31.4 مليون دولار لحماية سواحل مصر.. 69 كم من مشروعات التكيف مع تغير المناخ
من الدلتا إلى الساحل الشمالي.. مصر توسع خططها للتكيف مع ارتفاع مستوى سطح البحر
استعرض الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، نتائج مشروع «تعزيز التكيف مع تغير المناخ في الساحل الشمالي ودلتا النيل»، إلى جانب الإطار المقترح لخطة الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، في خطوة تعكس توجه مصر نحو الانتقال من التعامل مع آثار التغيرات المناخية بعد وقوعها إلى التخطيط الاستباقي المبني على البيانات والنماذج العلمية وخرائط المخاطر.
ويُنفذ المشروع بدعم من صندوق المناخ الأخضر وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، من خلال وزارة الموارد المائية والري ممثلة في هيئة حماية الشواطئ، ويستهدف تعزيز قدرة المناطق الساحلية الأكثر تعرضًا لمخاطر تغير المناخ على مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر والتآكل والفيضانات الساحلية وتداخل المياه المالحة مع التربة والمياه الجوفية.
ويبلغ تمويل صندوق المناخ الأخضر للمشروع نحو 31.4 مليون دولار، إلى جانب تمويل مصري مشترك قدره 73.8 مليون دولار، ما يجعله واحدًا من أكبر استثمارات التكيف المناخي التي تركز على تعزيز قدرة السواحل المصرية على الصمود أمام المخاطر المناخية.

حماية 75 كيلومترًا من السواحل
وشهد المشروع تنفيذ أعمال حماية ساحلية في عدد من المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر، حيث جرى الانتهاء من 69 كيلومترًا من أعمال الحماية بحلول عام 2025 في خمس بؤر ذات أولوية بمحافظات دلتا النيل، هي بورسعيد ودمياط والدقهلية وكفر الشيخ والبحيرة، بهدف الحد من مخاطر التآكل والفيضانات الساحلية.
كما جرى تنفيذ 6 كيلومترات إضافية من أنظمة الحماية الساحلية منخفضة التكلفة في محافظتي البحيرة وكفر الشيخ، ليرتفع إجمالي أعمال الحماية المنفذة ضمن المشروع إلى نحو 75 كيلومترًا.
ولا تقتصر أهمية هذه الأعمال على حماية الشريط الساحلي، وإنما تمتد إلى حماية الأراضي الزراعية والمنازل والطرق والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية، بما يعزز قدرتها على الاستمرار في مواجهة الآثار المتزايدة للتغير المناخي.

الحلول الطبيعية في مواجهة مخاطر البحر
ويعتمد المشروع، إلى جانب أعمال الحماية التقليدية، على حلول قائمة على الطبيعة ووسائل صديقة للبيئة، من بينها تثبيت الكثبان الرملية باستخدام حواجز من نباتات البوص المنسوجة، بما يوفر حماية للسواحل بتكلفة أقل مقارنة بالعديد من وسائل الحماية الصلبة التقليدية.
وتتميز هذه الحلول بإمكانية الاعتماد على المواد والمهارات المحلية في تنفيذها وصيانتها، فضلًا عن مساهمتها في تعزيز قدرة المناطق الساحلية على مواجهة العواصف الشديدة.
وأكد وزير الموارد المائية والري أهمية التوسع في استخدام الحلول القائمة على الطبيعة والوسائل الصديقة للبيئة، مع الاعتماد، حيثما يكون ذلك ممكنًا، على المواد الطبيعية والتكنولوجيات منخفضة التكلفة، وإشراك المجتمعات المحلية في تنفيذ وإدارة مشروعات التكيف.
خطة لإدارة الساحل المتوسطي بالكامل
وفي إطار التحول من تنفيذ مشروعات منفردة إلى منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، أُعدت أول خطة مصرية للإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية (ICZM) والمبنية على مخاطر المناخ، لتغطي كامل ساحل البحر المتوسط المصري البالغ نحو 1200 كيلومتر.
وتم الانتهاء من الخطة واعتمادها، مع تنفيذ تطبيقات تجريبية في محافظتي دمياط ومطروح، لتوفير إطار استراتيجي يوازن بين تعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ والنمو الاقتصادي وحماية البيئة والتنمية المستدامة.
وتستند الخطة إلى دراسات فنية متخصصة وتقييمات لمخاطر المناخ ومشاورات مع الجهات الحكومية والمحليات والخبراء وممثلي المجتمعات المحلية، بما يهدف إلى توحيد الرؤية الخاصة بإدارة المناطق الساحلية ومنع التعامل مع كل قطاع بمعزل عن القطاعات الأخرى.
وأكد سويلم أن الساحل يمثل نظامًا مترابطًا، وأن القرارات المتعلقة بالزراعة أو السياحة أو الصناعة أو العمران أو النقل يمكن أن تؤثر في باقي مكونات المنظومة الساحلية، وهو ما يجعل التنسيق بين الجهات المعنية ضرورة لضمان كفاءة الاستثمارات واستدامتها.

العلم والبيانات في قلب منظومة التكيف
ويعتمد المشروع بصورة متزايدة على البيانات العلمية لمساعدة الدولة في استباق المخاطر بدلًا من انتظار وقوعها، إذ شملت مخرجاته دراسات متخصصة حول تآكل السواحل والفيضانات والتداخل الملحي وأوجه الضعف الاجتماعية والاقتصادية، بما يتيح دمج المعلومات المناخية في عمليات التخطيط واتخاذ القرار.
كما جرى إطلاق أول نظام متكامل لرصد المناطق الساحلية على امتداد ساحل البحر المتوسط المصري، يضم 7 محطات لرصد مستوى سطح البحر تمتد بين العريش والسلوم، إلى جانب معدات لرصد الأمواج والطقس والمياه الجوفية، مع نقل البيانات إلى المركز القومي لبحوث المياه.
وتوفر هذه المنظومة قاعدة بيانات أكثر قوة لمتابعة التغيرات الساحلية وتحليلها، ودعم قرارات التكيف، وتحسين القدرة على الاستجابة المبكرة للمخاطر الناشئة.
مواجهة ارتفاع البحر وحماية الزراعة
ولا تتوقف مخاطر تغير المناخ على الفيضانات أو تآكل الشواطئ، إذ يمثل ارتفاع مستوى سطح البحر وتداخل المياه المالحة تهديدًا مباشرًا لجودة التربة والمياه الجوفية والإنتاج الزراعي، فضلًا عن تأثيراته المحتملة على الطرق والمنشآت والبنية التحتية والاستثمارات القائمة والمستقبلية.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة في دلتا النيل، التي تعد من أكثر المناطق إنتاجية وكثافة سكانية في مصر، وتضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبنية التحتية والمجتمعات الساحلية، ما يجعل حماية المنطقة جزءًا أساسيًا من حماية الموارد الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
وشدد وزير الري على أن إجراءات التكيف يجب أن تدخل في مرحلة التخطيط والتصميم للمشروعات منذ البداية، وليس أن تتم إضافتها بعد التنفيذ، بما يضمن تقليل المخاطر ورفع كفاءة الاستثمارات وإطالة عمر المشروعات.
768 ألف مستفيد وملايين آخرون بصورة غير مباشرة
وكان المشروع يستهدف عند إطلاقه الاستفادة المباشرة لنحو 768 ألف شخص يعيشون في المناطق الساحلية الأكثر تعرضًا للمخاطر، إلى جانب تعزيز القدرة على الصمود لنحو 17 مليون شخص إضافي بصورة أوسع، وقد تحققت هذه الأهداف بالفعل بحلول نهاية عام 2024.
كما شملت مكونات المشروع برامج تدريب وبناء قدرات للعاملين في الجهات الحكومية، في مجالات النمذجة المناخية وإدارة البيانات والرصد وإدارة مخاطر المناخ، إلى جانب برنامج «سفراء المناخ» الذي وصل إلى مرحلته الرابعة ويضم 160 عضوًا من المسؤولين في المحافظات الساحلية والوزارات المعنية.

مصر تستعد للمرحلة الثانية
ومع اقتراب المشروع من نهايته في أواخر عام 2026، تعمل مصر على ضمان استمرار نتائجه وعدم ارتباطها فقط بالفترة الزمنية للمشروع، إذ التزمت الحكومة بتشغيل وصيانة أعمال الحماية الساحلية البالغ طولها 75 كيلومترًا لمدة 40 عامًا.
كما ستواصل لجان الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، وشبكة الرصد الوطنية، وكود البناء الساحلي، والكوادر التي جرى تدريبها، العمل على دعم الإدارة المستدامة للساحل المصري خلال العقود المقبلة.
وفي الوقت نفسه، تدرس وزارة الموارد المائية والري تنفيذ مرحلة ثانية من المشروع تستهدف مواصلة حماية المناطق الساحلية الأكثر تعرضًا للآثار السلبية لتغير المناخ، والاستفادة من الدروس المستخلصة والنتائج التي تحققت خلال المرحلة الحالية.
وتؤكد هذه الخطوات أن معركة مصر مع تغير المناخ على سواحلها لم تعد تقتصر على بناء منشآت لحماية الشاطئ، وإنما تتجه نحو نموذج أشمل يقوم على البيانات والعلوم والتخطيط طويل الأجل والحلول القائمة على الطبيعة ومشاركة المجتمعات المحلية، بما يضع حماية دلتا النيل والساحل المصري ضمن رؤية أوسع للتنمية المستدامة وحماية الموارد والاستثمارات للأجيال المقبلة.





