وجهات نظر

د.محمد الصوفي: هل أصبحت التنمية المستدامة رهينة الصراعات الدولية؟ قراءة في تقرير 2026

خبير ومدرب دولي في البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو الاتحاد الدولي لمديري المرافق

في الوقت الذي لم يتبقَّ فيه سوى سنوات قليلة على الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة بحلول عام 2030، يكشف تقرير التنمية المستدامة 2026، الصادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة (SDSN)، عن واقع أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.

وتشير بيانات التقرير إلى أن أيًّا من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر لن يتحقق بالكامل بحلول عام 2030 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

فبينما لا يزال المجتمع الدولي يُظهر التزامًا سياسيًا واسعًا بأجندة التنمية المستدامة، تؤكد المؤشرات أن التنفيذ لا يسير بالوتيرة المطلوبة، وأن العالم يواجه تحديات متشابكة تهدد بتحويل أهداف 2030 إلى طموحات مؤجلة، وفي مقدمتها النزاعات المسلحة، وضعف التمويل، وتغير المناخ، وتراجع التعاون الدولي.

نتائج التقرير

استند التقرير إلى تقييم أداء 169 دولة باستخدام 123 مؤشرًا تغطي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمؤسسية.

كما شاركت 190 دولة من أصل 193 دولة عضوًا في الأمم المتحدة، بنسبة 98.4%، في المراجعات الوطنية الطوعية، وهو ما يعكس استمرار الالتزام السياسي الدولي بأهداف التنمية المستدامة، رغم بطء التنفيذ.

وتوضح النتائج أن 16.5% فقط من أهداف التنمية المستدامة تسير على المسار الصحيح، في حين لا تزال 83.5% من الأهداف متأخرة عن الجدول الزمني المحدد.

وسجلت مؤشرات التكنولوجيا والاتصال، مثل التوسع في الوصول إلى الإنترنت والكهرباء، وانخفاض معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، أفضل مستويات التقدم، بينما جاءت أهداف القضاء على الجوع، والمدن المستدامة، والحياة تحت الماء، والحياة في البر، والسلام والعدل والمؤسسات القوية، ضمن أكثر الأهداف تعثرًا.

وعلى المستوى الإقليمي، حققت منطقة شرق وجنوب آسيا أفضل أداء عالمي خلال العقد الماضي، مدفوعة بالتخطيط طويل الأجل والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والتحول الصناعي، حيث تقدمت الهند 18 مركزًا، والصين 14 مركزًا، في مؤشر أهداف التنمية المستدامة.

في المقابل، واصلت الدول الإسكندنافية تصدر التصنيف العالمي، بقيادة فنلندا والسويد والدنمارك، بينما جاءت تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان في ذيل الترتيب نتيجة النزاعات وضعف المؤسسات والقيود المالية.

التنمية في مواجهة الجغرافيا السياسية

يبرز التقرير التمويل باعتباره أحد أكبر التحديات أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ تُقدَّر الفجوة التمويلية السنوية للدول النامية بما يتراوح بين 2.5 و4 تريليونات دولار.

وفي المقابل، بلغ الإنفاق العسكري العالمي خلال عام 2025 نحو 2.9 تريليون دولار، وهو ما يعادل جزءًا كبيرًا من احتياجات تمويل التنمية المستدامة، الأمر الذي دفع التقرير إلى الدعوة لإعادة توجيه جزء من الموارد العالمية نحو الاستثمار في التنمية بدلًا من الصراعات.

كما يؤكد التقرير أن النزاعات المسلحة أصبحت العائق الأكبر أمام التنمية المستدامة، مشيرًا إلى استمرار الصراعات في أوكرانيا، وقطاع غزة، والسودان، واليمن، وميانمار، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومنطقة الساحل، وإثيوبيا.

ولفت إلى أن عام 2025 سجل أعلى عدد من الوفيات الناتجة عن النزاعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مؤشرات التنمية والاستثمار والاستقرار المؤسسي.

الشرق الأوسط… بين الضغوط والفرص

تعكس نتائج التقرير أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقف عند مفترق طرق.

فمن ناحية، تواجه المنطقة تحديات هيكلية تتعلق بندرة المياه، وتغير المناخ، والضغوط السكانية، والأمن الغذائي، وقيود التمويل، إلى جانب استمرار النزاعات في عدد من الدول.

ومن ناحية أخرى، تمتلك المنطقة فرصًا استراتيجية واعدة في مجالات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، وإدارة الموارد المائية، والتحول الرقمي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بحجم مواردها الطبيعية، وإنما بقدرتها على تحويل التحولات المناخية والطاقة العالمية إلى فرص استثمارية وتنموية، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على التكنولوجيا الخضراء وسلاسل الإمداد.

مصر وفرص التحول الأخضر

ورغم أن النسخة المتاحة من التقرير لا تعرض ترتيبًا رقميًا لمصر، فإنها تربط مستقبل التنمية فيها بمجموعة من الملفات الاستراتيجية، في مقدمتها إدارة الموارد المائية، والتكيف مع تغير المناخ، والطاقة المتجددة، والتمويل الأخضر، والتحول الرقمي.

وتنسجم هذه الأولويات مع التحولات الاقتصادية العالمية، التي تشهد تزايدًا في الطلب على الاستثمارات منخفضة الكربون ومشروعات البنية التحتية المستدامة، وهو ما يمنح مصر فرصة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة النظيفة وإدارة المياه، إذا ما استمرت الإصلاحات المؤسسية والاستثمارية.

من أزمة تمويل إلى أزمة حوكمة

تكمن القيمة الحقيقية للتقرير في أنه ينقل النقاش من سؤال: “كم نحتاج من الأموال؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: “كيف تُدار منظومة التنمية العالمية؟”

فالبيانات الواردة تشير إلى أن التحدي لم يعد يتمثل في نقص الموارد فقط، وإنما في ضعف الحوكمة الدولية، وتراجع فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف، وصعوبة تنسيق السياسات الاقتصادية والبيئية والأمنية في ظل نظام دولي يشهد تصاعدًا في المنافسة الجيوسياسية.

ومن ثم، فإن الرسالة الأساسية التي يبعث بها تقرير التنمية المستدامة 2026 ليست رسالة تشاؤم، بل رسالة تحذير.

فهو لا يقول إن تحقيق أهداف 2030 أصبح مستحيلًا، وإنما يؤكد أن السنوات المتبقية تتطلب تحولًا جذريًا في أسلوب العمل؛ من الاكتفاء بإعلان الالتزامات إلى بناء منظومات تنفيذ فعالة، ومن قياس النجاح بعدد الاستراتيجيات إلى قياسه بأثرها الحقيقي على حياة المواطنين.

لقد أصبحت التنمية المستدامة اليوم معيارًا لقدرة الدول على إدارة مستقبلها في عالم سريع التغير، ولم تعد مجرد مشروع بيئي أو اقتصادي.

وإذا كان تقرير 2026 قد أثبت شيئًا، فهو أن السنوات القليلة المقبلة لن تكون اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على صياغة أهداف جديدة، بل ستكون اختبارًا حقيقيًا لإرادته في تنفيذ ما التزم به بالفعل.

ويبقى السؤال الأهم أمام صناع القرار: هل ستكون السنوات المتبقية حتى عام 2030 سنوات تنفيذ حقيقي، أم سنوات لإعادة تفسير أسباب الإخفاق؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة