4 تريليونات دولار بحلول 2050.. ملامح اقتصاد جديد للتكيف المناخي
كيفت تتحول المخاطر المناخية إلى طلب متزايد على منتجات وخدمات وحلول قابلة لجذب الاستثمارات؟
لم يعد تغير المناخ قضية مستقبلية تنتظر حلولًا بعيدة المدى، بل أصبح واقعًا يغير أنماط الاستهلاك والإنتاج والاستثمار في الوقت الحالي، من ارتفاع الطلب على أجهزة التبريد، إلى تطوير مزارع قادرة على إنتاج الغذاء في ظروف مناخية أكثر قسوة، وصولًا إلى مواد بناء مصممة لتحمل الحرارة والفيضانات والحرائق.
ومع تصاعد هذه الاحتياجات، تظهر ملامح اقتصاد جديد للتكيف المناخي، تتحول فيه المخاطر المناخية إلى طلب متزايد على منتجات وخدمات وحلول يمكن أن تكون في الوقت نفسه ميسورة التكلفة وقابلة للتوسع ومربحة وقابلة لجذب الاستثمارات.
ويشير سايمون زاديك، الشريك الإداري والمؤسس المشارك لشركة Morphosis Solutions، وإريك وايت، رئيس المرونة المناخية في المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن مستقبل الشركات والمدن والدول والأسر سيعتمد بدرجة متزايدة على قدرتها على إدارة مخاطر العالم الأكثر حرارة من خلال حلول عملية يوفر جزءًا كبيرًا منها القطاع الخاص.
موجات الحر تصنع سوقًا جديدة للتبريد
يقدم قطاع التبريد أحد أوضح الأمثلة على كيفية تحول التأثيرات المناخية إلى طلب اقتصادي جديد.
فخلال صيف 2026، شهدت مبيعات أجهزة التبريد في أوروبا قفزة كبيرة، حيث سجل أحد تجار التجزئة ارتفاعًا في مبيعات المراوح بنحو 3000% تقريبًا، بينما ارتفع الطلب على أجهزة تكييف الهواء المحمولة بأكثر من 300% على أساس سنوي.
لكن زيادة الطلب على التبريد تخلق تحديًا آخر؛ فكلما ارتفعت درجات الحرارة، زاد الطلب على الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف والمراوح.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية IEA أن الطلب العالمي على الكهرباء لأغراض التبريد ارتفع بنحو 50% خلال العقد الماضي، مدفوعًا جزئيًا بارتفاع مبيعات أجهزة التكييف عالميًا بنسبة 25% مقارنة بخمس سنوات مضت.
وخلال عام 2024 وحده، جرى شحن نحو 200 مليون وحدة تكييف حول العالم.
وهكذا ينشأ تحدٍ مزدوج: كيف نوفر التبريد الذي يحتاج إليه السكان في عالم أكثر حرارة، دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة الضغط على شبكات الكهرباء والانبعاثات؟

التبريد الشمسي.. حل لمشكلة خلقها تغير المناخ
أدت هذه المعادلة إلى نمو سوق تجمع بين الطاقة الشمسية وأنظمة التبريد، في محاولة لتوفير احتياجات التكييف دون زيادة الاعتماد على الشبكات الكهربائية التقليدية.
وتشير التقديرات الواردة في المقال إلى أن سوق وحدات التبريد العاملة بالطاقة الشمسية قد تتجاوز 11 مليار دولار سنويًا بحلول 2030.
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية لاقتصاد التكيف: المشكلة المناخية نفسها تولد طلبًا على حلول جديدة، وهذه الحلول تخلق بدورها أسواقًا واستثمارات ووظائف.
مواد البناء تتحول لمواجهة الحرارة والفيضانات والحرائق
ولا يقتصر التحول على الطاقة والتبريد، فمواد البناء المقاومة للمخاطر المناخية تشهد مسارًا مشابهًا، مع سوق تقدر قيمتها حاليًا بنحو 220 إلى 260 مليار دولار.
وتشير التقديرات إلى أن السوق قد تنمو بمعدل يتراوح بين 6% و8% سنويًا لتصل إلى نحو 330 إلى 370 مليار دولار بحلول 2030.
وتشمل هذه السوق مواد إنشائية وواجهات وعوازل ومواد عزل مائي مصممة لتحمل ظروف أكثر صعوبة، بينها:
• الحرارة الشديدة
• الرياح
• الفيضانات
• الحرائق
وبذلك يصبح التكيف جزءًا من مواصفات المنتج نفسه، وليس مجرد إجراء يتم اتخاذه بعد وقوع الكارثة.

الزراعة الرأسية.. عندما يصبح المناخ عاملًا في تصميم الغذاء
يمتد اقتصاد التكيف كذلك إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية: إنتاج الغذاء.
ففي الصين، تدعم الحكومة الجيل الجديد من نظم الزراعة المكثفة والقادرة على الصمود أمام الظروف المناخية المتغيرة، ومن بينها الزراعة الرأسية.
ويضم سوق الزراعة الرأسية المحلي في الصين نحو 250 موقعًا نشطًا، وينمو بأكثر من 20% سنويًا، بينما تشير التقديرات إلى إمكانية تجاوز قيمة السوق ملياري دولار بحلول 2033.
وتستفيد هذه الأنظمة من الإضاءة منخفضة التكلفة بتقنية LED وسلاسل تصنيع عالية الكفاءة، بما يسمح بإنتاج الغذاء داخل بيئات أكثر تحكمًا وأقل اعتمادًا على الظروف المناخية الخارجية.
وتظهر في الوقت نفسه مؤشرات على نمو سريع في التخمير الدقيق (Precision Fermentation)، مع تقديرات تشير إلى معدلات نمو سنوية تتجاوز 50%، وإن كان ذلك انطلاقًا من قاعدة سوقية لا تزال صغيرة نسبيًا.

4 تريليونات دولار سنويًا بحلول 2050؟
لا تتوقف الفرص الاقتصادية عند قطاعات محددة، بل بدأت مؤسسات مالية كبرى في محاولة تقدير الحجم المحتمل للاقتصاد الجديد المرتبط بالتكيف.
وتتوقع مؤسسة GIC، صندوق الثروة السيادي السنغافوري، أن تتضاعف المبيعات السنوية عالميًا في قطاعات مرتبطة بالتكيف المناخي إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول 2050، على أن يكون نحو 2 تريليون دولار من هذا النمو مدفوعًا مباشرة بارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وفي تقديرات أخرى، ترى Temasek وBCG أن احتياجات تمويل التكيف المناخي عالميًا قد تصل إلى ما بين 500 مليار دولار و1.3 تريليون دولار سنويًا بحلول 2030.
وهذا الرقم لا يمثل فقط فجوة تمويلية أمام الحكومات، بل يعكس أيضًا حجم سوق محتمل أمام المستثمرين والقطاع الخاص.
من سوق الطاقة النظيفة إلى اقتصاد التكيف
شهدت الطاقة النظيفة والتكنولوجيا تحولًا من قطاعات ناشئة إلى سوق عالمية ضخمة تستقطب نحو 2 تريليون دولار من الاستثمارات سنويًا.
ويرى مؤلفا المقال أن التكيف المناخي يمكن أن يسلك مسارًا مشابهًا، إذا نجحت الحكومات في توفير البيئة الاقتصادية والتنظيمية التي تسمح للشركات بتطوير حلول التكيف وتوسيعها.
لكن هناك فارق مهم، فالطلب على حلول التكيف يتشكل في أماكن مختلفة وبطرق مختلفة؛ فما تحتاج إليه مدينة معرضة للفيضانات ليس بالضرورة ما تحتاج إليه منطقة تعاني موجات حر أو جفافًا أو نقصًا في المياه.
وهذا يجعل السياسات العامة عاملًا حاسمًا في تحويل الطلب المتزايد على المرونة المناخية إلى أسواق قابلة للاستثمار.
مؤشر جديد لقياس اقتصاد التكيف
في محاولة لقياس مدى استعداد الدول للاستفادة من هذه الأسواق، طورت Morphosis ما يعرف باسم مؤشر اقتصاد التكيف – Adaptation Economy Index.
ويركز المؤشر على قدرة الدول على بناء أسواق للتكيف المناخي تستطيع جذب رأس المال الخاص على نطاق واسع، في وقت تواجه فيه الحكومات حول العالم ضغوطًا مالية متزايدة.
ويقيس المؤشر سبعة أبعاد، تبدأ من مدى إدماج المخاطر المناخية في الأسواق وقرارات الاستثمار، وتمتد إلى قدرات ريادة الأعمال والتكنولوجيا.
وله هدفان أساسيان:
الأول هو مساعدة صناع السياسات على وضع وإدارة خرائط اقتصادية ترفع فرص نجاح الشركات العاملة في مجال التكيف.
والثاني هو تزويد المستثمرين الذين يبحثون عن الفرص المرتبطة بالتكيف بمعلومات حول مدى قابلية الدول والأصول المختلفة للاستثمار.

التكيف لم يعد مجرد إنفاق دفاعي
التحول الأهم في هذا الطرح هو تغيير النظرة الاقتصادية إلى التكيف.
ففي السابق، كان الإنفاق على التكيف المناخي يُنظر إليه غالبًا باعتباره تكلفة ضرورية لتقليل الخسائر: بناء حاجز ضد الفيضانات، تحسين شبكات الصرف، تدعيم المباني أو حماية البنية التحتية.
أما اليوم، فتظهر زاوية اقتصادية أخرى: الحلول التي تحمي الناس والاقتصادات من آثار تغير المناخ يمكن أن تصبح منتجات وأسواقًا استثمارية قائمة بذاتها.
التبريد الأكثر كفاءة، مواد البناء المقاومة للمناخ، الزراعة الرأسية، تقنيات إنتاج الغذاء الجديدة، حلول المياه، البنية التحتية المرنة، وأنظمة إدارة المخاطر، كلها أمثلة على قطاعات يمكن أن ينمو الطلب عليها كلما أصبحت التأثيرات المناخية أكثر حضورًا في الحياة اليومية.
الحكومات هي الحلقة الحاسمة
لكن تحويل هذه الفرص إلى اقتصاد واسع النطاق لن يحدث تلقائيًا.
فالحكومات والمؤسسات العامة مطالبة بإيجاد البيئة الاقتصادية والسياساتية التي تسمح للشركات بتطوير حلول التكيف، وتساعد المستثمرين على تقييم المخاطر والعوائد، وتقلل الحواجز أمام الابتكار.
ويشمل ذلك تطوير الأسواق، وتوجيه الاستثمارات، وبناء القدرات التكنولوجية، وإدماج المخاطر المناخية في القرارات الاقتصادية، إلى جانب استمرار خفض الانبعاثات.
فالحد من الانبعاثات يظل، وفق الطرح، خط الدفاع الأول للتكيف، لأن ارتفاع درجات الحرارة يعني زيادة حجم المخاطر التي سيضطر الاقتصاد إلى التكيف معها مستقبلًا.
اقتصاد المستقبل سيبيع حلولًا لعالم أكثر حرارة
التكيف مع تغير المناخ لم يعد قضية تخص الحكومات ووكالات الإغاثة وحدها، بل أصبح عاملًا يؤثر في تصميم المنتجات، واختيارات المستثمرين، واستراتيجيات الشركات، وتخطيط المدن، وحتى طريقة إنتاج الغذاء وتوفير الكهرباء والتبريد.
والفرصة الاقتصادية الناشئة لا تعني أن تغير المناخ أصبح أقل خطورة؛ بل العكس تمامًا.
كلما زادت المخاطر المناخية، اتسع الطلب على الحلول التي تساعد المجتمعات والاقتصادات على الاستمرار.
ومن هنا قد يصبح بناء اقتصاد التكيف أحد أهم محركات القيمة الاقتصادية خلال العقود المقبلة، ليس فقط للشركات التي تبيع التكنولوجيا والحلول، ولكن لكل أصل وقطاع ومدينة وأسرة ستضطر إلى العمل داخل عالم أكثر حرارة وتقلبًا.
والسؤال لم يعد فقط: كم سيكلفنا تغير المناخ؟ بل أصبح أيضًا: من سيبني الأسواق والمنتجات والتقنيات التي يحتاج إليها العالم للتكيف معه؟





