكفاءة والاستدامة البيئية.
إن بناء صناعة متقدمة لتثمين المخلفات يمكن أن يخلق آلاف فرص العمل الخضراء، ويعزز الأمن البيئي والاقتصادي، ويسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والحياد الكربوني. والأهم من ذلك أنه يمثل نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل أحد أكبر التحديات البيئية إلى فرصة تنموية حقيقية.
في اليوم العالمي للبيئة، علينا أن نتذكر أن الحلول الكبرى غالبًا ما تبدأ بفكرة بسيطة: أن ما نعتبره «نفايات» اليوم قد يكون موردًا استراتيجيًا للغد. والطبيعة تقدم لنا هذا الدرس كل يوم؛ فهي لا تهدر شيئًا، بل تعيد توظيف كل شيء في دورة مستمرة من الحياة والعطاء.
إن مستقبل المناخ لا يعتمد فقط على خفض الانبعاثات، بل يعتمد أيضًا على قدرتنا على إعادة تصميم علاقتنا بالموارد. ومن هنا تصبح إدارة المخلفات وتدويرها وتثمينها جزءًا أساسيًا من الحل المناخي العالمي.
فالطبيعة لا تنتظر، والمناخ لا يفاوض، والوقت المناسب للبدء هو الآن.





