وجهات نظر

د.رفعت جبر: اللعنة الفارسية.. هل تتحول إيران إلى المقبرة التالية للهيمنة الأمريكية؟

عضو المجلس الأعلى للثقافة _ رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

على أرض إيران تحطمت تيجان الأرض؛ إذ لم تكن الإمبراطوريات عبر التاريخ تسقط فقط بسيف غريمٍ متفوق، بل بداءٍ غريب يُصيب القوى العظمى حين تبلغ ذروة غرورها: شهوة التمدد نحو الشرق. من نشوة الإغريق إلى حديد الرومان، وصولًا إلى طوفان المغول وآلات العصر الحديث؛ مرّت جحافل وظنّ قادتها أنهم ملكوا مقاليد الجغرافيا وسادوا العالم.

غير أن التاريخ، بحياده القاسي، ظل يُسجّل ظاهرة جيوسياسية فريدة: كلما امتدت يدُ إمبراطوريةٍ لابتلاع الهضبة الإيرانية، تحولت تلك الرقعة العصية إلى مقبرة صامتة تُستدرج إليها الجيوش العتيدة لتنزف حتى الموت.

اليوم، وبينما تتصاعد نبرة التهديدات ثم تتراجع أمام إعلانات التهدئة ووقف الحرب بين واشنطن وطهران، يقف صناع القرار في البيت الأبيض عند ذات المفترق التاريخي: هل تسير واشنطن على خطى روما ولندن وموسكو لتصبح الضحية الأحدث لـ”اللعنة الفارسية”؟ أم أن التراجع التكتيكي الراهن هو محاولة متأخرة للهروب من المصيدة؟

صخرة الهضبة ومرونة السجاد (كيف تكسر فارس أعتى الجيوش؟)

قبل الحديث عن الاستراتيجيات الحديثة، يجب فهم العقيدة الجيوسياسية التي جعلت من إيران حصنًا يبتلع الفاتحين:

• الهضبة كـ”مصيدة لوجستية”: إيران ليست رقعة مسطحة يمكن حسمها بإنزال خاطف؛ إنها قلعة طبيعية تحيط بها سلاسل جبال “زاجروس” و”البرز” الشاهقة، وتتوسطها صحارى قاحلة كـ”دشت كوير”. هذه الجغرافيا تُحوّل أي خط إمداد بري إلى كابوس استنزاف قاتل لأي جيش نظامي.

• استراتيجية “السجاد الفارسي” (التذويب العكسي): تمتلك إيران قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات العسكرية الأولى. لم تكن طهران تسعى دائمًا لمنع الغزو عند الحدود، بل تركته يتمدد حتى يغرق في عمقها، لتتولى الثقافة والبيئة الفارسية عملية “تذويب عكسية” تُفكك قوة الغازي من الداخل.

سجل الانتصارات الفارسية… كيف اندثر الفاتحون على أعتابها؟

  1. الإسكندر المقدوني: نشوة النصر التي أعدمت الإمبراطورية
    أسقط الإسكندر الأكبر الدولة الأخمينية عسكريًا، لكن الهضبة الفارسية لم تستكن. غرقت قواته في حروب عصابات طاحنة في الولايات الشرقية أودت بصلابة جيشه. وما إن فارق الإسكندر الحياة شابًا، حتى تمزقت إمبراطوريته وتلاشت السيطرة اليونانية، لتستعيد الأرض هويتها الفارسية عبر السلالات الفرثية ثم الساسانية.
  2. الإمبراطورية الرومانية: “ملحمة حران” وكسر كبرياء روما
    حاول الرومان لقرون التمدد شرقًا لتطويق العالم. وكانت الإجابة الفارسية حاسمة في معركة حران (Carrhae) سنة 53 ق.م، حيث سُحق الجيش الروماني وقُتل قائده “كراسوس”، أحد أثرى أثرياء روما، بعد أن أُمطرت قواته بوابل من سهام الفرس المتحركة. ظلت فارس الجدار الصلب الذي منع روما من دخول آسيا، واستنزف خزينتها وجيوشها حتى انقسمت الإمبراطورية وسقطت.
  3. الطوفان المغولي: سقوط الجسد واستيلاء الروح
    اجتاح المغول إيران بدموية غير مسبوقة في القرن الثالث عشر. ورغم التدمير الشامل، حدثت المفارقة الفارسية: في غضون عقود قليلة، اعتنق الخانات المغول (الإلخانات) الإسلام وتبنّوا اللغة الإدارية والثقافة الفارسية. استُوعب المغول تمامًا، فماتت الدولة المغولية الغازية وبقيت إيران.
  4. اللعبة الكبرى: اندحار بريطانيا والاتحاد السوفيتي
    في القرن العشرين، حاولت الإمبراطورية البريطانية، إلى جانب الروس، تقاسم إيران وتحويلها إلى منطقة نفوذ. غير أن إيران استعصت على التدجين، واضطر الاحتلال للانكفاء. انطوت الصحيفة الاستعمارية لبريطانيا، وتفكك الاتحاد السوفيتي لاحقًا، بينما ظلت إيران كيانًا جغرافيًا وسياسيًا صلبًا.

واشنطن وإعلان وقف الحرب… بين التكتيك الحذر واجتناب الفخ

عند قراءة السلوك الأمريكي الحديث تجاه إيران، ولا سيما التردد في الذهاب إلى صراع شامل وإعلانات وقف الحرب أو التهدئة، يتضح أن العقل الاستراتيجي في واشنطن يُحلل المشهد عبر منحيين:

  1. الاعتراف الضمني بـ”أطروحة الاستنزاف”
    تدرك القواعد العسكرية الأمريكية أن التفوق الجوي والتكنولوجي قادر على التدمير، لكنه عاجز عن الحسم. فالتحول إلى مواجهة شاملة يفرض الخروج من شاشات الرادار إلى أرض الواقع، مما يفعّل “حزام النار الإقليمي” لإيران ويهدد شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز. إن إعلان وقف الحرب ليس إلا اعترافًا ضمنيًا بأن كلفة التمدد فوق الهضبة ستكون شرارة أفول اقتصادي وعسكري محتمل.
  2. التكتيك الأمريكي: الحروب البديلة
    واشنطن لا تتراجع عن أهدافها، بل تغيّر الأدوات. إعلان وقف التعديات العسكرية المباشرة هو تكتيك براغماتي لتجنب “المقبرة البرية”، والاعتماد بدلًا من ذلك على:
  • الحصار والضغط الاقتصادي
  • الهجمات السيبرانية المعقدة
  • استنزاف العمق الإقليمي لإيران عبر الحروب بالوكالة

المستقبل المنظور… سيناريوهات الصراع المرتقب

  1. سيناريو “التآكل البطيء” (المرجح): تستمر واشنطن في تجنب المواجهة المباشرة، مع تصعيد الضغوط الاقتصادية، بينما تعزز إيران قدراتها الردعية.
  2. سيناريو “الصدام غير المحسوب”: قد يؤدي أي اندفاع نحو مواجهة مفتوحة إلى حرب إقليمية طويلة تستنزف الجميع وتسرّع التحول إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

عندما يكتب التاريخ فصله الأخير

إن الإمبراطوريات لا تسقط دومًا بضربة قاضية، بل تحت وطأة التمدد الزائد والإنهاك البطيء. لقد أثبتت الهضبة الإيرانية، عبر آلاف السنين، أنها ليست مجرد مساحة جغرافية، بل معادلة صعبة للغزاة: إما أن تتركها وشأنها، أو تغرق في تفاصيلها القاتلة.

إن الولايات المتحدة، رغم قوتها غير المسبوقة، تدرك -أو ينبغي أن تدرك- أن حروب الشرق الأوسط لا تُحسم بالشاشات ولا بالبيانات. وإذا ما أصرّت على تجاوز دروس التاريخ، فقد تجد نفسها يومًا اسمًا جديدًا في قائمة الإمبراطوريات التي ظنت أنها فوق التاريخ… فأصبحت جزءًا من ماضيه.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة