وجهات نظر

د.ضحى عبد الحميد: مصر أمام مفترق طرق.. من إدارة الإصلاح إلى بناء التحول الاقتصادي

خبير دولي في السياسات الاقتصادية ومتابعة وتقييم التنمية

حين لا يكفي الإصلاح.. قراءة في المشهد المصري والعربي على مشارف حقبة جديدة

حين أعلن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في خطوة تستحق التأمل العميق، عن دعوته لعقد المؤتمر الاقتصادي الوطني، فإنه أرسى بذلك فرصة نادرة: فرصة للجلوس معًا، حكومةً وقطاعًا خاصًا ومجتمعًا مدنيًا وخبراء ومواطنين، لمراجعة المسار الاقتصادي بعيون مفتوحة ونقاش صريح وبنّاء.

ويأتي هذا المؤتمر في لحظة فارقة بامتياز. فمصر تقف اليوم عند مفترق دقيق: من جهة، رصيد من الإصلاحات الاقتصادية التي أرست استقرارًا ملحوظًا في الاقتصاد الكلي خلال السنوات الماضية؛ ومن جهة أخرى، ضغوط هيكلية متراكمة تفرضها بيئة عالمية لم تعد تشبه ما ألفناه.

وهذا المقال يُقدَّم إسهامًا متواضعًا في تغذية النقاش المرتقب بمؤتمر اقتصادي وطني كهذا، إيمانًا بأن الفارق الجوهري بين النجاح والإخفاق في هذه المرحلة يبدأ من سؤال تأسيسي واحد: هل نحن بصدد إصلاح أم بصدد تحول حقيقي في معناه ومكنونه؟

فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد نوع الأدوات التي نصممها، وطريقة اتخاذ القرار، وحجم التغيير الذي نُهيئ أنفسنا وطنيًا لإنجازه.

أولًا: عن فارق لا يجوز الاستهانة به.. الإصلاح ليس التحول

لعقود متتالية، آمنا بالإصلاح. أصلحنا المنظومات الضريبية، وحررنا أسعار الصرف، وأعدنا هيكلة الدعم، وضغطنا ميزانيات القطاع العام، وأطلقنا برامج خصخصة بوعود مضيئة. وكلما واجهنا أزمة، سارعنا إلى «حزمة إصلاح» جديدة تُطرح على موائد المانحين الدوليين، وتُقدَّم للرأي العام الداخلي بوصفها «الحل».

غير أن ثمة سؤالًا جوهريًا ظل معلقًا دون إجابة شافية: ماذا يحدث حين تُصلح منظومة عميقة الخلل في بيئة بالغة التعقيد؟

والإجابة، ببساطة موجعة، هي أنك تحصل على منظومة أقل اختلالًا، لكنها لا تزال عاجزة عن مواجهة ما لم يُتخيَّل بعد.

الفارق الجوهري بين الإصلاح والتحول ليس فارقًا في الدرجة، بل في الطبيعة:

  • الإصلاح يعمل داخل الإطار القائم؛ يعدّله، ويحسّنه، ويرمّمه. منطقه خطي، وأفقه معتدل، وفرضيتُه الضمنية أن الهياكل الأساسية سليمة وتحتاج فقط إلى ضبط.
  • التحول يعيد رسم الإطار ذاته؛ يغير القواعد الحاكمة، ويعيد توزيع القوى والمعرفة والموارد، وينتج منطقًا جديدًا للعمل الجمعي. والتحول لا يسأل: «كيف نُصلح ما هو قائم؟»، بل يسأل سؤالًا فلسفيًا عن: «ما الذي يجب أن يكون قائمًا أصلًا؟».

هذا الفارق لم يكن ترفًا فكريًا في زمن الاستقرار النسبي. أما اليوم، في زمن الأزمة المركبة (Polycrisis)، فهو مسألة وجود.

والمؤتمر الاقتصادي الوطني يمثل فرصة لأن يقرر صانعو القرار والمعنيون بوضوح أي المسارين يختارون، مع إدراك كامل لما يترتب على كل اختيار.

ثانيًا: ما الذي غيّر كل شيء؟.. فهم الأزمة المركبة وتداعياتها على المنطقة

لم يعد العالم يواجه أزمات متتالية يمكن معالجتها واحدة تلو الأخرى. ما نشهده هو تشابك أزمات متزامنة ومتفاعلة لا يمكن فصل أسبابها عن نتائجها: تغير مناخي يفاقم هشاشة الأمن الغذائي، وصدمات جيوسياسية تعيد رسم سلاسل الإمداد، وتحولات تكنولوجية تفكك نماذج العمل التقليدية، وتصدعات في منظومة الحوكمة العالمية كان يُفترض فيها الصمود.

وفي المنطقة العربية، تتضافر هذه الضغوط العالمية مع تحديات هيكلية محلية عميقة الجذور.

على الصعيد الجيوسياسي: تعيش المنطقة مرحلة إعادة تشكل استراتيجية حادة. والتراجع النسبي للنفوذ الأمريكي، وتصاعد الحضور الروسي والصيني، وحروب الوكالة التي لا تُعلن رسميًا، وإعادة رسم التحالفات الإقليمية في أعقاب أحداث سوريا والسودان وليبيا واليمن؛ كلها تنتج بيئة استراتيجية لا تستقيم فيها المعادلات القديمة.

على الصعيد الاقتصادي: تواجه منطقة يعتمد جزء كبير من اقتصاداتها على موارد ريعية، نفطية أو سياحية أو تحويلات المهاجرين، صدمات الطلب العالمي وتحولات سلاسل القيمة. كما أن الفجوة بين التطلعات الديموغرافية للشباب العربي ومتطلبات سوق العمل الرقمي باتت هوة لا تجسرها برامج التشغيل التقليدية.

على الصعيد الاجتماعي: يتآكل رأس المال الاجتماعي جراء عقود من التوتر والتهميش وغياب عدالة التوزيع. والمجتمعات التي لم تُوفَّر لها فرصة المشاركة الحقيقية في صياغة العقد الاجتماعي لا تستطيع أن تشكل طاقة تحول، بل قد تنتج مقاومة أو انسحابًا.

وفي هذا المشهد البالغ التعقيد، يصبح الإصلاح، مهما بلغت جديته، أشبه بإصلاح قارب يصارع العاصفة، بينما يحتاج القارب إلى إعادة تصميم من الأساس قبل الإبحار.

ثالثًا: لماذا التحول؟.. وما الذي يغيره فعلًا؟

إن المنطق الاقتصادي والسياساتي التقليدي يعمل بفرضية العالم المستقر: البيانات تعكس الواقع، والنماذج تتنبأ باتجاهات معقولة تبني على معطيات ماضٍ مضى، والسياسات تُنفَّذ في بيئة يمكن التحكم في معاملاتها الرئيسية.

بيد أن الأزمة المركبة تنقض هذه الفرضية جذريًا.

وفي عالم اللاخطية والتضخيم غير المتوقع، نحتاج إلى برامج تحول لأسباب موضوعية عديدة، يجدر أن يضعها المؤتمر الاقتصادي الوطني في صلب نقاشاته:

أولًا: الإصلاح يعظم كفاءة منظومة قد تكون هي ذاتها المشكلة.

حين تعمل هياكل الاقتصاد السياسي القائمة لصالح فئات محدودة، وتثبط الابتكار، وتضعف المرونة، فإن تحسين أداء هذه الهياكل لا يحل الأزمة، بل قد يعمقها.

ثانيًا: التحول يغير قواعد توزيع القوى والمعرفة.

برامج التحول الفعلية تعيد رسم من يقرر، ومن يعلم، ومن يستفيد. وهي ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل عقود اجتماعية جديدة يُعاد التفاوض عليها بصورة سلمية وبنّاءة.

ثالثًا: التحول يبني المرونة (Resilience)، لا الكفاءة الهشة.

قد تنتج برامج الإصلاح اقتصادات أكثر كفاءة في الظروف الطبيعية، لكنها أشد هشاشة في أوقات الصدمة. أما التحول فيصنع منظومات تستطيع الامتصاص والتكيف والتعلم تحت الضغط.

رابعًا: التحول يستدعي إعادة رسم العلاقة مع المعرفة.

لا يمكن تحقيق التحول بالاستعارة النمطية من نماذج دولية مقولبة. فالمشهد المحلي، بتاريخه وتعقيداته وبنيته المؤسسية الخاصة، يستوجب بناء معرفة داخلية قادرة على توليد حلول لا تستورد مشكلات جديدة.

رابعًا: أسس برامج التحول.. على ماذا نبني؟

إن تجارب التحول الناجحة، وقد تابعنا منها ما يكفي في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض التجارب الأفريقية الصاعدة، تشترك في أسس جوهرية يجب أن تشكل نقطة انطلاقنا، وأن تؤطر ضمن توصيات المؤتمر الاقتصادي الوطني المقبل:

1. التحول المنطلق من رؤية سيادية للمستقبل، لا من ضغط خارجي

برامج التحول التي تنبثق من ضغط دائنين أو اشتراطات مؤسسية دولية تحمل في طياتها بذور فشلها. أما الرؤية التحولية الفاعلة فتنـبع من داخل المجتمع، من تشخيصه لحالته ومن طموحه الجمعي لمستقبله.

وهذا لا يعني رفض الشراكة الدولية، بل يعني أن تكون هذه الشراكة خادمة لأجندة وطنية لا مُشكِّلة لها.

وهذا تحديدًا ما يجعل من المؤتمر الاقتصادي الوطني، بطبيعته الوطنية الجامعة، إطارًا ملائمًا لإنتاج هذه الرؤية السيادية.

2. الاقتصاد السياسي في صميم التصميم

أكثر برامج الإصلاح فشلًا كانت صحيحة من الناحية التقنية، لكنها ساذجة من الناحية السياسية.

وأي برنامج تحول جاد يجب أن يبدأ بتحليل دقيق للتوازنات والتحالفات والمقاومات المتوقعة، وأن يصمم مسارات لإدارة هذه الديناميكيات، لا لتجاهلها.

3. بناء الدولة والسوق معًا، لا أحدهما على حساب الآخر

كان خطأ حقبة تسعينيات القرن الماضي افتراض أن إضعاف الدولة يقوي السوق. وأثبتت التجربة أن الأسواق الفاعلة تحتاج إلى دولة قوية وكفؤة وعادلة.

والتحول الحقيقي يبني القدرات المؤسسية للدولة، ويطور في آن واحد بيئة أعمال تحرر الطاقة الإنتاجية للقطاع الخاص.

4. المواطن شريك في صنع القرار، لا متلقٍ لنتائجه

التحول الاجتماعي المستدام لا يُفرض من القمة، ولا يُصاغ خلف أبواب موصدة.

وبرامج التحول الفاعلة تعيد توزيع الوكالة (Agency) توزيعًا حقيقيًا، فتمكّن المجتمعات المحلية والنساء والشباب والمناطق المهمشة من المشاركة الفعلية في تشخيص المشكلات وصياغة الحلول واتخاذ القرار، لا فقط في الاستفادة من ثمار التغيير بعد اكتماله.

وصوت المواطن في هذا السياق ليس مطلبًا احتجاجيًا، بل مورد معرفي لا غنى عنه. فالمواطن الذي يعيش الأزمة يدرك تفاصيلها بما لا تستطيع لجان الخبراء إدراكه من بُعد.

ومن ثم، فإن آليات الاستماع المنظم، من حوارات مجتمعية ميدانية، ومنصات تشاور مفتوحة، وبحوث اجتماعية معمقة، وآليات شكاوى وتغذية راجعة، ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل أدوات سياساتية ضرورية لضمان أن يعالج التحول المشكلات الحقيقية بالأدوات الملائمة.

وهو ما يمكن للمؤتمر الاقتصادي الوطني أن يرسخه كمبدأ مؤسسي ثابت يحكم العمل بموجبه في مراحل التخطيط والتنفيذ والمتابعة على حد سواء.

5. إدارة التحول بمنطق المنظومات المعقدة

لا يمكن تخطيط التحول بالمنطق الخطي التقليدي.

وبرامج التحول الفعلية تعمل بأفق استراتيجي بعيد المدى، وآليات تنفيذ مرنة قابلة للتكيف (Adaptive Management)، وتراقب المؤشرات المبكرة، وتتعلم من التجربة، وتعدل مسارها باستمرار بناءً على دلائل ومعلومات متاحة ولحظية وشفافة، تمكن من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

خامسًا: حسابات المخاطر وسيناريوهات اللامعقول.. حين يصير المستحيل احتمالًا

ربما يكون أكثر ما يميز عقلية التحول الاستباقي عن التفكير الإصلاحي التقليدي هو موقفها من المخاطر.

في الإطار الكلاسيكي، يُدار الخطر بتحديده وقياسه والتحوط منه. أما في زمن الأزمة المركبة، فكثير من المخاطر الجوهرية لا يمكن قياسها، بل يمكن فقط تخيلها.

ومن ثم، فإن إدراج هذه السيناريوهات في أجندة المؤتمر الاقتصادي الوطني ليس تشاؤمًا، بل هو واجب واضعي السياسات الرشيدة.

سيناريوهات اللامعقول التي باتت محتملة

السيناريو الأول: إعادة رسم خرائط التجارة العالمية

تصور حالة تنقطع فيها سلاسل الإمداد العالمية بصورة شبه دائمة، وتتشكّل كتل تجارية إقليمية مغلقة نسبيًا.

ومنطقة تعتمد على الاستيراد في الغذاء والطاقة والتكنولوجيا، كمصر، تواجه حينئذ أزمة هيكلية، لا مجرد أزمة في ميزان المدفوعات يمكن معالجتها بتعديل سعر الصرف.

السيناريو الثاني: انهيار المنظومة المالية الدولية للمعونة والإقراض

حين تتصاعد مديونية الدول النامية إلى مستويات ضاغطة، وتتباين مصالح الدائنين الغربيين والآسيويين، وتتـفكك الأطر متعددة الأطراف، تجد الدول التي بنت استراتيجياتها على سهولة الوصول إلى التمويل الخارجي نفسها في مواجهة فراغ لم تعدّ له بدائل ذاتية.

السيناريو الثالث: الانهيار المناخي المتسارع

إن سيناريو الاضطراب المناخي الحاد في منطقة بالغة الحساسية، بما تشمله من منخفضات ساحلية وشح في المياه وضغط غذائي وموجات نزوح داخلية، لا يمثل حوادث منفصلة، بل موجات صدمة متراكمة قد تتجاوز قدرة الدولة على الاستيعاب، إن لم تكن قد بنت مرونتها مسبقًا.

السيناريو الرابع: الفجوة التكنولوجية المتسعة

في غضون عقد، سيعيد الذكاء الاصطناعي والأتمتة والاقتصاد الرقمي رسم أسواق العمل بصورة جذرية.

والمجتمعات التي لم تحول منظومات تعليمها وإنتاجها المعرفي وبنيتها التكنولوجية قد تجد نفسها خارج دائرة الاقتصاد العالمي، لا على هامشه.

كيف ندمج هذه السيناريوهات في برامجنا؟

تدرج المقاربة التحولية هذه السيناريوهات في صلب عملية التخطيط من خلال:

  • التخطيط بالسيناريوهات (Scenario Planning) بوصفه أداة استراتيجية راسخة، لا تمرينًا أكاديميًا.
  • بناء محافظ سياساتية تحتفظ بمرونة الاستجابة لمسارات متعددة في آن واحد.
  • الاستثمار في احتياطيات المرونة، غذائية وطاقية ومؤسسية، بوصفها أولوية استراتيجية لا ترفًا.
  • مأسسة الاستبصار الاستراتيجي (Strategic Foresight) في قلب منظمات التخطيط الوطني، بحيث لا يُترك استشراف المستقبل لأكاديميين مستقلين، بل يصبح وظيفة حكومية راسخة.

سادسًا: مصر في مفترق الطريق.. ما لا يتحمل التأخير

مصر تحتل موقعًا مثيرًا للاهتمام في هذا المشهد: جمهورية عتيدة، يتجاوز عدد سكانها مئة وعشرة ملايين نسمة، ولها تاريخ دولة مؤسسية راسخ يمتد آلاف السنين، وموقع جيوسياسي استراتيجي لا مثيل له.

لكنها في الوقت ذاته دولة تثقلها ديون متراكمة، وفجوة إنتاجية، وضغط ديموغرافي، وتبعية غذائية، وهشاشة مناخية ساحلية.

وبرامج الإصلاح التي تبنتها مصر منذ عام 2016 أنجزت، وفق قراءة الكاتبة، استقرارًا ملحوظًا في الاقتصاد الكلي لا يُستهان به، وأوجدت بيئة أعمال أكثر جذبًا للاستثمار.

غير أن استقرار الاقتصاد الكلي، وإن كان ضروريًا، فهو بالتأكيد غير كافٍ.

وما يحتاجه المؤتمر الاقتصادي الوطني أن يُقره صراحة هو: مصر في حاجة إلى قفزة نوعية من إدارة الاستقرار في الاقتصاد الكلي إلى بناء التحول على المستويات الاقتصادية كافة.

فما الذي لا يتحمل التأخير؟

أولًا: التحول في منظومة الإنتاج المعرفي والتعليم العالي

لا يمكن لاقتصاد يطمح إلى التنافسية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين أن يعتمد على منظومة تعليمية مصممة لتأهيل موظفي قطاع عام في النصف الثاني من القرن الماضي.

والتحول هنا عاجل ومكلف، لكن تكلفة تأجيله أعلى بما لا يقاس.

ثانيًا: بناء سيادة غذائية وطاقية حقيقية

الأمن الغذائي ليس معادلة دعم ورغيف خبز.

إنه منظومة متكاملة تشمل الاستثمار الزراعي، وتطوير منظومة المياه، وتنويع مصادر الغذاء الاستراتيجية، وبناء احتياطيات استراتيجية، والتحول نحو نماذج إنتاج غذائي أكثر ملاءمة للواقع المناخي المتغير.

وبالمثل، فإن الأمن الطاقي يستدعي استراتيجية طاقة متكاملة توازن بين مصادر الطاقة المتجددة والتقليدية بما يخدم الاحتياجات الوطنية على المدى البعيد.

ثالثًا: التحول الرقمي بوصفه إعادة هيكلة مؤسسية، لا مجرد رقمنة خدمات

الحكومة الرقمية الحقيقية ليست بوابات إلكترونية، بل هي إعادة تصميم لكيفية صنع القرار، وتوزيع الموارد، ومساءلة الأجهزة العامة.

رابعًا: بناء القدرة المؤسسية على التحول الاجتماعي التشاركي وتوسيع قنوات الاستماع للمواطن

التوسع في الحماية الاجتماعية، وهو ما تشهده مصر بالفعل، مهم وضروري، لكنه يجب أن يترافق مع بناء قدرة المجتمع على الوكالة الحقيقية، وليس فقط على الاستقبال.

وهذا يعني الاستثمار في آليات مشاركة مواطنية منهجية تمتد من مستوى السياسات الكبرى إلى التخطيط المحلي في المحافظات والمجتمعات الأصغر.

المواطن المُشرَك في تصميم السياسة يستثمر في نجاحها؛ أما المواطن الذي يكتشف السياسة حين يستلم نتائجها، فهو في أفضل الأحوال متقبل لها وليس شريكًا في تحقيقها.

والفارق في درجة الالتزام والمساندة الشعبية لمسيرة التحول بين الحالتين فارق جوهري لا يجوز الاستهانة به.

خامسًا: مأسسة التقييم الوطني المستقل

لا يمكن لأي برنامج تحول أن ينجح دون منظومة تقييم وطنية مستقلة وذات مصداقية، تقيس الأثر الحقيقي، وتوثق الدروس المستفادة، وتغذي دورات السياسة العامة بمعرفة موضوعية.

وهذا ليس ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة حوكمية لا تقبل التأجيل.

سابعًا: التوصيات الأساسية.. خارطة طريق للتحول في زمن الأزمة المركبة

استنادًا إلى ما سبق، تتشكل خمس توصيات جوهرية يُقترح أن تؤطر مخرجات المؤتمر الاقتصادي الوطني:

التوصية الأولى: إنشاء مركز وطني للاستبصار الاستراتيجي والتحول

تكون مهمته الدائمة بناء سيناريوهات المستقبل، وتقييم مدى تكيف السياسات الحالية مع مسارات متعددة، واقتراح التعديلات التحولية المطلوبة.

ويُضم إليه اقتصاديون، ومتخصصون في الدراسات الاستراتيجية، وعلماء بيئة، وخبراء في متابعة الاتجاهات الاجتماعية، وممثلون عن القطاع الخاص والمجتمع المدني، في تنسيق وثيق مع أجهزة الدولة المعنية.

التوصية الثانية: إعادة ترميم وبناء العقد الاجتماعي على أسس الاستحقاق المواطني والمشاركة الفعلية في صنع القرار

التحول الحقيقي نحو نموذج تمكين اقتصادي يعيد توزيع الفرص، لا فقط توزيع المنافع، وينتج مجتمعًا منتجًا مشاركًا، لا مجتمعًا منتظرًا.

ويقتضي ذلك تصميم آليات مؤسسية دائمة تستطيع استيعاب صوت المواطن ودمجه في دورة السياسة العامة بصورة منهجية لا عرضية: مجالس تشاور محلية فاعلة، وبيانات تشاركية مولدة مجتمعيًا، ومنصات مساءلة مفتوحة تتيح للمواطن متابعة التزامات التحول والحكم على مدى تحققها.

وهذه الآليات لا تعزز الشرعية فحسب، بل تضخ في المنظومة معرفة لا تستطيع الأجهزة المركزية إنتاجها بمفردها.

التوصية الثالثة: تبني مبدأ «الاستعداد للاحتمال السيئ» في جميع أطر الموازنة والتخطيط

وذلك من خلال إدراج احتياطيات وطنية مصممة مسبقًا للصدمات الكبرى، وتصميم برامج إنفاق بمرونة اتجاهية تستطيع الانكماش والتوسع حسب المشهد.

التوصية الرابعة: بناء شراكات استراتيجية إقليمية للتحول المشترك

إن الاندماج الاقتصادي العربي الحقيقي، لا الشراكات التجارية الرسمية الهشة، ينتج حجمًا اقتصاديًا وتنوعًا يمكّنان من مواجهة الصدمات الخارجية بأدوات أكثر فاعلية مما تستطيع أي دولة منفردة.

التوصية الخامسة: الاستثمار في التقييم الوطني بوصفه عمود فقرة حوكمة التحول

لا تحول مستدامًا دون نظام وطني للتقييم يوفر المعرفة اللازمة لتصحيح المسار في الوقت المناسب، ويعزز المساءلة، ويوثق الدروس المستفادة لصالح الأجيال القادمة.

خاتمة: نحو نظرية استباقية.. الحكمة في مواجهة الغموض

ثمة حكمة قديمة تقول إن أذكى الناس ليسوا من يعرفون الإجابات بيقين، بل من يعرفون أي الأسئلة يجب أن تُطرح أولًا.

والمؤتمر الاقتصادي الوطني الذي دعا إليه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي يمثل، بامتياز، لحظة لطرح الأسئلة الصحيحة.

فإن كان المؤتمر يطرح السؤال: «كيف نُصلح ما هو قائم؟»، فهو يؤدي دورًا مفيدًا ومهمًا.

وإن كان يجرؤ على طرح السؤال الأعمق: «ما الإطار الذي يجب أن يكون قائمًا؟»، فإنه يؤسس لمرحلة تاريخية مختلفة بمعنى الكلمة.

وفي هذا الزمن الذي يتشابك فيه الغموض مع التسارع، ويلتقي فيه اللامعقول بالمحتمل، فإن الحكمة السياساتية ليست في استقراء الماضي لاستشراف المستقبل؛ لأن الماضي لم يعد دليلًا كافيًا.

الحكمة هي في بناء المنظومات التي تستطيع التعلم والتكيف والصمود في مواجهة ما لم يُتخيَّل بعد.

مصر، بثقلها التاريخي وحيويتها البشرية وموقعها الاستراتيجي، تمتلك ما يلزم لاحتلال موقع الريادة في حقبة التحول الإقليمي.

لكن هذا الموقع لن يُمنح، بل يُبنى.

يُبنى بجرأة الرؤية، وعمق التشخيص، وصبر البناء المؤسسي، وشجاعة مصارحة الذات.

إن التحول ليس ترفًا فكريًا في زمن الأزمات. هو الحد الفاصل بين مجتمع يتشكل مستقبله بإرادته، ومجتمع يُشكَّل مستقبله على يد غيره.

ونسأل الله أن يوفق المؤتمر الاقتصادي الوطني في اتخاذ الخيارات الشجاعة التي تستوجبها هذه المرحلة؛ فالتاريخ لا ينتظر، والفرصة التي لا تُؤخذ في وقتها نادرًا ما تعود.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة