أخبارتغير المناخ

سر المناخ في أعماق البحار.. تضاريس قاع المحيط تعيد رسم حركة الحرارة

ماذا يحدث لمناخ الأرض إذا اختفت القارات؟ قاع المحيط يحمل الإجابة

ماذا لو اختفت معظم اليابسة من كوكب الأرض؟ قد يبدو أن النظام المناخي سيتحول إلى منظومة بسيطة تهيمن عليها المحيطات، لكن دراسة جديدة تشير إلى نتيجة أكثر تعقيدًا.

فحتى مع إزالة القارات واليابسة من نموذج افتراضي للأرض، ظل شكل قاع المحيط وتضاريسه قادرًا على الحفاظ على العديد من السمات الرئيسية لدوران المحيطات والمناخ العالمي.

وتكشف النتائج أن تضاريس قاع المحيط ليست مجرد حدود ثابتة تقع أسفل المياه، بل تؤدي دورًا نشطًا في تنظيم حركة المحيطات ونقل الحرارة، وبالتالي في تشكيل النظام المناخي للكوكب.

وقاد الدراسة بيشي وانج، الباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة صن يات-سن، ونُشرت في دورية Ocean-Land-Atmosphere Research.

سر المناخ في أعماق البحار

اختبار قوة قاع المحيط

كان الهدف الرئيسي للباحثين هو فهم الدور الذي تؤديه قياسات أعماق المحيطات وتضاريس قاعها، أو ما يُعرف باسم Bathymetry، في تشكيل دوران المحيطات على نطاق واسع والمناخ العالمي.

وقال وانج إن الفريق أراد تحديد مقدار ما يمكن لتضاريس قاع المحيط وحدها أن تفعله في الحفاظ على الدوران واسع النطاق والاختلافات المناخية بين نصفي الكرة الأرضية، مع إزالة تأثير توزيع اليابسة والبحار وتضاريس القارات.

ويعرف العلماء بالفعل أن تضاريس سطح الأرض تؤثر بصورة كبيرة في حركة الغلاف الجوي، ونقل الطاقة، وديناميكيات المحيطات.

لكن السؤال الذي ظل أقل وضوحًا هو: إلى أي مدى يأتي هذا التأثير تحديدًا من تضاريس قاع المحيط، بعيدًا عن تأثير القارات والجبال اليابسة؟

سر المناخ في أعماق البحار
سر المناخ في أعماق البحار

بناء عالم مائي بلا قارات

اعتمد الباحثون على نماذج مناخية مثالية ومفصلة لدراسة دور التضاريس في النظام المناخي.

وتشمل هذه النماذج نماذج دوران الغلاف الجوي، ونماذج تربط الغلاف الجوي بطبقات مبسطة من المحيطات، إضافة إلى نماذج أكثر تعقيدًا تربط مكونات النظام المناخي للأرض ببعضها.

ومن أبسط النماذج المستخدمة في هذا المجال ما يُعرف باسم كوكب المحيطات أو Aquaplanet، وهو نموذج افتراضي تُزال منه اليابسة والجبال والجليد البحري لدراسة سلوك المناخ في عالم تغطيه المياه بصورة شبه كاملة.

وفي الدراسة الجديدة، أجرى الباحثون تجربتين باستخدام نموذج النظام الأرضي المجتمعي (Community Earth System Model)، وهو نموذج مناخي متكامل.

كانت التجربة الأولى نموذجًا مرجعيًا استخدم جغرافية الأرض الحالية، وأطلق عليها الباحثون اسم REAL.

أما التجربة الثانية، فاستبدلت جميع اليابسة بطبقة محيطية ضحلة يبلغ عمقها نحو 10 أمتار، مع الإبقاء على الشكل الحقيقي لقاع المحيط الموجود أسفلها، وأطلق عليها الباحثون اسم BATHY.

وبذلك تمكن الفريق من عزل تأثير تضاريس قاع المحيط عن تأثير القارات وتضاريس اليابسة.

دوران محيطي مألوف لكن أقوى

جاءت النتائج لافتة؛ فعلى الرغم من إزالة القارات، احتفظ نموذج BATHY بنمط عام مشابه لدوران المحيطات واسع النطاق الموجود في محاكاة الأرض الحقيقية، لكن الدوران كان أقوى بصورة عامة، كما أعيد تنظيم بعض مكوناته المهمة.

ومع تغير حركة التيارات البحرية، تحركت أنظمة الرياح والحرارة حول الكوكب بطريقة أدت إلى تغيرات في درجات الحرارة بين مناطق مختلفة.

وفي النموذج الافتراضي، ارتفعت حرارة القارة القطبية الجنوبية، بينما انخفضت درجات الحرارة في القطب الشمالي.

وتشير النتائج إلى أن شكل قاع المحيط وحده يحمل قدرًا كبيرًا من البنية اللازمة لإعادة إنتاج بعض هذه الأنماط المناخية.

وقال وانج إن تضاريس قاع المحيط تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل النظام المناخي العالمي من خلال تأثيرها في الدوران واسع النطاق للمحيطات ونقل الحرارة.

سر المناخ في أعماق البحار

تيار محيطي رئيسي يستمر حتى من دون القارات

ومن أبرز النتائج أن تضاريس قاع المحيط الواقعية استطاعت الحفاظ على دوران الانقلاب الزوالي في المحيط الأطلسي (AMOC) حتى بعد إزالة القارات، وإن تغير هيكل هذا الدوران بصورة واضحة.

فقد ضعف الدوران فوق عمق يقارب 1000 متر، بينما أصبح أقوى في الأعماق الواقعة أسفل هذا المستوى، ما أدى إلى تكوين نسخة أعمق من دوران AMOC مقارنة بالنموذج الواقعي.

كما ظهر في النموذج الافتراضي دوران انقلاب زوالي في المحيط الهادئ، وهو نمط من الحركة ينقل المياه والحرارة على نطاق واسع داخل المحيط.

وتُعد هذه النتيجة مهمة لأن AMOC لا ينقل المياه فحسب، بل يساهم في إعادة توزيع الحرارة بين المناطق الاستوائية والعروض العليا، ما يجعله أحد المكونات المهمة في النظام المناخي للأرض.

لماذا ظل الفرق بين نصفي الكرة موجودًا؟

على الرغم من إزالة القارات، ظلت بعض الفروق المناخية بين نصفي الكرة الأرضية موجودة في نموذج BATHY.

ويرتبط ذلك، وفق الباحثين، باستمرار وجود AMOC، وإن كانت اللامساواة المناخية بين نصفي الكرة الأرضية أقل بكثير من تلك الموجودة في الأرض الحقيقية.

وقال وانج إن استمرار هذا الاختلاف المناخي في النموذج الافتراضي يوضح أن تضاريس قاع المحيط والهندسة القارية تعملان معًا في تشكيل مناخ الأرض.

وبعبارة أخرى، يمكن لقاع المحيط أن يدعم جزءًا من البنية المناخية العالمية، لكن غياب القارات يؤدي في الوقت نفسه إلى تقليل بعض الفروق المناخية التي تميز الأرض الحالية.

سر المناخ في أعماق البحار

قاع المحيط ليس مجرد أرضية للمياه

تقدم الدراسة تصورًا مختلفًا لدور تضاريس قاع المحيط، فالقاع البحري لا يمثل سطحًا ثابتًا تقع فوقه المياه فحسب، بل يمكن أن يؤثر في حركة المياه العميقة والتيارات واسعة النطاق، ومن خلالها في كيفية انتقال الحرارة والطاقة بين أجزاء مختلفة من المحيط والكوكب.

وهذا التأثير يربط بصورة مباشرة بين الجيولوجيا تحت سطح البحر وديناميكيات المحيطات والغلاف الجوي.

وتشير النتائج كذلك إلى أن تضاريس قاع المحيط قادرة على الحفاظ على بعض الاختلافات المناخية بين نصفي الكرة الأرضية حتى في ظل غياب معظم اليابسة، وإن كانت هذه الاختلافات أضعف بكثير من الوضع الموجود على الأرض الحالية.

سر المناخ في أعماق البحار
سر المناخ في أعماق البحار

ماذا تعني النتائج للمناخ القديم والكواكب الأخرى؟

لا تقتصر أهمية الدراسة على تفسير النظام المناخي الحالي، ففهم الطريقة التي يؤثر بها شكل قاع المحيط في دوران المياه ونقل الحرارة يمكن أن يساعد في دراسة المناخات القديمة للأرض، عندما كانت أشكال القارات وتوزيع المحيطات مختلفين جذريًا عما هما عليه اليوم.

كما يمكن أن تساعد النتائج في دراسة الأجسام الكوكبية التي تحتوي على محيطات، خصوصًا العوالم المحيطية التي قد لا تمتلك قارات بالمعنى المعروف على الأرض.

وفي مثل هذه البيئات، قد يكون شكل قاع المحيط عاملًا مهمًا في تحديد حركة المياه وتوزيع الحرارة، حتى في غياب اليابسة الواسعة.

الخطوة التالية: فصل تأثير كل عنصر

يريد الباحثون في المرحلة المقبلة تحديد الآليات بصورة أكثر دقة، من خلال قياس تأثير الخصائص المختلفة لتضاريس قاع المحيط وتأثير شكل القارات كل على حدة.

فالدراسة الحالية تعاملت مع تضاريس الأرض بصورة منفصلة نسبيًا عن توزيع اليابسة، لكن المناخ الحقيقي ينتج عن تفاعل هذه المكونات مع الغلاف الجوي والمحيطات والجليد ودورات العناصر الكيميائية.

ويهدف الفريق إلى تحديد مقدار مساهمة الخصائص الفردية لقاع المحيط وشكل القارات في تنظيم دوران المحيطات والمناخ، بدلًا من التعامل مع التضاريس باعتبارها عاملًا واحدًا متكاملًا.

وقال وانج إن الهدف النهائي هو فهم كيفية تفاعل تضاريس قاع المحيط مع المكونات الأخرى لنظام الأرض في تشكيل المناخ العالمي.

وتضيف هذه النتائج بذلك طبقة جديدة إلى فهم العلماء للعلاقة بين أعماق المحيط والمناخ: فحتى في عالم افتراضي تكاد تختفي منه القارات، يظل شكل قاع المحيط قادرًا على توجيه حركة المياه ونقل الحرارة والحفاظ على أجزاء مهمة من البنية المناخية للكوكب.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة