وجهات نظر

د.عبدالمنعم صدقي: قنبلة موقوتة في الأعماق.. مصير غامض لـ200 ألف برميل من النفايات النووية

أستاذ بمركز البحوث الزراعية

في أعماق سحيقة تتجاوز 4.7 كيلومتر تحت سطح المحيط الأطلسي، يرقد إرث نووي خطير يعود إلى حقبة القرن الماضي؛ إذ أُلقي أكثر من 200 ألف برميل من النفايات المشعة منخفضة النشاط في مياه شمال شرق الأطلسي بين عامي 1949 و1982.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن لجنة حماية البيئة البحرية لشمال شرق الأطلسي (OSPAR Commission – لجنة أوسبار) إلى أن عمليات الإغراق التاريخية هذه شملت نحو 150 ألف طن من المواد الملوثة، بإجمالي نشاط إشعاعي قُدّر بنحو 42.4 بيتابكريل، وذلك قبل أن تتدخل القواعد والقوانين الدولية بحزم لوقف هذه الممارسة المدمرة للبيئة في ثمانينيات القرن الماضي، حمايةً للنظام البيئي العالمي من أي كارثة بيئية محتملة على المدى الطويل.

بعثة علمية لكشف مصير النفايات النووية

وللكشف عن المصير الغامض لهذه النفايات وتقييم تداعياتها البيئية المتشعبة، عاد فريق بحثي متخصص من العلماء الفرنسيين في عام 2026 لدراسة المواقع، عبر مشروع دراسة النفايات النووية في الأعماق (Nuclear Ocean Dump Site Survey Monitoring – NODSSUM)، مستخدمين الغواصة المأهولة المتقدمة Nautile.

وقبل انطلاق هذه المهمة، أُجريت حملة استكشافية تمهيدية في عام 2025 بواسطة المركبة ذاتية التشغيل Ulyx، التي نجحت في تحديد مواقع آلاف البراميل ورسم خريطة دقيقة لها ضمن مساحة هائلة بلغت 14,500 كيلومتر مربع.

ومهّدت هذه النتائج الطريق لجمع عينات مباشرة من المياه والرواسب والكائنات القاعية، بما يوفر قاعدة بيانات واسعة للباحثين حول حالة هذه المواقع بعد عقود طويلة من إغراق النفايات.

براميل متآكلة وتسرب للنفايات المشعة

وأظهرت المشاهد التوثيقية تعرض بعض البراميل الحديدية لتآكل شديد وتصدعات أدت، بمرور الوقت، إلى تسرب جزء من محتوياتها المشعة إلى الرواسب والمياه المحيطة، مكونة بؤرًا بيئية محلية ذات نشاط إشعاعي ملحوظ.

وفي المقابل، تحولت براميل أخرى إلى موائل اصطناعية استعمرتها شقائق النعمان والإسفنجيات والقشريات والسرطانات، التي تكيفت مع البيئة المحيطة بها.

وتكشف هذه المفارقة عن تعقيد المشهد البيئي في أعماق المحيط؛ فوجود الكائنات البحرية حول الحاويات لا يعني بالضرورة غياب المخاطر الإشعاعية، وهو ما يدفع العلماء إلى دراسة التفاعلات بين النفايات المشعة والنظام البيئي المحيط بها على مدى زمني طويل.

براميل متآكلة وتسرب للنفايات المشعة
براميل متآكلة وتسرب للنفايات المشعة

الكوبالت-60 والنيوبيوم-94 تحت المجهر

وكشفت القياسات والتحاليل المخبرية عن وجود نظائر مشعة مرتبطة بهذه النفايات، من بينها الكوبالت-60 والنيوبيوم-94، مع تركّزها بصورة أكبر في محيط الحاويات المتآكلة، قبل أن تتراجع مستوياتها تدريجيًا مع الابتعاد عن مواقع البراميل.

ويولي العلماء اهتمامًا خاصًا بالتأثيرات البيولوجية المباشرة وغير المباشرة لهذه النظائر المشعة على الكائنات البحرية، إلى جانب دراسة كيفية انتقالها داخل النظام البيئي، وما إذا كانت قادرة على التراكم في الكائنات الحية والانتقال عبر السلسلة الغذائية إلى مستويات أعلى.

آلاف اللترات من المياه وعينات من الكائنات البحرية
آلاف اللترات من المياه وعينات من الكائنات البحرية

آلاف اللترات من المياه وعينات من الكائنات البحرية

ولتحليل هذه المخاطر البيئية وتقييم آثارها طويلة المدى، جُمعت آلاف لترات المياه وعشرات العينات من الأسماك والقشريات والكائنات القاعية، لإخضاعها للفحص في المختبرات المتخصصة.

وتستهدف هذه التحاليل تحديد مستويات النشاط الإشعاعي في البيئة المحيطة، وفهم كيفية توزع النظائر المشعة بين المياه والرواسب والكائنات الحية، بما يساعد الباحثين على تكوين صورة أكثر دقة عن مصير هذا الإرث النووي المدفون في أعماق الأطلسي.

الكوبالت-60 والنيوبيوم-94 تحت المجهر
الكوبالت-60 والنيوبيوم-94 تحت المجهر

وبعد عقود من إغراق هذه النفايات في قاع المحيط، تعيد الأبحاث الحالية فتح ملف بيئي ظل بعيدًا عن الأنظار لعقود، وسط مساعٍ علمية للإجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بمدى استمرار تأثير هذه النفايات، وكيف تتفاعل مع البيئة البحرية، وما إذا كانت المواد المشعة قد دخلت بالفعل في مسارات بيولوجية داخل النظام البيئي.

وتنتظر الأوساط العلمية نتائج التحاليل التفصيلية للعينات التي جُمعت خلال الحملات البحثية، والتي يمكن أن تقدم معلومات أكثر وضوحًا حول حالة هذه المواقع ومستقبلها البيئي، وتساعد على تقييم التداعيات طويلة المدى لهذا الإرث النووي على النظم البيئية في أعماق المحيط الأطلسي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة