وجهات نظر

د. ماهر عزيز: مذبحة الأشجار جريمة لن يغفرها التاريخ.. عندما يتعانق الجهل وخيانة الوطن وموت الضمير

خبير الطاقة والبيئة

ثارت في كل أرجاء الوطن حركة احتجاج عارم على قطع الأشجار المعمرة – بحديقة الحيوان بالجيزة وشوارع الجامعة ومنطقة المهندسين والدقي وغيرها من مناطق متعددة في أنحاء مصر، وقد تسبب القطع الأخير للأشجار المعمرة في موجة غضب ضخمة لأن الناس تري في الشجر “ذاكرة المكان والزمان” فضلا عن كل منافعها البيئية والإنسانية والجمالية، ما يدعونا للعودة إلى التاريخ المسجل لإمعان النظر في مجازر الأشجار التي سجلت في تاريخ مصر، وإنعام البصر في القيمة النادرة للأشجار ودورها في حياة البشر، علي الأخص ما يتعلق بمزاياها الجمة التي لا يمكن تعويضها.
.
أشهر “مذابح الأشجار” في التاريخ منذ القرن السابع وحتى الآن :

1 – مذابح العصور الإسلامية المبكرة – القرن 7 إلي القرن 13 :

* الغزوات والحملات العسكرية :

كانت الجيوش تقطع أشجار البساتين حول المدن المحاصرة كتكتيك حرب وتجويع، وأشهرها قطع بساتين الشام ومصر وقت الغزوات الحربية، لكن الضرر كان موضعيا ويتراجع مع الاستقرار.

2 – مذبحة الحملة الفرنسية – 1801 :

وهي المذبحة التي تسبب فيها نابليون وجنرالاته الذين أتوا من بعده لاحتياجهم الشديد لثلاثة موارد علي وجه الاستعجال :

* الوقود لتشغيل الأفران وصهر المعادن وإدارة المطابخ للجيش.

* التحصينات الخشبية لتشييد المتاريس. والأسوار حول المعسكرات في القاهرة والقلعة.

* بناء السفن وإصلاح وصيانة الأسطول النهري.

فامتدت يد القطع في ذلك الزمان إلي بساتين وحدائق القاهرة الكبرى، التي كانت أشهرها بساتين بولاق والجيزة والروضة، وقد تم قطع أشجار الجميز والسنط والجازورين المعمرة.

لقد كانت حملة نابوليون بونابرت حملة عسكرية في حالة حصار فتم القطع العشوائي للأشجار علي نحو سريع غير منظم.

3 – مذبحة عهد محمد علي : 1805 – 1840 :

كانت مذبحة “منظمة ذات هدف صناعي” وليست عشوائية، وكان السبب الملح وقتها هو بناء “دولة حديثة”، فتم في بولاق والأسكندرية إنشاء ترسانتين لبناء السفن التي استخدم لبنائها خشب السنط والطلح والتوت المعمر في الصعيد، كذلك اقتضت صناعة البارود الحصول علي الفحم النباتي من شجر السنط الذي كان أهم مكون لصناعة البارود.

وقد أراد محمد علي إدخال السكك الحديدية لتكون مصر ثاني دولة في العالم تجري فيها القاطرات البخارية، وهو ما نفذه أولاده من بعده ما جعل من خشب الأشجار الضخمة مصدرا ضروريا لصناعة فلنكات السكك الحديدية، كما احتاج إلي كميات كبيرة من الخشب في بناء القناطر الخيرية.

وما تم قطعه لهذه الصناعات المدنية والحربية كان غابات طبيعية كاملة في الصعيد والوجه البحري، لدرجة أن بعض المؤرخين قالوا بأن مناطق شاسعة في أسيوط وسوهاج تعَرت تماماً.

لكن محمد علي كان رجلا ذا نظر بعيد، وكان إداريا من الطراز العظيم، قام في الوقت ذاته بتنفيذ أكبر حملة تشجير تمت في مصر، فزرع ملايين أشجار التوت لدودة القز لصنع الحرير، وملايين من أشجار الجميز على الترع، والكافور حول القصور، فكان ما فعله هو “قطع الأشجار بغرض الصناعة، والتشجير بغرض الاقتصاد”

كانت هذه “أكبر حملة تشجير وقطع أشجار في نفس الوقت” في مصر الحديثة، ذلك أن محمد علي استن سياسة اقتصادية مؤداها قطع الأشجار لأجل الصناعة، وزرع الأشجار لأجل الاقتصاد.

4 – مذابح القرن العشرين – التوسع العمراني :

* في الستينيات والسبعينيات :

إزالة بساتين مصر القديمة والمعادي لأجل امتداد القاهرة.

* في التسعينيات :

قطع الأشجار على الكورنيش والطرق الدائرية للتوسعة.

5 – مذابح السنوات الأخيرة : 2018 – 2025 :

* مذبحة ومأساة حديقة الميريلاند – مصر الجديدة :

كانت حديقة الميريلاند بمثابة رئة لمصر الجديدة، تقع علي مساحة 50 فدانا، وشجرها عمره 60-70 سنة منذ أيام الملك فاروق.

وكان السبب الرسمي الذي ساقته محافظة القاهرة لقطع أشجار الميريلاند هو “إعادة التطوير والتأجير الاستثماري”، الذي لم يتعد فكرة إجرامية لأجل حفنة فلوس صدئة حولت الجزء الأكبر من الحديقة إلي مشروعات فقيرة خائبة ذات مباني كالحة قبيحة شملت كافيهات، ومطاعم، ومناطق ألعاب مدفوعة، ومولا تجاريا، بهدف معلن أن تصرف الحديقة على نفسها ولا تكون “عبئا” على أصحاب الضمائر الميتة والعقل الجهول.

وبحجة “إعادة التنسيق” بواسطة من يجهلون ثقافة التنسيق ذبحوا أجمل وأعتق الأشجار المعمرة، بينما ظل البناء القبيح خاويا علي عروشه بلا رواد.

وقد أطلق اهل مصر الجديدة حملات “انقذوا_الميريلاند” دون أن يسمع لصراخهم أحد فقطعت مئات الأشجار المعمرة من الفيكس والكافور والجازورين التي كانت مصدرا للظل ومصدات للرياح، فضلا عن كل مزاياها الأخري،

وكانت النتيجة أن ارتفعت درجة الحرارة في المنطقة، وزاد الغبار، واختفت الطيور المهاجرة اللي كانت تتوقف عندها، وبعد الضغط الشعبي تم إيقاف جزءا ضئيلا من القطع، والوعد بزراعة تعويضية لم تحدث أبدا.

* مذبحة شارع النيل بالمعادي :

قطع أشجار معمرة للتوسعة.

* مذبحة حديقة الحيوان بالجيزة 2023-2024 :

إزالة أجزاء كبيرة بادعاء خطة تطوير مع شركة أجنبية، وشملت المجزرة أشجار عمرها 100+ سنة.

* مذبحة شارع جامعة الدول العربية – المهندسين 2024 :

قطع أشجار الفيكس المعمرة بادعاء توسعة الشارع وعمل محور.

* مذابح المحاور الجديدة :

محور ترسا، ومحور كمال عامر، وغيرها .. أزالوا صفوف شجر عمرها 40-50 سنة.

الأضرار البيئية التي تترتب على قطع الأشجار المعمرة :

ليست الشجرة المعمرة كالشتلة الجديدة، لكن الفارق 50 سنة نمو، ويمكن التعرف علي أهم أضرار قطع الأشجار علي النحو التالي :

1 – المناخ المحلي والحرارة :

توفر الشجرة الكبيرة تكييفا طبيعيا، لأنها تخفض درجة الحرارة 3 إلي 5 درجات مئوية في الشارع، وقطعها يزيد أثر “جزر الحرارة الحضرية” Heat Island، مما يعتبر ذا علاقة مباشرة بموجات الحر التي نعيشها.

2 – تلوث الهواء :

تمتص شجرة فيكس عمرها 50 سنة حوالي 20 كجم غاز ثاني أكسيد الكربون CO2 في السنة، كما تحتجز التراب والجسيمات الصدرية العالقة في الهواء التي يرمز إليها بالرمز العلمي PM2.5 ، حيث يساوي قطع 100 شجرة مرور 200 سيارة زيادة في الشارع.

3 – التنوع البيولوجي :

هذه الأشجار هي بيوت للعصافير والخفافيش والحشرات النافعة، وعند قطعها تنكسر السلسلة الغذائية في المدينة.

4 – المياه والتربة :

تقوي الجذور تماسك التربة وتقلل السيول ، كما تتشرب مياه المطر فتقلل الضغط على الصرف، وقطعها يعني شوارع تغرق “في شبر مية” علي نحو أسرع.

5 – الصحة النفسية والمجتمعية :

من الثابت علمياً أن الشارع الحافل بالشجر يقلل التوتر والضغط، وهذه “خدمة بيئية” و “صحية” مجانية لا سعر لها.
الحق إن الاحتجاج ليس ضد التطوير، ولكن الاحتجاج ضد “القطع بدون تعويض عادل”،
والمعادلة الصحيحة هي :

1 شجرة عمرها 50 سنة تحتاج إلى 50 سنة لكي تعوضها..

الحلول التي يجب العمل عليها الآن :

تتلخص أهم الحلول الناجعة لعمليات ذبح الأشجار فيما يلي :

1 – النقل وليس القطع : نقل الأشجار المعمرة بمعدات خاصة مثلما تفعل دول الخليج.

2- تعويض 1:10 : لكل شجرة مقطوعة يتم زرع 10 شجرات في نفس الحي.

3 – دمج التطوير مع الشجر : توسيع الشارع حول الشجرة وليس على حسابها.

الحق إن الشجر المعمر هو بنية أساسية خضراء، بنيناها في 100 سنة ويتم ذبحها وكسرها وتدميرها في يوم.

المعايير والتوصيات الدولية للحفاظ على الأشجار داخل المدن :

1 – أهم 3 مراجع دولية :

A. FAO – منظمة الأغذية والزراعة :

“إرشادات الغابات الحضرية” : توصي بـنسبة 10-15% غطاء شجري كحد أدنى من مساحة المدينة.

B. WHO – منظمة الصحة العالمية :

كل مواطن يجب أن يكون امامه شجرة واحدة على الأقل ويستطيع ان يصل إلي حديقة/مساحة خضراء في 10 دقائق مشي.
C. C40 Cities & 3-30-300 Rule :

– 3 أشجار تشاهدها من شباك بيتك

– 30% غطاء شجري في الحي

– 300 متر لحد أقرب حديقة.

2- أهمية الحد الأدنى من الغطاء الشجري لمواجهة التغير المناخي :

الغطاء الشجري هو “خط الدفاع الأول” للمدن وذلك للمزايا التالية :

* يمتص غاز ثاني أكسيد الكربون CO2، فالشجر في المدن يمتص 10-20% من انبعاثات المدينة.

* يقلل الحرارة، فكل 10% زيادة في الغطاء الخضري تخفض درجة الحرارة من 1-2 درجة مئوية

* يقلل الفيضانات فالجذور تتشرب مياه المطر وتقلل السيول بنسبة لا تقل عن 30%.

وبدون هذا الحد الأدنى تتحول المدن لأفران وقت حدوث الموجات الحرارية.

3 – ماذا يحدث مناخياً وبيئياً عند قطع الأشجار في المدن؟

يحدث ثلاث كوارث متزامنة معا :

أولا : فقد “التكييف الطبيعي” :

فالشجرة الواحدة يتبخر منها 400 لتر مياه في اليوم، أي ما يوازي تبريد 5 تكييفات.

ثانيا : فقدان “محطة تنقية” :

حيث يضيع امتصاص 20 كجم CO2، وأتربة، ومعادن ثقيلة كانت الشجرة تحجزهم سنوياً.

ثالثا : تكسير النظام البيئي :

فتختفي العصافير ولا يوجد النحل والحشرات النافعة، فضلا عن تعرية التربة.

التأثير على الحرارة والجزر الحرارية وجودة الهواء :

1 – درجات الحرارة :

الشارع الذي تقطع أشجاره ترتفع درجة حرارته من 3 إلي 5 درجات علي الفور، ويقوم الأسفلت بامتصاص الحرارة ويلفظها ليلا.

2 – “الجزر الحرارية” :

تحدث ظاهرة “الجزر الحرارية” Urban Heat Island في قلب المدينة، التي يقوي من تأثيرها قطع الأشجار، فترتفع – علي سبيل المثال – درجة حرارة القاهرة حالياً 4-6 درجات مئوية عن المناطق الريفية خارج كردون المدينة بسبب الكتل الأسمنتية العالية وضآلة الغطاء الشجري.

3 – جودة الهواء :

تزيل شجرة فيكس عمرها 50 سنة التلوث الناتج عن سيارتين، ويتسبب قطع 100 شجرة في زيادة الجسيمات الصدرية الدقيقة التي يرمز إليها بالرمز PM2.5 في الجو بنسبة ملحوظة في نطاق 500 متر.

هل يمكن قياس التأثير المناخي لقطع عدد كبير من الأشجار في شارع؟

نعم يمكن قياس التأثير المناخي لقطع عدد كبير من الأشجار في شارع معين بأساليب علمية منها ما يلي :
* i-Tree برنامج

المستخدم في وزارة الزراعة الأمريكية الذي يحسب قيمة كل شجرة بدلالة عدد الكيلوجرامات من غاز ثاني أكسيد الكربون CO2، وكم لتر ماء، وكم جنيه يمكن توفيره.

* الاستشعار عن بعد :

من خلال صور الأقمار الصناعية التي تقيس “مؤشر الحرارة السطحية” قبل وبعد قطع الأشجار.

* النماذج المناخية المحلية :

التي تحسب فرق درجات الحرارة وقوة واتجاه الرياح والتلوث في الشارع المعين تحديداً.

المؤشرات العلمية لتقييم حجم الضرر :

يمكن قياس الضرر بـواسطة خمسة مؤشرات رئيسية :

1 – كمية الكربون المفقودة :

كم طنا من CO2 كان الشجر المقطوع سيخزنه في 10 سنوات.

2 – مؤشر الحرارة السطحية LST :

فرق درجة حرارة الأرض قبل وبعد قطع الأشجار بالأقمار الصناعية.

3 – تركيزات ملوثات الهواء

NOx, SOx, PM & PM2.5 قبل وبعد قطع الأشجار

4 – معدل الجريان السطحي :

كمية مياه المطر التي ستجري للصرف بدلا مما يتشربها الشجر .

5 – مؤشر التنوع البيولوجي :

عدد أنواع الطيور والحشرات في المنطقة.

كيف تتعامل المدن الكبرى مع الأشجار وبم نستفيد منها؟

تعامل المدن المحترمة الشجرة كما تعامل ينبوع مياه بالظبط، فماذا تفعل المدينة مقابل ما يتم في مصر وكيف تستفيد مصر :

1 – تلتزم باريس بما يسمي “ميثاق الشجرة”، وبمقتضي هذا الميثاق ممنوع قطع شجرة عمرها +30 سنة إلا بموافقة ثلاث جهات و تعويض 1:3 وفقا لقانون “حماية للشجر المعمر”.

2 – تعتبر سنغافورة “مدينة في حديقة”، فأي مشروع يلتزم بزراعة ضعف المساحة الخضراء التي يضطر إلي ازالتها أثناء التنفيذ، والتشجير الرأسي فوق الأسطح والكباري .

3 – لدي مدينة نيويورك “خريطة رقمية لكل شجرة” وقيمتها بالدولار، مع حصر رقمي للأشجار المعمرة.

4 – في دبي يتم نقل الأشجار المعمرة بمعدات بدلا من قطعها، فتنقل بدل أن تقطع.

المعايير الدولية قبل قطع الأشجار في مشروعات الطرق و هل ينفع التعويض؟

تؤكد المعايير الدولية أن “آخر حل هو القطع”، وترتب الحلول علي النحو التالي :

1 – التجنب :

صمم الطريق حوالين الشجرة

2 – التقليل :

ضيق الحارة أو انقل المرافق.

3 – النقل :

انقل الشجرة المعمرة بمعدات خاصة. نسبة النجاح 70-80%

4 – القطع :

آخر اختيار، ولازم تعويض.

هل الزراعة الجديدة تعوض الشجرة المقطوعة؟

الإجابة العلمية : لا

إن شجرة عمرها 50 سنة لا تعوضها 50 شتلة جديدة.

لماذا ؟

1 – الزمن : نحتاج 50 سنة لكي تصل الشتلة لنفس الحجم والخدمات.

2 – الكمية : تمتص الشتلة 1 كجم CO2، والكبيرة 20 كجم.

3 – الخدمات : الظل والجذور والتنوع الحيوي لا يمكن تعويضهم قبل 30 سنة.

ويقر التعويض العادل دولياً بأن كل شجرة مقطوعة يزرع مقابلها 10 شجرات ، في نفس الحي، وبمتابعة لمدة 5 سنوات.

إن وجود الشجر في المدينة ليس من باب الرفاهية، لكنه بنية أساسية مناخية، إذا قطع نخسر تكييفا طبيعيا ومحطة تنقية وخزان مياه، ثم ندفع للحصول عليهم معا فيما بعد أضعافا مضاعفة في الكهرباء والمستشفيات والبنية الأساسية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة