أخبارالتنمية المستدامةابتكارات ومبادرات

بعد 40 عامًا من التنبؤ.. العلماء يثبتون سرًا جزيئيًا قد يغيّر طريقة تصنيع البلاستيك

وداعًا لمواد الربط الكيميائية؟ اكتشاف جديد يغيّر طريقة تماسك طبقات البلاستيك

بعد نحو 40 عامًا من التنبؤ النظري، تمكن علماء للمرة الأولى من إثبات تجريبي لظاهرة جزيئية يمكن أن تعيد التفكير في طريقة تصميم وتماسك طبقات البلاستيك.

فقد اكتشف فريق بحثي من جامعة سيول الوطنية و«المعهد الكوري للعلوم والتكنولوجيا» أن تغيير شكل سلسلة البوليمر من خط مستقيم إلى حلقة مغلقة، من دون تغيير تركيبها الكيميائي، يمكن أن يزيد مساحة اختلاطها مع طبقة بلاستيكية أخرى بنحو 2.6 مرة.

ولا تكمن أهمية الاكتشاف في تحسين خاصية واحدة من خصائص البلاستيك فحسب، بل في أنه يقدم مبدأ جديدًا لهندسة المواد: يمكن التحكم في سلوك الواجهة بين طبقات البلاستيك عبر شكل الجزيء نفسه، وليس بالضرورة عبر إضافة مواد كيميائية جديدة.

الدراسة، المنشورة في دورية ACS Central Science التابعة للجمعية الكيميائية الأمريكية، تمثل أول رصد مباشر لتأثير يعرف باسم «الإنتروبيا الطوبولوجية» عند واجهة فعلية بين البوليمرات، وهي فكرة طُرحت نظريًا ومحاكاتها حاسوبيًا منذ عام 1986.

البلاستيك نفسه.. لكن بشكل مختلف

قد تبدو الفكرة بسيطة للوهلة الأولى: بوليمر خطي وبوليمر حلقي لهما التركيب الكيميائي نفسه.

لكن على المستوى الجزيئي، هناك اختلاف جوهري.

فالبوليمر الخطي يشبه خيطًا له طرفان، بينما تكون نهايتا البوليمر الحلقي متصلتين، لتشكلا بنية مغلقة.

وقد أثبت الباحثون أن هذا الاختلاف في البنية الهندسية للجزيء أو طوبولوجيته يمكن أن يغير طريقة تفاعل طبقات البلاستيك عند نقطة التقاء بعضها ببعض.

استخدم الفريق بوليمر البولي لاكتيد (PLA)، وهو نوع من البلاستيك القابل للتحلل الحيوي، وصنع نسخًا خطية وحلقية منه بأوزان جزيئية متطابقة تقريبًا، حتى يتمكن من عزل تأثير الشكل الجزيئي عن أي اختلافات أخرى.

وكانت النتيجة واضحة: بلغ عرض منطقة الاختلاط بين البوليمرات الخطية نحو 1.9 نانومتر، بينما ارتفع إلى 5.0 نانومتر عندما تحول أحد البوليمرات إلى بنية حلقية.

أي أن منطقة الاختلاط أصبحت أكبر بنحو 2.6 مرة.

البلاستيك الدقيق
لماذا يصعب على طبقات البلاستيك أن تختلط؟

لماذا يصعب على طبقات البلاستيك أن تختلط؟

تُستخدم البوليمرات في كثير من المنتجات متعددة الطبقات، من عبوات الأغذية والأفلام الوظيفية إلى مواد التغليف وبعض مكونات الشاشات والأجهزة.

وفي هذه المنتجات، لا يكفي أن تكون الطبقات قوية كل على حدة؛ بل يجب أن تكون الواجهة التي تجمع بينها مستقرة ومتماسكة.

إذا كان الاختلاط بين الطبقات ضعيفًا، يمكن أن تنفصل أو تتقشر الطبقات، وهو ما يؤثر في المتانة والأداء، وقد يقلل قدرة المادة على توفير الحاجز المطلوب أمام الرطوبة أو الغازات أو العوامل الخارجية.

والمفارقة أن البوليمرات المتشابهة كيميائيًا قد لا تختلط جيدًا دائمًا.

فعندما تحاول سلاسل بوليمرية أقصر الدخول إلى سلاسل أطول، يمكن أن تفقد جزءًا من حريتها في اتخاذ أوضاع وتكوينات مختلفة، وهو ما يفرض تكلفة إنتروبية تجعل الاختلاط أقل تفضيلًا من الناحية الفيزيائية.

ولهذا تعتمد كثير من المواد متعددة الطبقات تقليديًا على ما يعرف باسم المواد المتوافقة أو عوامل الالتصاق (Compatibilizers) للمساعدة على تحسين التماسك بين الطبقات.

«الخيط يدخل الحلقة».. سر الظاهرة

هنا تظهر أهمية البوليمر الحلقي.

في عام 1986، اقترح الباحثان Cates وDeutsch نظريًا أن وجود بوليمر حلقي بجوار بوليمر خطي يمكن أن يسمح بحدوث ظاهرة تعرف باسم «التشابك الخيطي» أو Threading.

الفكرة تشبه تمرير خيط طويل عبر حلقة.

عندما تمر سلسلة البوليمر الخطية من خلال الحلقة، يصبح بإمكان النظام الجزيئي الوصول إلى عدد أكبر من التكوينات الممكنة، وهو ما يمكن أن يقلل العقوبة الإنتروبية المرتبطة بالاختلاط ويزيد قابلية حدوثه عند الواجهة.

ومن هنا جاء مفهوم التأثير الإنتروبي الطوبولوجي.

لكن هذه الفكرة بقيت لعقود طويلة في نطاق النظرية والمحاكاة، لأن إنتاج بوليمرات حلقية «نقية» بدرجة عالية من الدقة ليس أمرًا سهلًا، كما أن فصل تأثير شكل الجزيء عن بقية المتغيرات يمثل تحديًا تجريبيًا كبيرًا.

لماذا قد تصبح «الحلقات الجزيئية» مفتاح بلاستيك أفضل؟

تجربة فصلت «الشكل» عن «التركيب»

تمكن فريق الباحثين بقيادة البروفيسورة سو يون كيم، بالتعاون مع فريق البروفيسور كيونغ تايك كيم، من التغلب على هذا التحدي باستخدام تقنيات دقيقة لتصنيع البوليمرات الحلقية والخطية.

وصنع الباحثون عينات من PLA الخطي والحلقي ذات أوزان جزيئية محددة، ثم وضعوها في طبقات رقيقة فوق فيلم من PLA ذي وزن جزيئي أعلى، واستخدموا مقياس انعكاس النيوترونات في مفاعل HANARO التابع للمعهد الكوري لأبحاث الطاقة الذرية لقياس مدى اختلاط الطبقات عند الواجهة.

وكان الهدف الأساسي واضحًا: التأكد من أن الفرق الذي يظهر في الاختلاط سببه شكل الجزيء فقط، وليس اختلاف التركيب الكيميائي أو طول السلسلة أو ظروف القياس.

كما تحقق الباحثون من وصول عملية الانتشار إلى حالة توازن، بحيث لا يستمر الاختلاط في التغير مع الوقت، وأجروا تجارب منفصلة للتأكد من أن استبدال بعض ذرات الهيدروجين بالديوتيريوم لأغراض القياس لم يؤثر في النتائج.

وبذلك تمكنوا من عزل العامل الذي ظلت النظرية تشير إليه منذ أربعة عقود: الطوبولوجيا الجزيئية.

التأثير كان أكبر من المتوقع

لم يقتصر الأمر على زيادة طفيفة في الاختلاط.

فانتقال البوليمر من الشكل الخطي إلى الحلقي رفع عرض منطقة الاختلاط من 1.9 إلى 5.0 نانومتر.

كما أظهر تحليل معامل التفاعل الفعال، المعروف باسم χeff، أن تأثير البنية الحلقية كان أكبر بنحو 22 مرة من التأثير الناتج عن مجرد مضاعفة طول سلسلة البوليمر.

ويستخدم الباحثون هذا الرقم كمؤشر شبه كمي لمقارنة قوة التأثيرين، وليس باعتباره قاعدة عامة تنطبق تلقائيًا على جميع أنواع البلاستيك.

وهذه النقطة مهمة، لأن الدراسة لا تقول إن كل بوليمر حلقي سيؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها في جميع الظروف، وإنما تقدم دليلًا تجريبيًا مباشرًا على مبدأ فيزيائي طال انتظاره.

حتى «البلاستيك المتشابه» قد ينكمش بدلًا من الالتصاق

اختبر الفريق الظاهرة أيضًا من خلال حالة تعرف باسم إزالة البلل الذاتي أو Autophobic dewetting.

وهي ظاهرة يمكن أن تصبح فيها طبقة من البوليمر غير مستقرة فوق طبقة أخرى، رغم أن البوليمرين متشابهان كيميائيًا.

وأظهرت التجارب أن البوليمرات الخطية القصيرة أصبحت غير مستقرة فوق PLA عالي الوزن الجزيئي، وانكمشت الطبقة بدلًا من بقائها منتشرة بصورة مستقرة.

أما البوليمرات الحلقية ذات طول السلسلة نفسه، فحافظت على استقرار الفيلم.

وهذا يعزز النتيجة الأساسية: تغيير البنية الجزيئية يمكن أن يغير سلوك الواجهة بصورة كبيرة من دون تغيير الهوية الكيميائية للمادة.

عبوات حفظ الطعام البلاستيكية
لعلماء يثبتون سرًا جزيئيًا قد يغيّر طريقة تصنيع البلاستيك

هل يقلل ذلك الحاجة إلى الإضافات الكيميائية؟

هنا تظهر الزاوية الأكثر أهمية للتطبيقات الصناعية والبيئية.

إذا أمكن استخدام هندسة شكل البوليمرات للتحكم في التماسك والاختلاط، فقد يصبح من الممكن في بعض التطبيقات تقليل الاعتماد على المواد المتوافقة وعوامل الالتصاق الإضافية.

وهذا لا يعني أن هذه الإضافات ستختفي من صناعة البلاستيك قريبًا، فالدراسة لا تزال في مرحلة أساسية، ولم تثبت بعد أن التقنية يمكن أن تحقق أداءً صناعيًا أفضل في جميع أنواع المواد والظروف.

لكن المبدأ يفتح اتجاهًا مختلفًا تمامًا في تصميم المواد:

بدل إضافة مادة جديدة إلى البلاستيك، لماذا لا نعيد تصميم شكل الجزيء نفسه؟

وهذه الفكرة يمكن أن تكون مهمة بصورة خاصة عندما يتعلق الأمر بمواد متعددة الطبقات يصعب فصل مكوناتها أو إعادة تدويرها بعد الاستخدام.

ماذا يعني ذلك لإعادة تدوير البلاستيك؟

إعادة تدوير المواد البلاستيكية متعددة الطبقات تمثل تحديًا معروفًا، لأن المنتجات قد تجمع عدة أنواع من البوليمرات والطبقات ذات الخصائص المختلفة في مادة واحدة.

وإذا تطورت تقنيات هندسة الواجهات بحيث يمكن تحقيق تماسك أفضل من خلال التحكم في البنية الجزيئية بدل إضافة مكونات جديدة، فقد تظهر مستقبلًا فرص لتصميم مواد أكثر قابلية للتحكم في خصائصها وأدائها خلال التصنيع وإعادة الاستخدام.

كما يدرس الباحثون إمكانية تطبيق المبدأ على البلاستيك التجاري واسع الاستخدام، بما في ذلك البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، اللذين أصبح من الممكن تصنيع بنيات حلقية منهما بفضل التطورات الحديثة في الكيمياء.

لكن هذه المرحلة لا تزال مستقبلية؛ إذ تحتاج الفكرة إلى اختبارات واسعة على أنواع مختلفة من البوليمرات وظروف التصنيع، فضلًا عن قياس قوة الالتصاق والمتانة والاستقرار على المدى الطويل.

إعادة تدوير البلاستيك أحادي الاستخدام
شكل الجزيء يغيّر قواعد البلاستيك.. دراسة تثبت نظرية عمرها 40 عامًا

من البلاستيك إلى الإلكترونيات

الباحثون لا يريدون حصر الفكرة في التغليف والبلاستيك.

الباحثة الرئيسية في الدراسة، سيونغ أون كيم، تعمل حاليًا باحثة ما بعد الدكتوراه في المعهد الكوري للعلوم والتكنولوجيا، وتخطط لتطبيق الخبرة المكتسبة من دراسة واجهات البوليمرات على مواد الواجهات الحرارية المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية.

وهنا تصبح الواجهة أكثر من مجرد خط يفصل مادتين.

فالبنية المجهرية للواجهة يمكن أن تؤثر في كيفية انتقال الحرارة واستقرار المادة، وهو ما يجعل التحكم في خصائصها الجزيئية عنصرًا مهمًا في تصميم مواد عالية الأداء.

نظرية عمرها 40 عامًا تتحول إلى دليل تجريبي

تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تقدم مجرد طريقة جديدة لخلط نوعين من البلاستيك، وإنما تثبت تجريبيًا لأول مرة تأثيرًا طوبولوجيًا ظل لعقود جزءًا من الفيزياء النظرية للبوليمرات.

والدرس الأوسع هو أن المادة لا تحددها تركيبتها الكيميائية وحدها.

فطريقة ترتيب الجزيئات وشكلها واتصال سلاسلها يمكن أن تغير السلوك الذي نراه على المستوى الكبير؛ من تماسك طبقات البلاستيك إلى استقرار الأغشية وربما أداء المواد الحرارية في الأجهزة الإلكترونية.

وبالنسبة لصناعة تسعى إلى تقليل التعقيد الكيميائي وتحسين كفاءة المواد، قد يمثل هذا الاكتشاف بداية لمسار جديد في هندسة البلاستيك من الداخل: التحكم في الشكل الجزيئي للوصول إلى أداء أفضل، بدل الاعتماد دائمًا على إضافة مواد أخرى.

لكن الطريق إلى التطبيقات التجارية لا يزال طويلًا. فالدليل الحالي قائم على PLA الحلقي والخطي، وما زال يتعين إثبات قابلية تعميم التأثير على نطاق واسع من البوليمرات والعمليات الصناعية.

ومع ذلك، فإن ما تحقق بالفعل هو خطوة علمية لافتة: تنبؤ عمره أربعة عقود خرج من الكتب والنماذج الحسابية إلى المختبر، وأثبت أن تغيير شكل الجزيء وحده يمكن أن يغير الطريقة التي تتفاعل بها طبقات البلاستيك.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة