أخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

من البحر المتوسط إلى جنوب أفريقيا.. فجوة علمية تعرقل فهم مستقبل النباتات

أين تتغير النباتات مع المناخ؟ خريطة الأبحاث العالمية تكشف مناطق شبه مجهولة

مراجعة عالمية تكشف نقصًا كبيرًا في الأدلة حول كيفية استجابة النباتات في أكثر المناطق هشاشة مناخيًا، ومعظم الدراسات تتركز في مناطق محدودة ولا تثبت أن تغير المناخ هو سبب التغيرات المرصودة.

كشفت مراجعة عالمية جديدة أن العلماء لا يزالون يعرفون قدرًا محدودًا على نحو مفاجئ عن كيفية استجابة النباتات لتغير المناخ في بعض المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.

وأظهرت المراجعة أن الأدلة العلمية المتاحة لا تقتصر على كونها قليلة، بل إنها غير متوازنة جغرافيًا؛ إذ تتركز معظم الدراسات في عدد محدود من المناطق، بينما تظل مناطق أخرى شديدة الأهمية للتنوع الحيوي ممثلة بعدد ضئيل للغاية من الأبحاث.

كما أن معظم الدراسات لا تقدم دليلًا قويًا على أن تغير المناخ نفسه هو الذي تسبب في التغيرات التي طرأت على المجتمعات النباتية.

وقاد المراجعة باحثون من جامعة كيب تاون وشبكة المراقبة البيئية في جنوب أفريقيا، بهدف تقييم حجم الأدلة المتاحة حول استجابة النباتات في خمسة أقاليم تتميز بنظم بيئية مناخية متشابهة.

ونُشرت الدراسة في دورية Ecological Solutions and Evidence.

خمسة أقاليم تواجه ضغوطًا مناخية متشابهة

توجد النظم البيئية من نوع البحر المتوسط في خمس مناطق رئيسية حول العالم: حوض البحر المتوسط، وكاليفورنيا، ووسط تشيلي، وجنوب غرب أستراليا، ومنطقة الكيب في جنوب أفريقيا.

وتشترك هذه المناطق في صيف حار وجاف، وشتاء أكثر برودة ورطوبة، كما تتميز جميعها بمستويات استثنائية من التنوع الحيوي والتوطن، وتضم بعض أغنى النباتات في العالم خارج المناطق الاستوائية.

لكن هذه النظم تواجه ضغوطًا متزايدة من تغير المناخ، وأشار الفريق إلى أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) وثقت موجات جفاف شديدة في المناطق الخمس خلال العقود الأخيرة، وكانت بعض هذه الأحداث شديدة بصورة خاصة في جنوب أفريقيا وكاليفورنيا.

معظم ما نعرفه يأتي من النماذج والتجارب

قالت هانا بيترسن، الباحثة الرئيسية من جامعة كيب تاون، إن جزءًا كبيرًا مما يعرفه العلماء عن مستقبل هذه النظم البيئية يأتي من النماذج المناخية والتجارب.

لكنها أشارت إلى أن الملاحظات المباشرة لما يحدث بالفعل في المجتمعات النباتية الطبيعية أقل بكثير، كما أنها لا تتوزع بالتساوي حول العالم.

ولقياس حجم هذه الفجوة، بحث الفريق في قاعدتي بيانات رئيسيتين وفحص آلاف السجلات العلمية، لكنه وجد أن 128 دراسة فقط استوفت معايير المراجعة.

ومن بين هذه الدراسات، لم تظهر سوى 11 دراسة في تقارير التقييم الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وفي أحدث فصل من تقرير الهيئة المتعلق بالنظم البيئية البرية، شكلت الأدبيات العلمية الخاصة بهذه المناطق أقل من 3% من الدراسات المستشهد بها.

خريطة علمية غير متوازنة

تكشف أرقام الدراسات عن فجوة جغرافية كبيرة، فمن بين الدراسات الـ128، جاءت 88 دراسة من حوض البحر المتوسط، مقابل 18 دراسة من كاليفورنيا، و10 من جنوب غرب أستراليا، و8 من وسط تشيلي، و4 دراسات فقط من منطقة الكيب في جنوب أفريقيا.

ولم تمثل الدراسات القادمة من دول الجنوب العالمي سوى 9% من إجمالي الدراسات التي جرى تحليلها.

وقال جاسبر سلينجسبي، الباحث البارز في جامعة كيب تاون، إن هذا الاختلال الجغرافي مهم لأنه يحد من مدى الثقة في إمكانية تعميم نتائج منطقة على منطقة أخرى.

فعلى سبيل المثال، فإن الاستجابة النباتية التي جرى توثيقها على نطاق واسع في كاليفورنيا أو حوض البحر المتوسط، لا تعني بالضرورة أن النباتات في إقليم الكيب الزهري بجنوب أفريقيا ستستجيب بالطريقة نفسها.

ويرجع جزء من هذا الاختلال، وفق الباحثين، إلى أن حوض البحر المتوسط يمتد عبر دول عديدة ويضم مجتمعًا بحثيًا كبيرًا يتمتع بتمويل جيد.

في المقابل، تغطي المناطق الأخرى دولًا منفردة أو مساحات أصغر نسبيًا، كما لم تمثل الدراسات التي أجريت في نصف الكرة الجنوبي سوى 17% من إجمالي الدراسات.

ماذا تقيس الدراسات؟

لم تقتصر الفجوات على موقع إجراء الأبحاث، بل امتدت أيضًا إلى أنواع التغيرات التي جرى قياسها.

وكانت أبرز الاضطرابات التي تناولتها الدراسات هي التقلبات المناخية، والجفاف، وحرائق الغابات، والصقيع، وتفشي مسببات الأمراض أو الحشرات.

وكان الجفاف والتقلب المناخي هما الموضوعين الأكثر حضورًا في جميع المناطق، إذ شكلا ما بين 67% و100% من التقارير في كل منطقة.

لكن بعض الاضطرابات الأخرى ظهرت بصورة متقطعة، فقد ظهرت حرائق الغابات في جميع المناطق باستثناء تشيلي، رغم أن وسط تشيلي يشهد حرائق متكررة.

أما الدراسات المتعلقة بمسببات الأمراض والحشرات، فجاءت جميعها من نصف الكرة الشمالي.

وظهر الصقيع في الدراسات الخاصة بجنوب غرب أستراليا فقط، وهو ما قد يشير إلى حساسية غير معتادة للبرودة، لكنه قد يعني ببساطة أن هذا الجانب لم يُدرس بما يكفي في المناطق الأخرى.

الأشجار والشجيرات تحظى بالاهتمام الأكبر

ركزت معظم الدراسات على صحة النباتات ونموها، بينما تناول عدد أقل بكثير تنوع الأنواع النباتية أو توقيت الأحداث المهمة، مثل الإزهار، أو العمليات الفسيولوجية الداخلية للنباتات.

وفي بعض المناطق، غابت هذه الموضوعات تمامًا عن الدراسات المتاحة.

كما ركز الباحثون بصورة كبيرة على الأشجار والشجيرات، بينما حظيت الأعشاب والنباتات العشبية البرية باهتمام أقل.

وهذه فجوة مهمة، لأن الأعشاب والنباتات العشبية تمثل جزءًا كبيرًا من التنوع النباتي في هذه النظم البيئية، كما يمكن أن تؤدي الكتلة النباتية الناتجة عنها دورًا مهمًا في تغذية حرائق الغابات.

التزامن بين المناخ والنباتات لا يثبت السببية

طرح الباحثون سؤالًا أكثر صعوبة: إلى أي مدى يمكن التأكد من أن تغير المناخ هو الذي تسبب بالفعل في التغيرات النباتية المرصودة؟

قام الفريق بتقييم الدراسات وفق مقياس للثقة في النتائج، وكانت درجات الثقة مرتفعة نسبيًا عند دراسة العلاقة بين الاضطرابات المختلفة واستجابات النباتات، لكنها انخفضت عندما تعلق الأمر بإثبات أن تغير المناخ نفسه هو المحرك المباشر للتغير البيولوجي.

وقال رايان بلانشارد، المشارك في الدراسة من شبكة المراقبة البيئية في جنوب أفريقيا، إن رؤية تغير في الغطاء النباتي بالتزامن مع تغير المناخ لا تعني بالضرورة أن تغير المناخ تسبب في تغير الغطاء النباتي.

فهناك عوامل أخرى يمكن أن تتداخل، من بينها الحرائق، واستخدامات الأراضي، والرعي بواسطة الحيوانات، والأنواع الغازية، والتقلب الطبيعي للنظم البيئية.

ولم تستخدم سوى نسبة محدودة من الدراسات أساليب حديثة تسمح بفصل هذه العوامل عن بعضها.

ومن بين الدراسات الـ128، قدمت أربع دراسات فقط مخططًا سببيًا يوضح التأثيرات المحتملة المختلفة، ولم تحصل أي منها على أعلى درجة في هذا الجانب.

البيانات القديمة قد تحمل إجابات جديدة

يرى الباحثون أن الفجوة العلمية لا تعني بالضرورة الحاجة إلى بدء كل شيء من الصفر، فالكثير من البيانات الرصدية طويلة الأجل موجود بالفعل، ويمكن استخدام أساليب تحليل سببية حديثة لإعادة فحصها واستخراج معلومات جديدة منها.

وقد تسمح إعادة تحليل مجموعات البيانات التاريخية بتحسين فهم استجابة النباتات لتغير المناخ، من دون الحاجة في كل حالة إلى تنفيذ دراسات ميدانية جديدة.

لكن الباحثين يدعون في الوقت نفسه إلى إنشاء جهد منسق يشمل المناطق الخمس، يجمع بين الرصد طويل الأجل، ومجموعات البيانات الموجودة، وبيانات الأقمار الصناعية، والتجارب، وأساليب الاستدلال السببي.

وقالت بيترسن، إن القضية لا تتعلق بمجرد ملء الفراغات على الخريطة، وإنما بفهم ما إذا كانت الآليات التي تمنح نظامًا بيئيًا قدرة على الصمود في منطقة معينة يمكن أن تساعد العلماء على توقع ما سيحدث في منطقة أخرى.

لماذا تهم هذه الفجوة؟

يمكن لتحسين فهم استجابة النباتات لتغير المناخ أن يساعد في التخطيط لحماية التنوع الحيوي، خاصة أن المناطق الخمس التي ركزت عليها الدراسة تعد من أهم بؤر التنوع الحيوي النباتي في العالم.

كما يمكن أن توفر البيانات الأفضل أساسًا أكثر قوة لخطط التكيف مع تغير المناخ وإدارة الغطاء النباتي والحرائق والحفاظ على الأنواع.

لكن الدراسة تشير في الوقت نفسه إلى أن القدرة على التنبؤ بمستقبل هذه النظم البيئية لا تزال مقيدة بنقص البيانات، وعدم التوازن الجغرافي للأبحاث، وصعوبة الفصل بين تأثير تغير المناخ وتأثير العوامل البيئية والبشرية الأخرى.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة