حذاء ذكي بلا بطارية.. كل خطوة تولد طاقة وتشغل الذكاء الاصطناعي وتحلل طريقة المشي
ذكاء اصطناعي في حذاء بلا بطارية.. 95.4% دقة في تحليل حركة الإنسان
طور مهندسون في جامعة روتجرز الأميركية حذاءً ذكيًا لا يحتاج إلى بطارية، إذ يستمد الطاقة التي يحتاج إليها من خطوات الشخص الذي يرتديه، وفي الوقت نفسه يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط المشي والحركة.
وقد يمهد الابتكار مستقبلًا لتطوير أجهزة قابلة للارتداء يمكنها المساعدة في مراقبة الأشخاص المصابين بمرض باركنسون، وإصابات الحبل الشوكي، وإصابات الدماغ الرضية، وغيرها من اضطرابات الحركة.
وأظهر النموذج الأولي قدرة على تصنيف أنواع مختلفة من الحركة بدقة بلغت 95.4%، كما يستطيع عد الخطوات وتقدير السعرات الحرارية التي يحرقها المستخدم.
وقاد البحث سيمياو نيو، مهندس الطب الحيوي في جامعة روتجرز–نيو برونزويك.
حذاء يعمل دون بطارية
تعتمد الفكرة الأساسية للحذاء على استغلال الطاقة الميكانيكية التي ينتجها الإنسان طبيعيًا أثناء المشي أو الجري.
وقال نيو إن الإنسان يمتلك طاقة ميكانيكية حيوية متاحة تلقائيًا أثناء الحركة، ويمكن حصاد هذه الطاقة وتحويلها إلى مصدر لتشغيل الأجهزة الإلكترونية.
وجاء اختيار الحذاء باعتباره منصة مناسبة للتجربة لأنه يجمع بين عنصرين مهمين في الوقت نفسه: الحركة التي يريد الباحثون قياسها، والطاقة اللازمة لتشغيل نظام التحليل.
كما أن النظام لا يحتاج إلى مراقبة المشي عندما يكون الشخص جالسًا، وهي الحالة التي لا تتوافر فيها طاقة حركة كافية، وفي الوقت نفسه لا تكون هناك حاجة فعلية إلى تحليل المشي.
ونُشرت الدراسة في مجلة Science Advances.

كيف تتحول الخطوات إلى كهرباء؟
يحتوي نعل الحذاء على جهاز قادر على توليد الكهرباء من الضغط والاحتكاك الناتجين عن كل خطوة.
وتعتمد هذه العملية على ما يعرف باسم التأثير الكهرو-احتكاكي «Triboelectric Effect»، وهو المبدأ الفيزيائي نفسه المرتبط بتوليد الكهرباء الساكنة عندما تتلامس مواد مختلفة ثم تنفصل.
لكن الكهرباء الناتجة عن خطوات الإنسان تصل إلى النظام في صورة دفعات غير منتظمة، ولا تستطيع الدوائر الإلكترونية استخدام هذه الطاقة مباشرة بهذه الصورة.
ولهذا طور الباحثون دائرة لإدارة الطاقة وتحويلها إلى طاقة يمكن استخدامها بكفاءة أكبر.
ووفق نتائج الدراسة، رفعت هذه الدائرة كمية الطاقة القابلة للاستخدام بما يصل إلى 120 مرة مقارنة بطريقة تقليدية.
لماذا

تحليل المشي أهمية طبية؟
يستخدم العلماء مصطلح «المشية» لوصف الطريقة التي يمشي بها الإنسان، بما يشمل التوازن والسرعة وطول الخطوة والإيقاع.
وقد تكشف التغيرات في طريقة المشي عن مؤشرات مهمة تتعلق بتطور بعض الأمراض، أو خطر السقوط، أو مدى نجاح برامج إعادة التأهيل.
ويشير الباحثون إلى أن المشي يمثل أحد المؤشرات الحيوية المهمة في عدد كبير من الأمراض.
وهنا يمكن أن يقدم الحذاء الذكي ميزة مهمة، إذ يستطيع مراقبة الحركة أثناء الحياة اليومية بدل الاعتماد فقط على اختبار قصير داخل عيادة أو مختبر.

مراقبة الحركة طوال اليوم
يعتمد تقييم حركة المرضى في كثير من الحالات على ملاحظات يجريها الأطباء خلال زيارات قصيرة للعيادات أو المختبرات، وهو ما يقدم صورة محدودة عن نمط الحركة.
أما الجهاز القابل للارتداء، فيمكنه تسجيل أنماط الحركة لفترات أطول أثناء ممارسة الشخص حياته اليومية بصورة طبيعية.
ويرى الباحثون أن حذاءً من هذا النوع يمكن أن يجمع بيانات المشي تلقائيًا دون أن يضطر المريض إلى تشغيل الجهاز أو شحنه بصورة متكررة.
ومع المزيد من التطوير والاختبارات السريرية، يمكن استخدام التقنية مستقبلًا للمساعدة في تقييم خطر السقوط، واكتشاف أنماط المشي غير المعتادة، ومتابعة التعافي بعد إصابات الدماغ أو الحبل الشوكي.
كما يمكن تطوير الفكرة نفسها مستقبلًا لمراقبة نشاط القلب أو بعض المؤشرات الحيوية الأخرى.
النموذج الأولي ليس جهازًا طبيًا بعد
رغم الإمكانات الواعدة، لا يزال الحذاء في مرحلة النموذج الأولي، وليس جهازًا طبيًا معتمدًا.
ويبدو النموذج الحالي من الخارج كزوج عادي من الأحذية الرياضية البيضاء، بينما توجد المكونات الإلكترونية داخل منطقة الكعب.
ولا يستطيع النظام في وضعه الحالي تشخيص الأمراض أو تحديد ما إذا كان علاج معين يحقق نتائج ناجحة.
لكن التجربة تثبت إمكانية تحليل أنماط الحركة الأساسية باستخدام نظام ذكي من دون الحاجة إلى بطارية قابلة لإعادة الشحن.

أزمة «عنق زجاجة الطاقة والذكاء»
تجمع الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء كميات كبيرة من البيانات، ويمكن للذكاء الاصطناعي تحويل هذه البيانات إلى معلومات مفيدة.
لكن تشغيل الذكاء الاصطناعي يحتاج بدوره إلى طاقة.
وهنا تظهر مشكلة يصفها الباحثون بأنها «عنق زجاجة الطاقة والذكاء»؛ فكلما أصبحت الأجهزة القابلة للارتداء أكثر ذكاءً وقدرة على تحليل البيانات، زاد استهلاكها للطاقة، وبالتالي أصبحت البطارية بحاجة إلى الشحن بصورة أكثر تكرارًا.
ويحاول مشروع روتجرز معالجة هذه المشكلة من جذورها، من خلال الجمع بين حصاد الطاقة والذكاء الاصطناعي داخل الجهاز نفسه.
وكان نيو قد واجه المشكلة ذاتها خلال عمله في شركة «أبل»، حيث ساهم في تطوير مستشعر لتخطيط القلب الكهربائي في ساعة «Apple Watch».
وتتمثل إحدى مشكلات الأجهزة الصحية القابلة للارتداء في أن المراقبة تتوقف بمجرد وضع الجهاز على الشاحن، وقد ينسى المستخدم ارتداءه مرة أخرى.
ذكاء اصطناعي داخل الحذاء
يحتوي الحذاء على مقياس تسارع يقيس حركة القدم في ثلاثة محاور هي X وY وZ.
ويستخدم معالج صغير مدمج داخل الحذاء الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط الحركة.
ويصنف النظام كل فترة زمنية مدتها 15 ثانية باعتبارها واحدة من أربع حركات: المشي البطيء، والمشي السريع، والجري، وصعود السلالم.
وتظهر النتائج على شاشة صغيرة مثبتة بالحذاء.
وتتم عملية التحليل داخل الجهاز نفسه، في أسلوب يعرف باسم الذكاء الاصطناعي الطرفي «Edge AI».
وتتمثل أهمية هذا الأسلوب في أن الحذاء لا يحتاج إلى إرسال البيانات الخام إلى هاتف ذكي أو جهاز كمبيوتر أو خادم سحابي لتحليلها، وهو ما يقلل كمية الطاقة المطلوبة لتشغيل النظام.

تقليص نموذج الذكاء الاصطناعي
كان تطوير نموذج ذكاء اصطناعي صغير بما يكفي للعمل على المعالج محدود الذاكرة أحد أصعب أجزاء المشروع.
فالنموذج الأصلي كان يحلل 21 خاصية مختلفة للحركة، وحقق دقة بلغت 98.1%، لكنه احتاج إلى ذاكرة أكبر من قدرة المعالج الموجود داخل الحذاء.
وتمكن الباحثون لاحقًا من تحديد أن التغيرات عبر محاور الحركة الثلاثة تحمل الجزء الأكبر من المعلومات المفيدة.
وبعد تقليص النموذج، حافظ النظام على دقة بلغت 95.4%.
وفي الوقت نفسه، أصبح النموذج يعمل بسرعة أكبر بنحو 15 مرة، ويستهلك نحو سدس كمية التيار الكهربائي التي كان يحتاج إليها النموذج الأصلي.
ويبلغ استهلاك المستشعر وخوارزمية الذكاء الاصطناعي معًا نحو 86 ميكروواط فقط.
وأظهرت الاختبارات المعملية أن حتى المشي البطيء كان قادرًا على توليد طاقة كهربائية تكفي لتشغيل النظام بالكامل.

تصميم الحذاء كنظام واحد
دفع المشروع الباحثين إلى التعامل مع الحذاء باعتباره نظامًا متكاملًا بدلًا من تطوير كل مكون بصورة منفصلة.
وقالت فويينج دونج، طالبة الدكتوراه في هندسة الطب الحيوي بجامعة روتجرز، إن أهم ما تعلمه الفريق من المشروع هو كيفية تصميم النظام بأكمله بصورة متكاملة.
ويشمل ذلك الجمع بين مستشعرات الحركة، ونظام حصاد الطاقة، وإدارة الطاقة، والمعالج، وخوارزمية الذكاء الاصطناعي، بحيث تعمل جميعها بأعلى كفاءة ممكنة ضمن جهاز صغير.
الطريق ما زال طويلًا أمام الاستخدام الطبي
استخدم النموذج الأولي في تطويره بيانات مأخوذة من 4 متطوعين أصحاء فقط تتراوح أعمارهم بين 23 و26 عامًا.
كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي جرى تدريبها واختبارها حتى الآن على الأنشطة التي شملتها الدراسة.
ولهذا يحتاج النظام إلى اختبارات إضافية تشمل كبار السن، والأشخاص المصابين باضطرابات الحركة، والمرضى الذين يخضعون لبرامج إعادة تأهيل.
وبالتالي، فإن نسبة الدقة البالغة 95.4% تمثل نتيجة للنموذج في ظروف الدراسة الحالية، ولا تعني أن الحذاء أصبح قادرًا بالفعل على تشخيص الأمراض أو تقديم تقييم طبي مستقل.
ومع ذلك، يفتح الابتكار الباب أمام جيل جديد من الأجهزة القابلة للارتداء التي لا تعتمد على الشحن المتكرر، وإنما تحصد الطاقة من الحركة الطبيعية للمستخدم وتستخدمها في تشغيل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في الوقت الحقيقي.





