د.سالي فودة: من مخلفات الزراعة إلى البطاريات.. الفحم الحيوي يفتح آفاقًا جديدة لتخزين الطاقة
أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية
قد تصبح المخلفات الزراعية، التي طالما مثلت تحديًا بيئيًا في العديد من الدول، عنصرًا رئيسيًا في مستقبل تخزين الطاقة النظيفة، بفضل تقنية ناشئة تعتمد على الفحم الحيوي (Biochar) لإنتاج مواد مركبة قادرة على تخزين الحرارة بكفاءة عالية، ما يفتح آفاقًا جديدة أمام تطبيقات الطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري.
وتسلط مراجعة علمية شاملة نُشرت في مجلة Biomass and Bioenergy (المجلد 207، عام 2026) الضوء على التطورات الحديثة في مجال المواد المركبة المعتمدة على الفحم الحيوي ومواد التغير الطوري (Biochar-Based Composite Phase Change Materials)، مؤكدة أنها تمثل أحد أكثر الحلول الواعدة لتخزين الطاقة الحرارية بصورة مستدامة ومنخفضة التكلفة.
من المخلفات إلى مادة عالية القيمة
تبدأ رحلة إنتاج الفحم الحيوي من مخلفات زراعية شائعة مثل قش الأرز، وقشور جوز الهند، ونشارة الخشب، والخيزران، وبقايا المحاصيل الزراعية.
وتخضع هذه المواد لعملية التحلل الحراري (Pyrolysis) في درجات حرارة تتراوح بين 300 و900 درجة مئوية داخل بيئة خالية من الأكسجين، ما يحولها إلى مادة كربونية مسامية غنية بالكربون تعرف باسم الفحم الحيوي.
وفي مرحلة لاحقة، يجري تنشيط الفحم الحيوي بطرق فيزيائية أو كيميائية لزيادة مساحته السطحية وتحسين خصائصه، ليصبح قادرًا على احتجاز مواد التغير الطوري مثل البارافينات، والأحماض الدهنية، وأملاح الهيدرات داخل بنيته المسامية.
لماذا الفحم الحيوي؟
توضح الدراسة أن الفحم الحيوي يتمتع بمجموعة من الخصائص التي تجعله مادة مثالية لتخزين الطاقة الحرارية، أبرزها:
- مساحة سطحية كبيرة ومسامية مرتفعة تسمح باستيعاب كميات كبيرة من مواد التغير الطوري.
- تحسين التوصيل الحراري مقارنة بالمواد التقليدية.
- منع تسرب المواد المخزنة بفضل ظاهرة الحصر الشعري (Capillary Confinement)
- استقرار حراري وكيميائي مرتفع يطيل عمر المادة.
- تكلفة منخفضة وإمكانات كبيرة لتحقيق خفض في الانبعاثات الكربونية من خلال الاستفادة من المخلفات الزراعية.
أداء تقني واعد
أظهرت البيانات التي استعرضتها المراجعة العلمية أن استخدام الفحم الحيوي أدى إلى:
• تحسن في التوصيل الحراري يتراوح بين 25% و150% مقارنة بمواد التغير الطوري التقليدية.
• سعة تخزين للحرارة الكامنة تراوحت بين 60 و223 جولًا لكل جرام، بحسب نوع المادة المستخدمة وخصائص الفحم الحيوي.
• تشغيل دون تسرب عند درجات حرارة تتراوح بين 60 و80 درجة مئوية.
• استقرار تشغيلي مرتفع حافظ على الأداء بعد ما بين 200 و1000 دورة من التسخين والتبريد.
وتشير هذه النتائج إلى أن المواد المركبة القائمة على الفحم الحيوي تمتلك القدرة على العمل لفترات طويلة دون تراجع ملحوظ في الكفاءة.
تطبيقات تمتد من المباني إلى الملابس الذكية
لا تقتصر استخدامات هذه التقنية على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى العديد من المجالات، من بينها:
- تخزين الطاقة الحرارية الناتجة عن مصادر الطاقة المتجددة.
- تحسين كفاءة التبريد والتدفئة السلبية في المباني.
- دعم سلاسل التبريد والنقل المبرد.
- تطوير المنسوجات الذكية القادرة على تنظيم درجة حرارة الجسم وتحسين الراحة الحرارية.
- تعزيز كفاءة الأنظمة الصناعية التي تعتمد على استعادة الحرارة.
- تحديات أمام التطبيق التجاري
ورغم النتائج المشجعة، تؤكد المراجعة أن الطريق نحو الاستخدام التجاري الواسع لا يزال يواجه عدة تحديات، أبرزها:
- غياب معايير موحدة لتقييم أداء المواد المركبة.
- ارتفاع تكاليف التوسع في الإنتاج الصناعي.
- الحاجة إلى دراسات طويلة الأجل للتحقق من متانة المواد في ظروف التشغيل الواقعية.
- تطوير مواد متعددة الوظائف وقابلة لإعادة التدوير بما يتوافق مع مبادئ الاقتصاد الدائري.
فرصة لمصر والدول الزراعية
ترى الدراسة أن هذا المجال يمثل نموذجًا عمليًا لتطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري، من خلال تحويل المخلفات الزراعية من عبء بيئي إلى منتجات تكنولوجية عالية القيمة تسهم في تخزين الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية.
وبالنسبة لدول مثل مصر، التي تنتج ملايين الأطنان من المخلفات الزراعية سنويًا، يمكن أن تمثل هذه التقنية فرصة مزدوجة لمعالجة مشكلة التخلص من المخلفات، وتعزيز حلول الطاقة النظيفة، ودعم الصناعات الخضراء ذات القيمة المضافة.
وتخلص المراجعة إلى أن الاستثمار في أبحاث الفحم الحيوي ومواد التغير الطوري قد يسهم في تسريع التحول نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة، مع تعزيز دور المخلفات الزراعية كمورد اقتصادي بدلاً من اعتبارها مجرد نفايات.
المصدر العلمي
Ong, P.J., Yeo, R.J., Sng, A., et al. (2026). Recent advances in biochar-based composite phase change materials. Biomass and Bioenergy, 207, 108742.





