وجهات نظر

د.رفعت جبر: خرائط الدم والوصاية.. من فخ دايتون إلى حصار طهران

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

  • الفوضى الخلاقة أم الخراب الممنهج؟ دروس من العراق إلى أوكرانيا

ليست هذه السطور احتفاءً بوجع، ولا شماتةً في مُصاب؛ فالشماتة ليست من شيم من ذاق الظلم، بل هو جرد حساب تاريخي وقراءة في “سُنن الله” التي لا تحابي أحدًا.

إن ما نراه اليوم من تمزق في أوكرانيا، أو حصار يُطبق على إيران في 2026، ليس مجرد صدفة سياسية، بل هو تذكير بأن من يتورط في هدم بيوت الآخرين، لن يجد جدارًا يحميه حين ينهار بيته.

الوصاية الاستعمارية كخوارزمية تدمير

إن “الازدواجية الغربية” ليست خللًا في النظام، بل هي أصل النظام. فهم لا يتدخلون لمنع القتل، بل لتنظيمه بما يخدم مصالحهم. وما موقف الأمم المتحدة آنذاك في البوسنة إلا وجه قديم للمنظومة نفسها التي تصمت اليوم عن إبادة شعبنا في فلسطين.

وعلينا أن ندرك أن الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في إيران عام 2026، وما فعلته في فلسطين والعراق وليبيا وسوريا، وفشل المحاولة في مصر عام 2011، هو تطبيق عملي لمبدأ “الفوضى الخلاقة”.

فهم لا يتدخلون لإصلاح الشعوب، بل لكسر إرادتها. فعندما تدخلت الولايات المتحدة في البوسنة، لم تفعل ذلك إلا بعد أن تأكدت أن المسلمين قد أُنهكوا تمامًا، ففرضت “اتفاق دايتون” الذي كبّل الدولة وجعلها مشلولة سياسيًا حتى يومنا هذا.

تتجلى “الوصاية الاستعمارية الحديثة” للولايات المتحدة في تجاوزها لحدود الجغرافيا لفرض واقع من التبعية المطلقة، حيث لا يُعد تدخلها في مصائر شعوب المنطقة، من طهران إلى غزة، مجرد سياسة عابرة، بل تنفيذًا لـ”استراتيجية الخراب الممنهج” التي تهدف إلى منع بروز أي قوة إقليمية موحدة (كالعراق أو سوريا أو إيران) قد تهدد الهيمنة العالمية تحت عقيدة “الفراغ الاستراتيجي”.

إن هذا التفكيك الممنهج للدول والجيوش لا يخدم فقط تأمين “التفوق النوعي” للكيان الصهيوني كركيزة وجودية للمصالح الغربية، بل يسعى أيضًا إلى استدامة الفوضى كأداة لرهن الثروات النفطية والممرات التجارية بيد الوصي الأمريكي، وتحويل حاجة الشعوب للأمان إلى صك استسلام يُشرعن نهب المقدرات تحت ذريعة الاستقرار.

دروس من التاريخ

  1. قانون “نُداوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”: الجزاء من جنس العمل
    لا يمكن قراءة المشهد الأوكراني اليوم دون العودة إلى عام 2003، حين قررت أوكرانيا أن تكون رابع أكبر قوة في التحالف الذي غزا العراق. إن الذي ساهم في تشريد العراقيين بالأمس يذوق اليوم مرارة النزوح. هي صرخة تحذير لكل القوى: الظلم دَيْن، والتاريخ لا ينسى الدائنين.

  2. فلسطين والبوسنة: جرح واحد وسكين واحدة
    من يظن أن إبادة البوسنة (300 ألف قتيل و60 ألف ضحية اغتصاب) كانت حدثًا عابرًا، فلينظر إلى فلسطين.
    في البوسنة: نُزع سلاح المسلمين مقابل وعود “المناطق الآمنة”، فكانت النتيجة “سربرنيتسا”.
    في فلسطين: يتحدثون عن “القانون الدولي” و”المعايير الإنسانية”، بينما تُباد غزة تحت الحصار، وتُهدم البيوت فوق رؤوس أهلها. ولولا موقف مصر الثابت لتمت الإبادة الكاملة والتهجير.

  3. خوارزمية التدمير (من ليبيا إلى إيران)
    إن النموذج الذي دمر يوغوسلافيا (البوسنة) هو نفسه الذي طُبق في العراق وليبيا وسوريا تحت ذرائع متعددة أثبتت الأيام زيف منطقها: فلا العراق كان يملك أسلحة دمار شامل، ولا كانت ليبيا مصدرًا لتهديد محلي أو عالمي، ولا سوريا معقلًا للإرهاب المتناهي، ولكنه “الكتالوج” الجاهز الآن لإيران في 2026 (سواء اختلفنا أو اتفقنا على النظام الإيراني بما له وما عليه)، ويعمل من خلال المحاور التالية:

  • تجريد الأوراق القوية: إقناع الدولة بالتخلي عن عناصر قوتها (نووي، صواريخ، نفوذ إقليمي) مقابل “الاندماج العالمي”.

  • الفوضى الممنهجة: بمجرد تجريد الضحية، يبدأ العزف على أوتار القوميات والمذاهب، لتتحول الدولة من “قوة إقليمية” إلى “غابة مليشيات” تأكل بعضها بعضًا.

  • الهدف النهائي: ألا تقوم لهذه المنطقة قائمة، وأن تبقى القوى الغربية ممثلة في دولة وحيدة مستقرة في محيط من الركام.

الخلاصة: المقصلة والمنطقة الرمادية

التاريخ القريب يؤكد أن الوصاية الأمريكية لا تُنتج إلا دولًا فاشلة؛ ومن استنصر بها وجد نفسه ساحة لتصفية الحسابات، كما حدث في أوكرانيا وليبيا. إن ما يُحاك لإيران اليوم لا يستهدف “تغيير النظام” فحسب، بل يهدف إلى تحويل المنطقة الممتدة من طهران إلى القدس إلى “منطقة رمادية” غارقة في الدماء، لا يعلو فيها صوت فوق مصالح واشنطن وتل أبيب.

إن ما تواجهه إيران اليوم من ضغوط واستهداف ممنهج لا يمت بصلة لشعارات “نصرة الشعوب”، بل هو فصل ختامي لمحاولة هدم آخر الحصون الممانعة للمشروع الصهيوني-الغربي. إن سقوط إيران يعني استباحة ما تبقى من العواصم العربية والإسلامية؛ فهي معركة وجودية بامتياز، ومن لم يستوعب الدرس من صراخ أطفال غزة وأوجاع البوسنة، فلن يدرك الحقيقة إلا حين تلتهم النيران عقر داره.

إن العدو الذي ارتكب المجازر في البوسنة، وهو نفسه الذي يحرق الخيام في رفح اليوم، يؤمن بقانون واحد: “القوة هي الحق”. فلا تراهنوا على مواثيق دولية تُكتب بدماء الضعفاء، ولا تنخدعوا بشعارات حضارة تدعي التسامح بينما غضت الطرف عن أبشع الجرائم في قلب أوروبا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading