وجهات نظر

د.فوزي يونس: العالم يتجه لتجاوز 1.5 درجة مئوية.. تقرير أممي يكشف كيف يمكن العودة

أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة

بداية في الثاني من سبتمبر 2026 نشر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) تقريره التاريخي بعنوان “تقييد التجاوز: التعامل مع تجاوز 1.5°C ومسارات العودة” (Limiting Overshoot: Navigating exceedance of 1.5°C and pathways towards return). يعد هذا التقرير الأول من نوعه الذي يعترف رسميا بأن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية لم يعد احتمالا بعيدا بل أصبح أمرا واقعا لا مفر منه خلال السنوات القليلة المقبلة. ومع ذلك يحمل التقرير رسالة أمل حذرة: لا يزال من الممكن خفض درجات الحرارة مجددا والعودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن شرط اتخاذ إجراءات مناخية طموحة وفورية.

أولا: ماذا يعني “تجاوز” 1.5 درجة مئوية؟

يشير مفهوم “التجاوز” (Overshoot) في أدبيات المناخ إلى مسار ديناميكي يتضمن ثلاثة مراحل أساسية: تجاوز عتبة درجة حرارة معينة وصول درجة الحرارة إلى ذروتها ثم انحدارها لاحقا إلى ما دون العتبة. وقد أكدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) في تقريرها التقييمي السادس أن معظم السيناريوهات المتوافقة مع هدف 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 تتضمن فترة من التجاوز.

ويوضح تقرير UNEP أن التجاوز ليس حدثا لحظيا بل هو فترة زمنية قد تمتد لعقود يعتمد مقدارها ومدتها على مسار الانبعاثات قبل وبعد تجاوز العتبة. فكلما أسرع العالم في الوصول إلى الحياد الكربوني وخفض انبعاثات الميثان كلما كان التجاوز أقصر وأقل ضررا.

ثانيا: النتائج الرئيسية  

1. التجاوز حتمي

وفقا للتقرير فإن تجاوز 1.5 درجة مئوية أصبح “حتمياً على نطاق واسع” في ظل السياسات الحالية والمسارات القريبة المدى. وقد قدرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في مايو 2026 أن هناك احتمالاً بنسبة 75% أن يتجاوز المتوسط الخماسي للفترة 2026-2030 عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

2. ذروة ارتفاع الحرارة

حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، من المتوقع أن تبلغ ذروة ارتفاع درجة الحرارة 1.8 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. أما في معظم السيناريوهات الأخرى فمن المتوقع أن تتجاوز الذروة 2 درجة مئوية.

3. مسار “التجاوز، الذروة، والانحدار”

يحدد التقرير مسار “التجاوز، الذروة، والانحدار” (overshoot, peak, and decline) كأفضل خيار متاح لتقليل حجم ومدة التجاوز، ومحاولة العودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية في أقرب وقت ممكن. ويتطلب هذا المسار:

· تخفيضات فورية ومستدامة في انبعاثات غازات الدفيئة بما في ذلك الميثان في الطريق نحو الحياد الكربوني.
· انبعاثات سلبية صافية على المدى الطويل لخفض درجات الحرارة.
· إزالة الكربون (Carbon Dioxide Removal – CDR) في إطار حوكمة دقيقة.
· إجراءات تكيف للحد من vulnerability المجتمعات والاقتصادات.

ثالثا: خفض الانبعاثات – الركيزة الأولى

يؤكد التقرير أن تخفيضات الانبعاثات العميقة والسريعة والمستدامة تظل الأولوية الأولى في إدارة عالم يتجاوز 1.5 درجة مئوية. فلا يمكن لإزالة الكربون أن تكون بديلا عن خفض الانبعاثات بل يجب أن تكون مكملة له.

وتشير الأدلة إلى أن التحول السريع بعيداً عن الوقود الأحفوري نحو الطاقة المتجددة يحقق فوائد مشتركة متعددة: تحسين جودة الهواء والصحة العامة، خفض تكاليف الطاقة وزيادة الوصول إلى الكهرباء.

1.5 درجة مئوية لم تعد خطًا آمنًا.. الأمم المتحدة تحذر وتطرح مسارًا للعودة
1.5 درجة مئوية لم تعد خطًا آمنًا.. الأمم المتحدة تحذر وتطرح مسارًا للعودة

رابعا: إزالة الكربون – ضرورة لكن بحذر

تلعب إزالة ثاني أكسيد الكربون (CDR) دوراً محورياً في مسار العودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية. وتشمل تقنيات إزالة الكربون التشجير وإعادة التحريج بالإضافة إلى تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه.

ومع ذلك يحذر التقرير من أن إزالة الكربون لا يمكن أن تساهم بشكل موثوق في العودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية إلا إذا ظلت ذروة ارتفاع الحرارة أقل بكثير من 2 درجة مئوية وتم خفض جميع الانبعاثات المتبقية.

ومن الناحية الكمية يتطلب خفض متوسط درجة الحرارة العالمية بمقدار 0.1 درجة مئوية فقط حوالي 220 غيغا طن من الانبعاثات السلبية الصافية من ثاني أكسيد الكربون. وهذا يوضح حجم التحدي الهائل المرتبط بإزالة الكربون على نطاق واسع.

وتشير معظم السيناريوهات إلى أن الانبعاثات السلبية الصافية لن تتحقق إلا ابتداءً من سبعينيات القرن الحالي فصاعدا مما يعني أن فترة التجاوز قد تمتد لعقود.

خامسا: التكيف – استثمار لا بديل عنه

مع أن خفض الانبعاثات وإزالة الكربون هما المفتاح لخفض درجات الحرارة على المدى الطويل، فإن التكيف مع الآثار المناخية التي لا يمكن تجنبها يشكل ضرورة ملحة. فبالنسبة للمجتمعات التي تعيش على خطوط المواجهة يمكن أن يشكل التكيف الفرق بين الصدمة والكارثة.

الجدوى الاقتصادية للتكيف

أظهرت دراسة حديثة أجراها معهد الموارد العالمية (WRI) نشرت في يونيو 2025 حللت 320 استثماراً في التكيف والمرونة عبر 12 دولة بتكلفة إجمالية بلغت 133 مليار دولار أن:

كل دولار يستثمر في التكيف والمرونة يولد أكثر من 10 دولارات كفوائد على مدى عشر سنوات.

وتترجم هذه العوائد إلى:

· إجمالي فوائد محتملة تتجاوز 1.4 تريليون دولار.
· متوسط عوائد سنوي يتراوح بين 20% و 27%.

وتوزعت الفوائد على ثلاث فئات رئيسية تعرف بـ “العائد الثلاثي للمرونة” (triple dividend of resilience):

1. الخسائر المتجنبة من الكوارث المناخية.
2. المكاسب الاقتصادية المحققة (مثل خلق فرص العمل وزيادة غلة المحاصيل).
3. الفوائد الاجتماعية والبيئية الأوسع (مثل تحسين النظم الصحية والتنوع البيولوجي).

واللافت أن أكثر من 50% من الفوائد الموثقة تحدث حتى في حال عدم وقوع كوارث مناخية مما يعني أن استثمارات التكيف تدر قيمة يومية مستمرة من خلال تحسين البنية التحتية وزيادة الإنتاجية الزراعية وتعزيز الصحة العامة.

سادسا: المخاطر المترتبة على التجاوز

يحذر التقرير من أن المخاطر والآثار المناخية ستزداد حدة مع كل جزء إضافي من الدرجة وكل سنة إضافية من التجاوز. وتشمل الآثار المتوقعة:

· تطرف الظواهر الجوية (موجات حر، فيضانات، حرائق، جفاف).
· فقدان النظم البيئية وتدهورها.
· غرق الدول الجزرية الصغيرة والمدن الساحلية المنخفضة.
· أضرار جسيمة على صحة الإنسان، والأمن الغذائي، وإمدادات المياه، والبنية التحتية والاقتصادات.

نقاط التحول المناخي (Tipping Points)

يزداد احتمال تجاوز نقاط التحول غير القابلة للعكس مع زيادة حجم ومدة ارتفاع درجات الحرارة وتشمل هذه:

1. زعزعة استقرار الصفائح الجليدية الكبرى.
2. تدهور غابات الأمازون المطيرة.
3. اضطراب الدورة الحرارية الملحية الأطلسية (AMOC) التي تلعب دورا رئيسيا في تنظيم المناخ العالمي.

هذا وتشير بعض الدراسات إلى أن انخفاض درجة الحرارة بعد التجاوز قد لا يعيد المخاطر إلى ما كانت عليه لو لم يتم تجاوز 1.5 درجة مئوية أبدا وذلك بسبب التأثيرات غير القابلة للعكس على النظم البيئية.

سابعا: التعاون الدولي – ضرورة ملحة

يشدد التقرير على أن التخفيف والتكيف يجب أن يتقدما معاً. ففي وقت تعمل فيه الحروب والتوترات التجارية والدبلوماسية المجزأة على تفريق الدول فإن تغير المناخ يجعل التعاون أكثر ضرورة وليس أقل.

ويحدد التقرير عوامل النجاح الرئيسية:

· الإرادة السياسية القوية والتزام حقيقي بالتعددية.
· سياسات فعالة وحوكمة شاملة.
· تعبئة التمويل العام والخاص على نطاق غير مسبوق.
· العدالة والإنصاف في توزيع الأعباء والفوائد بحيث تتحمل الدول الأكثر مسؤولية عن تغير المناخ العبء الأكبر.

وفي النهاية يمكننا القول بأن بين اليأس والأمل يقدم تقرير UNEP “تقييد التجاوز” تشخيصا صريحا لواقع المناخ: تجاوز 1.5 درجة مئوية بات حتميا والذروة المتوقعة تتراوح بين 1.8 و 2 درجة مئوية أو أكثر. ومع ذلك، فإن الرسالة المحورية للتقرير هي أن التجاوز ليس حجة للاستسلام بل حافز للعمل العاجل.

فالمسار ما زال مفتوحا للحد من حجم ومدة التجاوز، والعودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، من خلال:

1. تخفيضات عميقة وفورية في الانبعاثات.
2. توسيع مسؤول لإزالة الكربون مع حوكمة دقيقة.
3. الانتقال إلى الانبعاثات السلبية الصافية.
4. استثمارات ضخمة في التكيف التي تدر عوائد اقتصادية تفوق عشر مرات تكلفتها.

وكما قالت إنغر أندرسن المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة: “لا توجد نتائج جيدة إذا بقينا فوق 1.5 درجة مئوية… الآن هو الوقت الذي يجب علينا فيه مضاعفة الجهود في العمل المناخي. يمكننا – ويجب علينا – أن نسلك الطريق الصحيح”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة