د.سالي فودة: الذهب الأسود المستدام: كيف يغيّر “البيوتشار” مستقبل الأراضي الجافة؟
أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية
في عالم يفقد 12 مليون هكتار من أراضيه المنتجة سنويًا بسبب التصحر والجفاف (وفقًا لتقديرات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر UNCCD)، لم يعد التوصيف والتشخيص كافيين. إن الارتفاع المقلق في درجة حرارة سطح الأرض بمعدل 1.7 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، قد حوّل أراضينا الجافة — التي تعيل نحو 2.7 مليار إنسان — إلى بيئات هشّة تفقد خصوبتها ومياهها بسرعة، بل وتحولت، بفعل الجفاف، من “بالوعات للكربون” إلى “مصادر لانبعاثات غازات الدفيئة”.
ولكن، ماذا لو كان الحل الكامن لهذه المعضلة البيئية والاقتصادية يكمن في تدوير مخلفاتنا الزراعية وتحويلها إلى مادة قادرة على إعادة الحياة للتربة الميتة؟ هنا يأتي دور “البيوتشار” (Biochar)، أو الفحم الحيوي، كسلاح استراتيجي وتطبيقي لمكافحة التصحر وتحقيق الأمن الغذائي.
ما هو البيوتشار؟ وكيف يقلب موازين معركة التصحر؟
البيوتشار هو مادة كربونية مسامية غنية، تُنتج عن طريق معالجة المخلفات الزراعية حراريًا (مثل قش الأرز، ومخلفات النخيل، وحطب القطن) بمعزل عن الأكسجين، فيما يُعرف بعملية “الانحلال الحراري”. يتميز هذا المركب بثباته العالي، حيث يمكن أن يبقى في التربة لقرون، مقدمًا حلًا مباشرًا لأبرز مظاهر التصحر.
إسفنجة ذكية لاحتجاز المياه:
تغطي الأراضي الجافة 38% من مساحة اليابسة، وتعاني من ندرة الأمطار وسرعة التبخر. يعمل البيوتشار، ببنيته المسامية الفائقة، كإسفنجة ميكروسكوبية داخل التربة، مما يزيد من قدرة الأرض على الاحتفاظ بالمياه، ويمنح النباتات مرونة للبقاء خلال فترات الجفاف، كما يقلل من هدر مياه الري بنسبة قد تتجاوز 30%.
مغناطيس للمغذيات ومحارب للتملح:
تشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن تآكل التربة يتسبب في خسائر كبيرة من العناصر الغذائية. عند إضافة البيوتشار، فإنه يساعد على جذب هذه العناصر ومنع فقدانها، كما يساهم في تقليل تملح التربة وتحمّضها الناتج عن الاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية.
من “مصدر انبعاثات” إلى “مصيدة للكربون”
يسهم تدهور الأراضي في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نتيجة ضعف الغطاء النباتي. وهنا يبرز دور البيوتشار في التخفيف من تغير المناخ، إذ يعمل على حبس الكربون داخل بنيته المستقرة ودفنه في التربة لمئات السنين، بدلًا من إطلاقه عبر الحرق المكشوف للمخلفات الزراعية. وبذلك، يجمع بين تحسين خصوبة التربة وتقليل الانبعاثات.
الأمن الغذائي والفرص الاقتصادية للمجتمعات النامية
يمثل البيوتشار أداة فعالة لتعزيز الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد المحلي:
- استعادة الأراضي المتدهورة: يعيد البيوتشار خصوبة التربة، مما يساهم في تعويض جزء من الفاقد العالمي في إنتاج الحبوب.
- حماية الثروة الحيوانية: يدعم استدامة المراعي، خاصة في المناطق الجافة، من خلال الحفاظ على الغطاء النباتي.
- خلق فرص عمل خضراء: يتيح إنتاج البيوتشار محليًا فرصًا اقتصادية جديدة، ويساهم في رفع دخل المزارعين من خلال تدوير المخلفات الزراعية.
نداء
إن مواجهة التصحر لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة لضمان الأمن الغذائي العالمي. ويُعد تبني تقنيات البيوتشار وتوطينها ضمن الحلول القائمة على الطبيعة خطوة عملية نحو الانتقال من مرحلة رصد الأزمة إلى صناعة الحل.





