وجهات نظر

د.محمد الصوفي: سد جوليوس نيريري.. نموذج مصري–أفريقي للتنمية المستدامة وبناء القدرات

خبير البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو الاتحاد الدولي لمديري المرافق

يمثل مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا واحدًا من أبرز المشروعات التنموية والاستراتيجية في القارة الأفريقية، ليس فقط لضخامته وقدرته على إنتاج الكهرباء، وإنما لما يجسده من نموذج متكامل للتنمية القائمة على استثمار الموارد الطبيعية، وتطوير البنية التحتية، وبناء القدرات، وتعزيز التعاون الأفريقي.

ويقع المشروع على نهر روفيجي، وقد شاركت في تنفيذه شركتا المقاولون العرب والسويدي إليكتريك المصريتان، بما يعكس تطور الدور المصري في تنفيذ المشروعات الكبرى بالقارة الأفريقية، والانتقال من التعاون التقليدي إلى الشراكة التنموية القائمة على الخبرة والاستثمار ونقل المعرفة.

وتبلغ القدرة التصميمية للمحطة نحو 2,115 ميجاوات، مع خزان تبلغ سعته نحو 34 مليار متر مكعب. وقد بدأ ملء الخزان في ديسمبر 2022، بينما بدأ تشغيل أول توربين في فبراير 2024، في خطوة مهمة نحو التشغيل الكامل للمشروع.

من مشروع للطاقة إلى محرك للتنمية

تكمن القيمة الحقيقية لمشروع جوليوس نيريري في أن الكهرباء التي ينتجها ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتحريك قطاعات الاقتصاد والمجتمع.

فإمدادات الطاقة الموثوقة تمثل أساسًا للصناعة والاستثمار والخدمات الصحية والتعليمية والرقمية، كما تدعم قطاعات المياه والزراعة والنقل. ومن ثم، فإن زيادة القدرة الكهربائية في تنزانيا يمكن أن تسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتحفيز الاستثمار، وتحسين الخدمات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد.

وهنا يتحول المشروع من مجرد محطة لتوليد الكهرباء إلى منصة للنمو الاقتصادي والاجتماعي. كما يعكس المشروع مفهوم ترابط المياه والطاقة والغذاء (Water-Energy-Food Nexus)؛ فالمياه توفر مصدر الطاقة الكهرومائية، والطاقة تدعم الإنتاج الزراعي والصناعي، والإدارة المتكاملة للموارد المائية تعزز قدرة المجتمعات والاقتصادات على مواجهة الضغوط المناخية.

جوليوس نيريري وأهداف التنمية المستدامة

يرتبط المشروع بصورة مباشرة بعدد من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها الهدف السادس المتعلق بالمياه النظيفة، والهدف السابع الخاص بالطاقة النظيفة، والهدف الثامن للنمو الاقتصادي والعمل اللائق، والهدف التاسع الخاص بالبنية التحتية والابتكار، والهدف الثالث عشر بشأن العمل المناخي، والهدف السابع عشر المتعلق بالشراكات.

وتكمن أهمية هذه العلاقة في أن المشروع يقدم نموذجًا عمليًا لفكرة جوهرية في أجندة التنمية المستدامة، وهي أن الأهداف لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتكامل فيما بينها.

فـالمياه تدعم الطاقة، والطاقة تدعم الصناعة، والصناعة تخلق فرص العمل، والبنية التحتية تجذب الاستثمار، والشراكات تتيح نقل التكنولوجيا وبناء القدرات.

وفي ظل التحديات المتزايدة الناتجة عن تغير المناخ، تمثل الطاقة المتجددة أحد المحاور الأساسية للتحول نحو اقتصادات منخفضة الكربون. وتوفر الطاقة الكهرومائية فرصة مهمة لدعم هذا التحول وتقليل الاعتماد على مصادر الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء.

لكن مفهوم الاستدامة يتطلب أكثر من إنتاج الطاقة النظيفة؛ إذ يجب أن ترافق المشروعات الكبرى إدارة مسؤولة للآثار البيئية والاجتماعية، وحماية النظم البيئية والتنوع البيولوجي، ومراقبة الموارد المائية، وضمان مراعاة المجتمعات المحلية.

ومن هنا فإن نجاح جوليوس نيريري على المدى الطويل يجب ألا يقاس فقط بحجم الطاقة المنتجة، وإنما أيضًا بقدرته على تحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على رأس المال الطبيعي والاجتماعي.

وبالنسبة إلى مصر، يحمل مشروع جوليوس نيريري عددًا من الدلالات المهمة. فهو أولًا يعكس قدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى خارج الحدود، وثانيًا يعزز الحضور الاقتصادي والفني المصري في القارة الأفريقية.

كما يرسخ مفهوم التعاون الأفريقي–الأفريقي، الذي يقوم على تبادل الخبرات والمصالح وبناء القدرات بدلًا من الاقتصار على العلاقات التقليدية.

وفي ظل الاحتياجات المتزايدة للقارة في مجالات المياه والطاقة والمناخ والبنية التحتية، فإن التجربة تفتح آفاقًا أمام الشركات والخبرات المصرية للمشاركة في مشروعات مستقبلية تدعم التنمية في أفريقيا، وفي الوقت نفسه تعزز تنافسية الاقتصاد المصري.

إن سد ومحطة جوليوس نيريري يمثلان نموذجًا بارزًا للتنمية الأفريقية الحديثة، حيث تلتقي المياه والطاقة والاقتصاد والمناخ والبنية التحتية والشراكات في مشروع واحد.

وبالنسبة إلى تنزانيا، يمثل المشروع خطوة استراتيجية نحو تعزيز أمن الطاقة ودعم النمو الاقتصادي. وبالنسبة إلى مصر، فهو علامة مهمة على قدرة الخبرات والشركات المصرية على تنفيذ المشروعات الكبرى في أفريقيا، وتعزيز التعاون الاقتصادي والفني مع دول القارة.

أما على مستوى أهداف التنمية المستدامة، فإن المشروع يجسد حقيقة أساسية: التنمية المستدامة لا تتحقق من خلال مشروع منفرد أو قطاع واحد، وإنما من خلال التكامل بين الموارد والتكنولوجيا والاقتصاد والإنسان والبيئة والشراكات.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لجوليوس نيريري لا تكمن فقط في السد أو التوربينات أو كمية الكهرباء المنتجة، وإنما في الأثر التنموي الذي يمكن أن يصنعه المشروع في حياة الإنسان، وفي الاقتصاد التنزاني، وفي مستقبل التعاون المصري–الأفريقي.

جوليوس نيريري ليس مجرد مشروع لتوليد الطاقة، بل نموذج لما يمكن أن تصنعه الشراكة الأفريقية عندما تتحول الرؤية إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر مستدام.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة