وجهات نظر

د.{فعت جبر: بحر البقر إلى مناب.. من غزة إلى لبنان.. اغتيال الكراريس وحرق المستقبل

عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

بكلماتٍ تقطر وجعًا، صاغ المبدع صلاح جاهين مرثيته الخالدة “الدرس انتهى.. لمّوا الكراريس”، التي وُلدت من رحم مجزرة مدرسة بحر البقر في أبريل 1970، حين استهدفت الطائرات الإسرائيلية براءة الأطفال المصريين، محوِّلةً فصول العلم إلى ساحات دماء.

واليوم، يعيد التاريخ نفسه بصور أشد قسوة؛ فمنذ فبراير الماضي، تشهد المنطقة تصعيدًا غاشمًا، حيث سُجلت استهدافات طالت تلميذات ومدنيين، لتمتد المأساة من جرح مصر القديم إلى جراح غزة ولبنان، وصولًا إلى التوترات التي طالت العمق الإيراني في “مناب”، في سلسلة من الاعتداءات التي تستهدف الإنسان والحجر معًا.


اغتيال الطفولة: تعمّد قتل المستقبل

إن استهداف التلميذات—سواء في الذاكرة المصرية بقرية بحر البقر أو في الأحداث المرتبطة بـ”مناب” الإيرانية وغيرها—يمثل تعمدًا ممنهجًا لقتل المستقبل.

فقتل التلميذة ليس مجرد جريمة عابرة، بل هو محاولة لوأد الحلم في مهده وتعطيل عجلة التطور الإنساني.

يعكس هذا النهج رغبةً في كسر الروح المعنوية للشعوب عبر استهداف أضعف حلقاتها وأكثرها براءة، مما يحوّل الساحات التعليمية من منابر للنور إلى أهداف عسكرية في صراع لا يفرّق بين مقاتل وطفل يحمل قلمًا.

إن ما جرى في “مناب” لم يكن مجرد انفجار عسكري، بل هو تكرار كربوني لمأساة بحر البقر؛ حيث اخترقت الصواريخ جدران المنشآت التي تؤوي مدنيين وطلبة تحت غطاء “استهداف مراكز حيوية”.

هذا العدوان الغاشم على مناب، بصفته مركزًا حضريًا، يكشف عن استراتيجية “العمى المقصود” التي تنتهجها الآلة العسكرية لتوسيع رقعة الألم، محوّلةً جغرافيا العلم في العمق الإيراني إلى دليل إدانة جديد يُضاف إلى سجل “اغتيال الكراريس” الذي بدأ في مصر ولم ينتهِ في غزة.

سياسة الأرض المحروقة: الاستخدام الغاشم للقتل والهدم

تمتد يد الدمار اليوم من قطاع غزة إلى جنوب لبنان، وصولًا إلى التصعيد العسكري ضد إيران، لترسم لوحةً قاتمة للاستخدام الغاشم للقوة.

لا يقتصر الأمر على القتل المباشر، بل يتعداه إلى الهدم الكلي للبنى التحتية؛ فالمنازل والمستشفيات والمدارس تُسوّى بالأرض لتحويل المدن إلى أماكن غير قابلة للحياة.

هذا الهدم الممنهج للحجر هو في الحقيقة هدم لأسس الاستقرار البشري، مما يجبر الأجيال القادمة على العيش وسط الركام، مثقلةً بتبعات نفسية واقتصادية طويلة الأمد.

سقوط الأقنعة: زيف السلام ومنطق القوة

إن تكرار هذا العدوان الممنهج من قتل وتخريب، رغم الادعاءات المستمرة بـ”الرغبة في السلام” ومزاعم “رد الاعتداء”، أصبح اليوم عاريًا من الصحة.

لقد سقطت ورقة التوت عن هذا الخطاب الذي يحاول تصوير الجلاد في صورة الضحية.

إن ما يحدث على أرض الواقع يثبت أن هذه الممارسات لا تستند إلى حق أو عدل، بل تتبع منهج القوة الغاشمة وحدها لفرض واقعها، متجاهلةً كل الشعارات التي تُرفع في المحافل الدولية، حيث بات جليًا أن السلام لا يُستخدم إلا كغطاء لاستمرار العنف والسيطرة.

تعطيل القانون الدولي وازدواجية المعايير

أمام هذا الاعتداء الصارخ، يبدو القانون الدولي وكأنه معطّل أو عاجز عن لجم الآلة العسكرية. إن استهداف المنشآت المدنية وقتل الأطفال يمثلان خرقًا مباشرًا لاتفاقيات جنيف الرابعة، ومع ذلك تستمر هذه الانتهاكات وسط صمت دولي أو عجز مؤسسي.

هذا التآكل في هيبة القانون الدولي يفتح الباب أمام شريعة الغاب، حيث يصبح “الحق” لمن يملك القوة، وتتحول المواثيق التي وُضعت لحماية الإنسان إلى حبر على ورق أمام مشاهد الدماء الممتدة من غزة إلى مختلف بقاع المنطقة.

خلاصة القول

إن “الدرس” الذي ظنّ المعتدي أنه أنهى فصوله بالقتل والتدمير، تحوّل إلى وعيٍ شعبي لا يلين. لقد استوعبت الشعوب الدرس جيدًا، وستُلمّ الكراريس لا لتنهي الحكاية، بل لتكتب بداية جديدة؛ بداية تخطّها أقلام الإرادة لوقف هذا العدوان وصدّ الغاشم.

فالحجر الذي هُدم سيُبنى، والكراريس التي تلطخت بالدماء ستصبح وثيقةً وشاهدًا يكتب سطر النهاية لكل من يتجاوز حدود الإنسانية والقانون.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading