أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

أوروبا تحترق تحت موجات حر قياسية.. لماذا أصبحت القارة الأسرع احترارًا في العالم؟

ارتفاع الحرارة في أوروبا يتجاوز المعدلات العالمية بـ70%.. العلماء يفسرون الظاهرة

أصبحت أوروبا القارة الأسرع احترارًا على كوكب الأرض، في وقت تجتاحها موجة حر شديدة دفعت العديد من الدول إلى إصدار تحذيرات صحية وحالات تأهب قصوى، في مؤشر جديد على تصاعد آثار تغير المناخ عالميًا.

وشهدت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا خلال الأيام الأخيرة درجات حرارة مرتفعة بصورة استثنائية، ما دفع السلطات إلى إصدار إنذارات حمراء وتحذيرات للسكان، بينما تؤكد البيانات المناخية أن القارة الأوروبية ترتفع حرارتها بوتيرة تفوق المتوسط العالمي بشكل واضح.

أوروبا أكثر سخونة من المتوسط العالمي

وفقًا لبيانات خدمة “كوبرنيكوس” الأوروبية لتغير المناخ، ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بنحو 1.4 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900)، في حين ارتفعت حرارة أوروبا بنحو 2.4 درجة مئوية خلال الفترة نفسها.

ويرجع العلماء هذا الفارق إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها أن اليابسة ترتفع حرارتها أسرع من المحيطات، إذ تمتلك المياه قدرة أكبر على امتصاص الحرارة وتبريد نفسها عبر التبخر، بينما تسخن الكتل الأرضية بوتيرة أعلى.

تغير أنماط الطقس يزيد موجات الحر

موجات الحر الشديدة
موجات الحر

يشير خبراء المناخ إلى أن التغيرات في أنماط دوران الغلاف الجوي ساهمت في زيادة تكرار وشدة موجات الحر الصيفية في أوروبا.

وأصبحت أنظمة الضغط الجوي المرتفع أكثر شيوعًا خلال العقود الأخيرة، وهي أنظمة تؤدي إلى استقرار الطقس وارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة، ويؤكد العلماء أن هذه الظروف تجعل موجات الحر أكثر احتمالًا واستمرارًا مقارنة بالماضي.

وكانت موجة الحر التي ضربت أوروبا في مايو الماضي مرتبطة بما يعرف بـ”القبة الحرارية”، وهي منطقة ضغط جوي مرتفع تعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض.

أما الموجة الحالية فترتبط بنمط جوي يعرف باسم “حاجز أوميجا”، نسبة إلى شكله المشابه للحرف اليوناني أوميجا، حيث تتشكل منطقة ضغط مرتفع محصورة بين منخفضين جويين، ما يؤدي إلى احتجاز الهواء الساخن لفترات طويلة.

كيف تعمل القبة الحرارية؟

القبة الحرارية

تتشكل القبة الحرارية عندما يتمدد التيار النفاث شمالًا مكوّنًا منطقة ضغط مرتفع مستقرة. ومع هبوط الهواء إلى طبقات أدنى من الغلاف الجوي يزداد انضغاطه وترتفع حرارته.

وتعمل هذه الظاهرة كغطاء يمنع صعود الحرارة إلى الطبقات العليا، بينما تسمح السماء الصافية بوصول مزيد من أشعة الشمس إلى سطح الأرض، ما يخلق حلقة متواصلة من التسخين وارتفاع درجات الحرارة.

ويشبه الخبراء هذه العملية بغطاء محكم فوق قدر يغلي، حيث تستمر الحرارة في التراكم أسفل الغطاء دون أن تجد منفذًا للخروج.

“حاجز أوميجا”.. ازدحام جوي يحبس الحرارة

يصف علماء الأرصاد الجوية نمط “أوميجا”، بأنه أشبه باختناق مروري في الغلاف الجوي، إذ يتعطل مسار التيار النفاث الذي ينقل الأنظمة الجوية من الغرب إلى الشرق.

ويؤدي ذلك إلى بقاء الهواء الساخن القادم من شمال أفريقيا فوق أوروبا لأيام أو أسابيع، ما يسمح بتراكم الحرارة تدريجيًا وبلوغ مستويات قياسية.

كما تعمل بعض المنخفضات الجوية القريبة من سواحل البرتغال على سحب كتل هوائية حارة من أفريقيا نحو الشمال، في عملية يشبهها خبراء الطقس بـ”المكنسة الهوائية” التي تدفع الهواء الساخن إلى قلب القارة الأوروبية.

القطب الشمالي يسرّع احترار أوروبا

القطب الشمالي

تلعب الجغرافيا دورًا رئيسيًا في تسارع الاحترار الأوروبي، إذ ترتبط القارة مباشرة بالقطب الشمالي الذي ارتفعت حرارته بنحو 3.2 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الصناعة.

ويعود ذلك جزئيًا إلى ظاهرة تعرف باسم “تغذية البياض الراجعة” أو “الألبيدو”، حيث تعكس الثلوج والجليد جزءًا كبيرًا من أشعة الشمس إلى الفضاء، لكن مع ذوبان الجليد تنكشف أسطح داكنة من اليابسة أو المياه تمتص مزيدًا من الطاقة الحرارية، ما يؤدي إلى مزيد من الاحترار.

كما شهدت مناطق عديدة في أوروبا تراجعًا ملحوظًا في الغطاء الثلجي الشتوي، الأمر الذي يزيد من امتصاص الحرارة ويعزز ارتفاع درجات الحرارة.

انخفاض التلوث ساهم بصورة غير مباشرة

التلوث

رغم أن تحسين جودة الهواء يمثل إنجازًا بيئيًا مهمًا، فإن تراجع انبعاثات الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم “الهباء الجوي” أو “الأيروسولات” أدى إلى تقليل تأثيرها المبرد للمناخ.

فهذه الجسيمات كانت تعكس جزءًا من أشعة الشمس وتساعد على زيادة انعكاسية السحب، وبالتالي تخفف من ارتفاع درجات الحرارة. ومع تراجعها أصبح تأثير الاحترار الناجم عن غازات الدفيئة أكثر وضوحًا.

مناطق تسجل معدلات احترار قياسية

تختلف معدلات الاحترار داخل أوروبا نفسها. فقد سجلت مناطق شرق وجنوب شرق أوروبا وأجزاء من أوروبا الوسطى، بما فيها جبال الألب، ارتفاعات تتراوح بين 0.5 و1 درجة مئوية كل عقد خلال الثلاثين عامًا الماضية.

أما غرب وجنوب غرب أوروبا وبعض مناطق شمال القارة فقد شهدت ارتفاعات أقل نسبيًا تراوحت بين 0.2 و0.5 درجة مئوية لكل عقد.

وتُعد أرخبيلات سفالبارد النرويجية في القطب الشمالي من أسرع المناطق احترارًا على وجه الأرض، حيث وصلت معدلات الارتفاع الحراري إلى ما بين 1.5 و2 درجة مئوية لكل عقد، وسجلت خلال الأعوام الأخيرة درجات حرارة صيفية قياسية غير مسبوقة.

تغير المناخ يفاقم موجات الحر

تغير المناخ
تغير المناخ

يؤكد العلماء، أن ظواهر مثل القباب الحرارية وأنماط “أوميغا” ليست جديدة في حد ذاتها، لكنها أصبحت أكثر تأثيرًا في عالم ترتفع حرارته باستمرار بسبب انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز.

ومع استمرار الاحترار العالمي، تزداد احتمالات وقوع موجات حر أكثر شدة وأطول مدة وأكثر خطورة على صحة الإنسان والبنية التحتية والأنظمة البيئية، ما يجعل أوروبا واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضًا لتداعيات تغير المناخ خلال العقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة