د.عاصم عبد المنعم: الاقتصاد الدائري والزراعة.. حلول مبتكرة لمواجهة تغير المناخ
رئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية- مركز البحوث الزراعية
يُمثل تغير المناخ تهديداً وجودياً للبشرية إلا أن التقدم في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بطيء للغاية، وللحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية يجب خفض الانبعاثات العالمية بنسبة 50% في العقد القادم والوصول إلى مستويات صافي الصفر بحلول عام 2050.
فى الغالب تكون جهود التخفيف الحالية محدودة النطاق نسبياً وتركز في كثير من الأحيان على قطاعات أو أنشطة محددة مثل زيادة توليد الطاقة المتجددة أو تحسين كفاءة الطاقة أو تجنب انبعاثات غاز الميثان والانبعاثات المرتبطة باستخدام الأراضي بدلاً من التركيز على مسارات شاملة لإزالة الكربون فى كافة القطاعات الإقتصادية.
يُقدم الاقتصاد الدائري نهجًا بديلًا للنموذج الاقتصادي الخطي الحالي، فبدلًا من استخراج المواد الخام لِصنع المُنتجات والسلع واستخدامها ثم التخلص منها في نهاية المطاف يُركز الاقتصاد الدائري على الحفاظ على الموارد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة واستخلاص أقصى قيمة منها أثناء استخدامها واستعادة المنتجات والمواد القابلة للاستخدام وإعادة تدويرها في نهاية عمرها الافتراضي.
تدخلات الاقتصاد الدائري فى القطاع الزراعى
التدخلات ضمن الدورة البيولوجية: هناك العديد من مُمارسات الاقتصاد الدائرى فى القطاع الزراعى منها الزراعة التجديدية وإنتاج الغاز الحيوي من روث الماشية والتحول إلى مصادر البروتين البديلة والأنظمة الغذائية المستدامة وتقليل الفاقد الغذائي من الحصاد إلى التَصنيع وتجنب هدر الطعام على مستوى تجار التجزئة والمستهلكين وتسريع الاقتصاد الحيوى الخ وسنكتفى فى هذا المقال بعرض تدخلين فقط من تدخلات الاقتصاد الدائرى فى قطاع الزراعة مع ذكر مثال تطبيقى لأحد الدول.
1- خفض الانبعاثات الناتجة عن إنتاج المحاصيل من خلال الزراعة التجديدية
تُمثل الانبعاثات الناتجة من القطاع الزراعى نحو ثلث انبعاثات غازات الإحتباس الحرارى العالمية الناتجة عن الأنشطة البشرية. ساهمت الزراعة واستخدام الأراضي أو تغيير استخدام الأراضي بنحو 70% من الإنبعاثات الناتجة من القطاع الزراعى بينما ارتبطت النسبة المتبقية بالأنشطة المتعلقة بسلسلة الإمداد الغذائي.
وتعتبر الزراعة التجديدية أحد الحلول المستدامة لتحديات الزراعة الحديثة مثل تدهور التربة وتغير المناخ. يتماشى مفهوم الزراعة التجديدية مع ممارسات الاقتصاد الدائري من خلال التحول من نظام زراعي خطي استخراجي يعطي الأولوية لإنتاج المحاصيل على حساب البيئة وصحة الإنسان إلى نهج دائري يعزز التآزر بين الإنتاجية وصحة التربة والحفاظ على التنوع البيولوجي وإدارة المياه.
تشمل العناصر الرئيسية للاقتصاد الدائري ذات الصلة بالزراعة التجديدية إعادة تصميم كيفية إنتاج المحاصيل للتخلص التدريجي من المدخلات كثيفة الانبعاثات لغازات الاحتباس الحرارى (مثل الأسمدة)، وإعطاء الأولوية للمصادر المُتجددة من خلال الحلول القائمة على الطبيعة واستخدام المخلفات الحيوانية مثل السماد ومخلفات المحاصيل كموارد والحفاظ على التربة.
تُسهم ممارسات الزراعة المتجددة في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى من خلال تجنب الانبعاثات المُرتبطة بالمُدخلات الخارجية (مثل المواد الكيميائية والآلات الزراعية)، وتعزيز قدرة التربة على امتصاص الكربون والاحتفاظ به والقضاء على الانبعاثات الناتجة عن حرق مُخلفات المحاصيل مثل الكربون الأسود (Soot) وثاني أكسيد الكربون وتقليل كثافة الكربون في إنتاج المحاصيل عبر زيادة المحصول.
ويُمكن للزراعة المُتجددة أن تُخفف ما بين 14 و22 جيجا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بين عامي 2020 و2050 وذلك تبعًا لمستوى تبنيهاعالميًا.
ومن المُتوقع أيضاً أن يكون العائد على الاستثمار من الزراعة المتجددة كبيراً: إذ تشير التقديرات إلى أن إنفاق ما بين 78 و116 مليار دولار أمريكي على الزراعة المُتجددة سيؤدي إلى توفير ما بين 2.3 و3.5 تريليون دولار أمريكي في تكاليف التشغيل على مدى عمر المشروع.
دراسة حالة للزراعة التجديدية: تعزيز الممارسات الزراعية الإيكولوجية في الأرجنتين
للممارسات الزراعية التقليدية التي تشمل الزراعة الأحادية والاستخدام المكثف للمواد الكيميائية الزراعية آثار وخيمة على التربة في الأرجنتين، بما في ذلك انخفاض العناصر الغذائية والمواد العضوية وبالتالي انخفاض القدرة على حجز الكربون.
ولمعالجة هذه المشكلة يشجع اتحاد عمال الأراضي (UTT) الممارسات الزراعية الإيكولوجية كبديل للنموذج الزراعي المتبع، ويحث الاتحاد أعضاءه على استخدام المنتجات البيولوجية المستخلصة من الكائنات الحية ذات الخصائص المفيدة للتربة (المخصبات الحيوية) بدلاً من إستخدام المبيدات الحشرية وزراعة محاصيل متنوعة وليس محصول واحد وإستخدام البذور المعدلة وراثياً.
وقام اتحاد عمال الأراضي بالدعوة إلى تحسين التشريعات والتى تساعد في تأمين حصول المزارعين على الأراضي وتقدم قروضًا صغيرة وميسرة لصغار المزارعين لتسهيل تبني الممارسات الزراعية الإيكولوجية بسرعة، كما يَعقد الإتحاد دورات تدريبية ومبادرات لبناء القدرات وتَمتلك مصانع لإنتاج المبيدات الحشرية الطبيعية وتُوفر أسواقًا مُتنوعة لبيع المُنتجات الزراعية.
سَاهمت أنشطة اتحاد عمال الأراضي في تقليل المدخلات التخليقية الصناعية وتحسين جودة التربة مما أدى إلى الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وعزل الكربون، وبفضل هذه الأنشطة تُنتج نحو 250 مزرعة عائلية الآن على مساحة 300 هكتار بشكلٍ مُستدام، وقد سُجلت زيادة في المحصول بنسبة 20% وتوفير في نفقات المزرعة بنسبة 80% وتتضاعف في الإيرادات، علاوة على ذلك أصبح المُنتج الزراعي أكثر قيمة غذائية وخالٍ من المواد الكيميائية الزراعية.
2- تقليل الفاقد الغذائي من الحصاد إلى التَصنيع
يتم فقد جزء كبير من الغذاء المُنتج قبل وصوله إلى تجار التجزئة أو المستهلكين بسبب نقص البنية التحتية الكافية بما في ذلك أماكن التخزين والمعالجة وعدم اليقين بشأن الطلب وعدم توافر المعلومات السوقية وعدم كفاية الروابط السوقية. يُفقد ما يقرب من ربع الغذاء المُنتج في مراحل الإنتاج والمناولة والتخزين والمعالجة، ويحدث جزء كبير من ذلك في البلدان النامية.
شكّل فقد وهدر الطعام ما بين 8- 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية خلال الفترة 2010-2016، ببصمة كربونية عالمية بلغت 4.4 جيجا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وبفرض أن هذه الانبعاثات لدولة ما لكانت ثالث أكبر دولة مُسببة للانبعاثات.
تشمل تَدخلات الاقتصاد الدائرى الحفاظ على قيمة المنتجات الزراعية وإطالة عمرها الافتراضي من خلال تطوير البنية التحتية للتخزين والمناولة والمعالجة والنقل وتحسين سلاسل التوريد وقنوات الشراء للسماح بنقل المنتجات بكفاءة بين المنتجين والتجار والمستهلكين، على سبيل المثال: من خلال استخدام منصات تكنولوجية تربط المزارعين بالمشترين المُحتملين أو من خلال الزراعة التعاقدية أو التوريد المباشر أو مراكز التجميع الخ….
دراسة حالة: حلول تبريد تعمل بالطاقة الشمسية كخدمة في نيجيريا
تُعدّ خسائر ما بعد الحصاد في الخضراوات والفواكه كبيرة في نيجيريا، إذ تصل إلى نحو 50% من الإنتاج السنوى ويرجع ذلك إلى أنخفاض جودة أو نقص البنية التحتية وتدهور حالة الطرق وعدم استقرار مصادر الطاقة وقلة فرص الحصول على التكنولوجيا وعدم كفاية التمويل المُخصص لصغار المزارعين. تم إنشاء غرفة تبريد معيارية تعمل بالطاقة الشمسية بنظام الدفع حسب التخزين، تم إنشاؤها بواسطة القطاع الخاص عن طريق رائد أعمال بالتعاون مع المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) لمعالجة بعض هذه المشاكل.
تُوفر مرافق التبريد المُقامة بالقرب من مراكز إنتاج واستهلاك الغذاء الرئيسية (المزارع والأسواق) للمزارعين فرصة تخزين الخضروات والفواكهة وغيرها من المواد الغذائية سريعة التلف في غرف مبردة، مما يُطيل مدة صلاحيتها من يومين إلى حوالي 21 يومًا. ويتيح نموذج الدفع حسب التخزين للمزارعين الذين لا يستطيعون تَحمل تكاليف التخزين الباهظة حفظ منتجاتهم بأسعارٍ معقولة.
ثانيًا: التدخلات ضمن الدورة التكنولوجية
1- جعل عملية التحول إلى الطاقة المتجددة عملية دائرية
يُعدّ التحوّل من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة ضروريًا لخفض انبعاثات الكربون من قطاع الطاقة والتخفيف من آثار تغيّر المناخ، وهو تحوّل جارٍ بالفعل حيث ارتفعت حصة الكهرباء المُتجددة بنسبة 6% لتصل إلى ما يقارب 27% من إجمالي الطاقة الكهربائية العالمية في عام 2019، حيث ساهمت تقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية بنسبة 64% من هذه الزيادة. وتُعتبر مصادر الطاقة المتجددة الآن أرخص مصادر الكهرباء ومن المُتوقع أن تشهد نموًا ملحوظًا بحلول عام 2040 مدفوعةً بشكلٍ رئيسي بالطاقةِ الشمسية.
2- دمج التصميم الدائري في البناء
يُؤدي تزايد عدد السكان والثروة والهجرة الداخلية من الريف إلى المناطق الحضرية إلى نمو سريع في بناء المباني السكنية والتجارية والبنية التحتية على مستوى العالم، بما في ذلك في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط. من المتوقع أن يتضاعف حجم المباني في العالم بحلول عام 2060 مع توقع حدوث أكثر من 50% من هذه الزيادة بحلول عام 2040 لا سيما في دول آسيا وأفريقيا. ويعني هذا التوجه زيادة في استخراج مواد البناء الخام وبالتالي زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المُرتبطة بها.
يمكن لمبادئ الاقتصاد الدائري أن تساعد في الحد من الانبعاثات الكامنة والتشغيلية وتشمل التدابير تحسين تصميم المباني لضمان عمر أطول وتقليل استهلاك الطاقة خلال دورة حياة المبنى وتسهيل تفكيكه لاستعادة المواد القيّمة وإعادة استخدامها في نهاية عمره، فعلى سبيل المثال يمكن لاستراتيجيات التصميم السلبي للمناخ التي تتضمن خصائص معمارية لتقليل استهلاك الطاقة حيث يستخدم المصادر الطبيعية للتدفئة والتبريد مثل الشمس والنسيم البار.
بالإضافة إلى التصميم المعياري والبناء خارج الموقع أن تُقلل من النفايات في عملية البناء (حيث يُهدر حوالي 15% من مواد البناء) وتزيد من سهولة التفكيك وإعادة الاستخدام والتدوير، كما يُمكن للحلول القائمة على الطبيعة مثل الأسطح الخضراء أن تقلل من استهلاك الطاقة في المباني.
وفى الختام
تُبيّن هذه المقالة بوضوح دور الاقتصاد الدائري في التخفيف من آثار تغير المناخ، مع توفير فوائد اجتماعية واقتصادية وبيئية أوسع، كما ويتناول أمثلة لممارسات الإقتصاد الدائرى متخصصة داحل القطاع الزراعى ومماراسات الاقتصاد الدائرى ضمن الدورة التكنولوجية للحد من انبعاثات غازات مع تقديم أمثلة عملية لتنفيذ مشاريع دائرية ذات إمكانات قوية في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لعديد من الدول المختلفة.
المراجع
- Ali, S. and Leonard, S.A. 2021. The Circular Economy and Climate Mitigation. A STAP Advisory Document. Scientific and Technical Advisory Panel to the Global Environment Facility. Washington, DC.
- 2015. Reducing food loss along African agricultural value chains.https://www2.deloitte.com/content/dam/Deloitte/za/Documents/consumerbusiness/ZA_FL1_ReducingFoodLossAlongAfricanAgriculturalValueChains.pdf
- World Resources Institute. 2019. Creating a sustainable food future. https://www.wri.org/publication/creating-sustainable-food-future
- World Resources Institute. 2019. Reducing food loss and waste: Setting a global action agenda. https://files.wri.org/s3fs-public/reducing-food-loss- waste-global-action-agenda_1.pdf





