أخبارالتنوع البيولوجيالزراعة

عباد الشمس الأكثر تأثرا من الجفاف.. أضرارًا خفية تبقى داخل ساقه لأسابيع

الجفاف لا ينتهي بالري.. أضرار داخلية تبقى في دوار الشمس رغم تعافيه الظاهري

قد يبدو النبات الذابل وكأنه تعافى تمامًا بعد حصوله على الماء؛ ففي غضون يوم واحد يمكن أن تستعيد أوراقه انتصابها ويبدو الساق ممتلئًا من جديد.

لكن دراسة جديدة تكشف أن المظهر الخارجي لا يعكس دائمًا ما يحدث داخل النبات.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Journal of Experimental Botany.
ففي نباتات دوار الشمس، وجد باحثون أن فقاعات الهواء التي تسد أوعية نقل المياه داخل الساق أثناء الجفاف يمكن أن تبقى في أماكنها لأسبوع على الأقل، وفي إحدى الحالات استمرت ثلاثة أسابيع، رغم عودة النبات إلى مظهره الطبيعي بعد الري.

وتشير النتائج إلى أن دوار الشمس يستطيع استعادة تماسكه ونشاطه الخارجي بعد الجفاف، من دون أن ينجح بالضرورة في إصلاح الأضرار التي لحقت بشبكة نقل المياه داخله.

ولسنوات، كان أحد الافتراضات السائدة في هذا المجال يشير إلى أن النباتات قادرة على التخلص من هذه الفقاعات وإعادة فتح أوعيتها الناقلة للمياه بصورة تلقائية، كما دعمت دراسات سابقة هذا الاحتمال لدى دوار الشمس.

لكن فريقًا بقيادة جاريد ستيوارت وزملائه في جامعة كولورادو بولدر استخدم تقنية التصوير المقطعي المحوسب (CT) لرؤية ما يحدث داخل السيقان دون الحاجة إلى قطعها.

ووضع الباحثون نباتات دوار الشمس التي بلغ عمرها ثلاثة أسابيع داخل جهاز تصوير مقطعي طبي، ثم تابعوا السيقان نفسها أثناء الجفاف وبعد إعادة ري النباتات.

والنتيجة كانت واضحة: الأوعية التي انسدت أثناء الجفاف لم تُفتح مجددًا بعد الري.

لماذا كانت الدراسات القديمة تعطي نتائج مختلفة؟

عباد الشمس

يصعب رؤية انسداد أوعية نقل المياه داخل ساق نبات حي، ولذلك اعتمدت معظم الدراسات السابقة على قطع النبات وفحص الأجزاء المستأصلة منه.

لكن قطع الساق، خصوصًا عندما يكون النبات تحت ضغط مائي، يمكن أن يسمح بدخول الهواء إلى الأنسجة المسؤولة عن نقل المياه.

وبذلك قد تتسبب عملية القطع نفسها في تكوين انسداد يشبه الضرر الناتج عن الجفاف.

وهذا يعني أن نباتًا كان سليمًا قبل قطعه يمكن أن يبدو وكأنه يعاني انسدادًا بعد العملية، كما يمكن أن تبدو بعض الأنواع وكأنها قادرة على التخلص من الفقاعات بسهولة أكبر مما يحدث في الواقع.

وتكشف الدراسات التي استخدمت أساليب مختلفة تفاوتًا كبيرًا في تقدير النقطة التي يبدأ عندها انسداد نصف أوعية نقل المياه في ساق دوار الشمس؛ فقد تراوحت القيم بين نحو −1.0 و−3.0 ميغاباسكال من ضغط الماء، أي بفارق يصل إلى ثلاثة أضعاف بين النتائج المنشورة.

وأوضح تروي أوشلتري، الأستاذ المشارك في جامعة ولاية كولورادو وأحد مؤلفي الدراسة، أن سحب المياه من التربة الجافة يمكن أن يؤدي إلى دخول الهواء إلى الأنسجة المسؤولة عن نقل المياه من الجذور إلى الأوراق.

وعندما يحدث ذلك، يمكن للانسداد الهوائي أن يمنع وصول كمية كافية من المياه إلى الأوراق، ما يؤثر في نموها وقدرتها على إجراء عملية البناء الضوئي.

دوار الشمس يتوقف عن فقد المياه قبل أن تتضرر أوعيته

عباد الشمس

تابع الباحثون 55 نباتًا من دوار الشمس لرصد التسلسل الذي تحدث به الأضرار خلال الجفاف.

وأظهرت النتائج أن المسام الدقيقة الموجودة على الأوراق، والمعروفة باسم الثغور، أغلقت أولًا عند ضغط مائي بلغ نحو −1.0 ميغاباسكال، وفي الفترة نفسها تقريبًا بدأت الأوراق في الذبول.

أما فقاعات الهواء التي تسبب انسداد أوعية نقل المياه في الأوراق والسيقان، فلم تبدأ في الظهور على نطاق واضح إلا عند نحو −1.5 ميغاباسكال.

وهذا يعني أن النبات كان قد بدأ بالفعل في الحد من فقد المياه وتقليل قدرته على امتصاص ثاني أكسيد الكربون قبل أن تظهر أضرار كبيرة في شبكة نقل المياه.

ويُعد إغلاق الثغور إحدى الوسائل التي تستخدمها النباتات لترشيد استهلاك المياه عندما تجف التربة، ويبدو أن هذه الاستجابة لدى دوار الشمس تمنحه هامشًا زمنيًا قبل بدء الضرر الداخلي في أوعية النقل.

كما كانت طريقة التصوير مهمة في الدراسة، إذ استخدم الباحثون جهازًا كانت جرعة الإشعاع الناتجة عنه خلال كل جلسة تصوير مدتها 45 دقيقة أقل بنحو 20 إلى 65 مرة من الأجهزة المستخدمة في بعض الدراسات النباتية السابقة، والتي ثبت أن مستويات الإشعاع فيها يمكن أن تلحق أضرارًا بأنسجة دوار الشمس.

الانسدادات بقيت حتى ثلاثة أسابيع

عباد الشمس

كشفت النتائج عن اختلاف كبير في مستوى الضرر بين النباتات.

فأحد النباتات تعرض لإجهاد مائي محدود، وانتهى الأمر بوجود انسداد في نحو 10% من ساقه.

أما نبات آخر تعرض لجفاف شديد، فبلغت نسبة الانسداد في ساقه نحو 90%.

وبعد إعادة ري النباتين، لم تختفِ الانسدادات، لا خلال ليلة واحدة ولا بعد أسبوع كامل في الصوبة الزراعية.

وفي إحدى الحالات، استمرت الانسدادات ثلاثة أسابيع، رغم استمرار الساق في النمو.

وخلال تلك الفترة، زادت مساحة مقطع الساق بنحو 240%، ما يشير إلى أن النبات لم يتخلص من الضرر، بل واصل نموه حول المناطق المتضررة.

وفي الوقت نفسه، استعادت السيقان التي انكمشت وذبُلت خلال ذروة الجفاف شكلها الطبيعي، وأصبحت منتصبة وممتلئة في صباح اليوم التالي لإعادة الري، واستمرت على هذه الحالة.

وبعبارة أخرى، كان النبات يبدو متعافيًا من الخارج، بينما بقي جزء من الضرر داخله.

الأوراق واصلت الموت حتى بعد إعادة الري

ولم تقتصر آثار الجفاف على الساق.

فلم تختفِ الانسدادات في أعناق الأوراق والعروق الوسطى خلال ليلة واحدة، وبعد أسبوع من الري المنتظم كانت مستويات الانسداد في كليهما أعلى مما كانت عليه قبل ذلك، بفارق لا يرجح أن يكون ناتجًا عن الصدفة وحدها.

وفي بعض النباتات، جفت الأوراق السفلية تمامًا بعد عودتها إلى الصوبة الزراعية.

أما الأوراق الأحدث الموجودة في الجزء العلوي، إلى جانب منطقة النمو، فقد نجت في جميع النباتات التي فحصها الفريق.

ورغم ذلك، نجت جميع نباتات دوار الشمس التي أعيد ريها، بما في ذلك النباتات التي كان أكثر من نصف أوعية نقل المياه في سيقانها مسدودًا.

كما تحسنت خلال الأسبوع التالي لإعادة الري ثلاثة مؤشرات مهمة، هي فقد المياه، وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، وكفاءة استخدام الضوء.

لكن معظم النباتات لم تستعد هذه المؤشرات إلى المستويات المسجلة لدى النباتات التي حصلت على مياه كافية طوال الوقت.

وهذه النقطة تحمل أهمية خاصة للزراعة، لأن النبات قد ينجح في البقاء على قيد الحياة من خلال التضحية بجزء من نموه، ثم يبدو بحالة جيدة بعد الري، بينما يظل أداؤه الفسيولوجي أقل من إمكاناته الطبيعية.

عشب الحظيرة يقدم نتيجة مختلفة

أجرى المختبر نفسه تجربة مماثلة على نوع عشبي شائع يعرف باسم عشب الحظيرة (Barnyard grass)، وكانت النتيجة مختلفة تمامًا.

فقد تمكن هذا النبات من التخلص من انسدادات أوعية نقل المياه في ساقه خلال ليلة واحدة، وذلك في جميع النباتات التي خضعت للاختبار، حتى عندما وصلت مستويات الانسداد إلى 88%.

وظلت الأوعية خالية من الانسدادات بعد ذلك.

وهكذا استخدم فريق ستيوارت المنهج نفسه تقريبًا على نوعين نباتيين، لكنه حصل على نتيجتين متناقضتين.

وقال ستيوارت إن آراء الباحثين حول قدرة النباتات على إعادة فتح أوعية نقل المياه تنقسم عادة إلى اتجاهين متطرفين: الأول يرى أن هذه العملية لا تحدث، والثاني يعتبرها شائعة نسبيًا.

ويرى الباحث أن نتائج الدراستين معًا تشير إلى أن أيًا من هذين التفسيرين المطلقين لا يصف الواقع بدقة.

هل تستطيع الجذور دفع فقاعات الهواء خارج الأوعية؟

كان ضغط الجذور أحد التفسيرات المحتملة للكيفية التي يمكن بها للنبات دفع فقاعات الهواء خارج أوعيته الناقلة للمياه.

لكن فريق ستيوارت يشك في أن ضغط الجذور وحده يفسر قدرة النباتات على إزالة هذه الانسدادات.

وقاس الباحثون تدفق العصارة النباتية بوصفه مؤشرًا غير مباشر على ضغط الجذور لدى دوار الشمس وعشب الحظيرة.

واللافت أن نباتات دوار الشمس التي لم تتمكن من إزالة الانسدادات كانت تنتج العصارة بمعدلات تقع ضمن النطاق نفسه تقريبًا الذي سجلته النباتات العشبية التي نجحت في إزالة الانسدادات بالكامل.

وهذا يشير إلى أن وجود تدفق للعصارة أو ضغط جذري محتمل لا يعني بالضرورة أن النبات قادر على إصلاح الأضرار الداخلية الناتجة عن الجفاف.

ماذا يحدث للنبات بعد انتهاء الجفاف؟

لا يبدو أن دوار الشمس هو النبات الوحيد الذي يفشل في إزالة هذه الانسدادات بسرعة.

فقد أظهرت دراسات على الأشجار والقمح نمطًا مشابهًا، ما قد يجعل عشب الحظيرة استثناءً أكثر من كونه نموذجًا عامًا لجميع النباتات.

لكن الدراسة الجديدة لها حدود مهمة.

فقد اختبر الباحثون صنفًا واحدًا فقط من دوار الشمس، وزُرعت النباتات في أوعية، وكان عمرها ثلاثة أسابيع عند إجراء التجارب.

كما ركزت الدراسة على النباتات كاملة بدلًا من دراسة كل ورقة على حدة، واستخدمت تدفق العصارة باعتباره مؤشرًا غير مباشر على ضغط الجذور، بدلًا من قياس ضغط الجذور مباشرة.

ويبقى السؤال الأهم هو: ما تكلفة هذه الانسدادات الداخلية على النبات خلال بقية دورة حياته؟

فقد يستعيد النبات مظهره الصحي خلال أيام من إعادة الري، لكن العلماء لا يعرفون بعد إلى أي مدى يمكن أن يؤدي الضرر الخفي إلى انخفاض إنتاج البذور، أو تباطؤ النمو، أو زيادة حساسية النبات لموجة جفاف جديدة.

ويرى فريق ستيوارت أن إنتاجية البذور ستكون من أهم المؤشرات التي ينبغي اختبارها في الدراسات المقبلة، خصوصًا عبر مجموعة أكبر من أصناف دوار الشمس وتحت ظروف زراعية مختلفة.

وتقدم النتائج درسًا مهمًا للزراعة في ظل تزايد مخاطر الجفاف: عودة النبات إلى مظهره الطبيعي بعد الري لا تعني بالضرورة أن جميع آثاره الداخلية قد زالت.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة