أخبارتغير المناخصحة الكوكب

الحرارة الشديدة تهدد 2.4 مليار عامل.. كيف تحاول الشركات إنقاذ قوة العمل من «جحيم المناخ»؟

2.4 تريليون دولار خسائر متوقعة بحلول 2030.. العمل تحت الشمس لم يعد مجرد مشقة

لم تعد الحرارة الشديدة مجرد ظاهرة مناخية مزعجة، بل تتحول بسرعة إلى خطر مباشر على صحة العمال وإنتاجيتهم واستمرارية الأعمال، مع اتساع نطاق التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة في مختلف أنحاء العالم.

ويتعرض أكثر من 2.4 مليار عامل، أي أكثر من 70% من قوة العمل العالمية، للحرارة المفرطة أثناء العمل، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2024.

ومع اتجاه عام 2026 لأن يكون العام الأكثر حرارة على الإطلاق، وفق التقديرات المشار إليها في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، يتزايد خطر ظروف العمل التي تتجاوز مجرد تراجع التركيز والإنتاجية، لتصل إلى الإصابات والوفيات.

وتربط منظمة العمل الدولية التعرض المفرط للحرارة بنحو 19 ألف وفاة للعمال وما يقرب من 23 مليون إصابة سنويًا.

ولا تقتصر المشكلة على العاملين في الهواء الطلق؛ فعمال البناء والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية والتعدين هم الأكثر تعرضًا، لكن حتى العاملين داخل المكاتب قد يتأثرون بالحرارة أثناء التنقل أو في منازلهم، بينما يمكن أن يؤدي اضطراب النوم الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الضغط والإجهاد خلال يوم العمل.

اقتصاديًا، من المتوقع أن تتسبب الحرارة الشديدة في خسائر سنوية للإنتاجية تصل إلى 2.4 تريليون دولار بحلول 2030.

ورغم إدراك 80% من الشركات التي شملها استطلاع أجرته مجموعة بوسطن الاستشارية لصالح المنتدى الاقتصادي العالمي أن الحرارة الشديدة تمثل تهديدًا للأعمال، فإن الانتقال من الاعتراف بالخطر إلى تنفيذ حلول عملية لا يزال بطيئًا.

نصف الشركات لم تبدأ تقييم المخاطر بصورة منهجية

مخاطر الحرارة الشديدة
الحرارة الشديدة تشوش التفكير.. كيف تؤثر موجات الحر على الذاكرة والتركيز؟

يكشف تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان «تسريع مرونة قوة العمل أمام الحرارة: إطار عملي لسد فجوة التنفيذ» أن نحو 50% من الشركات في مختلف المناطق والقطاعات الرئيسية لم تبدأ بعد تقييمًا منهجيًا لمخاطر الحرارة التي تواجه قوتها العاملة وسلاسل القيمة الخاصة بها.

وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة الشركات التي اختبرت تدخلات عملية لمواجهة الحرارة 28%.
وتتراوح العقبات بين صعوبة قياس التكلفة المالية للحرارة، وعدم وضوح الجهة المسؤولة عن الملف داخل الشركات، إلى القيود الفنية ونقص الموارد.

لكن مجموعة من الشركات بدأت بالفعل في تجربة حلول مختلفة، تكشف أن حماية العمال من الحرارة لا تتطلب إجراءً واحدًا يناسب الجميع، وإنما تدخلات مصممة وفق طبيعة العمل ومكانه ومستوى التعرض.

ماهيندرا الهندية.. تحديد مخاطر كل فئة من العمال

موجات الحرارة
دراسة تحذر من تضاعف حالات دخول المستشفيات بسبب الحر في أمريكا بحلول 2040

اعتمدت مجموعة ماهيندرا الهندية، التي توظف أكثر من 320 ألف عامل في أكثر من 100 دولة، نهجًا يدمج التكيف المناخي داخل استراتيجية أعمالها الأساسية.

وتنطلق الشركة من حقيقة أن العمال لا يتعرضون للحرارة بالطريقة نفسها، ولذلك قسمت قوة العمل إلى ثلاث فئات رئيسية.

الفئة الأولى هي العمال في الهواء الطلق، مثل المزارعين وحراس الأمن وعمال التوصيل، وهم الأكثر تعرضًا للحرارة.

أما الفئة الثانية فتضم العمال داخل المنشآت، الذين قد يواجهون ظروفًا حرارية قاسية عند العمل في أماكن مغلقة أو غير مكيفة.

وتشمل الفئة الثالثة العمال الميدانيين المتنقلين، مثل العاملين في البناء والخدمات اللوجستية، الذين ينتقلون خلال اليوم بين البيئات الداخلية والخارجية، وبالتالي تتغير مستويات تعرضهم باستمرار.

وبالاعتماد على مقابلات مع العمال وأصحاب المصلحة داخل المواقع والإدارات المختلفة، تعمل ماهيندرا على تحديد الاحتياجات الفعلية لكل مجموعة، وبناء نظام متعدد المستويات يشمل الحوكمة وخطط التعامل مع الحرارة وعمليات التدقيق والحلول الوقائية.

وتتضمن الإجراءات المادية طلاءات عاكسة للحرارة، وعزل الأسطح، وتحسين التهوية، إلى جانب حلول طبيعية مثل زيادة الغطاء الشجري وإنشاء عناصر مائية في بعض المواقع.

كما جرى تعديل مواعيد الورديات لتجنب فترات ارتفاع الحرارة، وإدخال محطات متنقلة للمياه، وتوفير الملابس ومعدات الحماية عند الحاجة.

جينجدونج لوجستكس.. حماية العاملين في الخطوط الأمامية

الحرارة الشديدة

في الصين، طورت شركة JINGDONG Logistics إجراءات مخصصة للعاملين في الخطوط الأمامية، خصوصًا سائقي التوصيل وعمال مراكز الفرز والمواقع الخارجية.

وتوفر الشركة في محطات التوصيل ومراكز الفرز وغيرها من مواقع العمل منتجات للوقاية من الحرارة، تشمل المثلجات والمشروبات الباردة وغيرها من المستلزمات.

كما يحصل السائقون وعمال التوصيل على ما يعرف بـ”حقائب التبريد”، التي تحتوي على أكمام تبريد، وقبعات واقية من الشمس، ومستلزمات إعادة الترطيب والإسعافات الأولية.

ولا تقتصر الإجراءات على توفير مستلزمات التبريد، إذ تشمل أيضًا تدريبًا على الصحة والسلامة وجلسات إرشاد جماعية لمساعدة العاملين على التعامل مع درجات الحرارة المرتفعة، والتعرف المبكر على أعراض الإجهاد الحراري، وتفعيل إجراءات الطوارئ في الحالات الخطرة مثل ضربة الشمس.

وخصصت الشركة 100 مليون يوان صيني، أي نحو 15 مليون دولار، لخطة الحماية الصيفية لسائقي التوصيل.

وتتضمن الخطة بدلًا متغيرًا لمواجهة الحرارة خلال الفترة من أبريل إلى أكتوبر، مع تحديد قيمته وفق درجات الحرارة في كل منطقة.

وعند حدوث ظروف جوية شديدة، يتم تعليق عمليات التوصيل مع تطبيق إجراءات حماية تهدف إلى تحقيق توازن بين سلامة السائقين واستقرار دخولهم.

تيرنر للإنشاءات.. الحرارة تصل إلى داخل جسم العامل

في الولايات المتحدة، تعاونت شركة Turner Construction، إحدى أكبر شركات الإنشاءات، مع منظمة La Isla Network غير الربحية لفهم تأثير الحرارة على عمال البناء واختبار التدخلات المناسبة.

وخلال دراسة تجريبية، جرى قياس درجات حرارة الجسم الأساسية لعمال يقضون ربع يوم عملهم على الأقل خارج الأماكن الخاضعة للتحكم المناخي.

وكشفت النتائج أن نحو اثنين من كل خمسة عمال وصلت درجة حرارة أجسامهم الأساسية إلى أكثر من 38 درجة مئوية، بينما وصل عدد كبير منهم إلى مواقع العمل وهم يعانون من الجفاف.

وتستخدم الشركة حاليًا أجهزة قابلة للارتداء لقياس مدى فعالية مجموعة من إجراءات الحماية، بينها خيام الظل المؤقتة، ومحطات التبريد المكيفة، وخيام مخصصة لتناول الغداء، ومثلجات تحتوي على الإلكتروليتات.

كما يجري تعديل العمليات التشغيلية لتجنب ساعات الذروة الحرارية، وتشجيع العمال على شرب المياه، وتعزيز الوعي بمخاطر الإجهاد الحراري.

وتكشف هذه التجربة أهمية الانتقال من قياس درجة حرارة الهواء فقط إلى فهم ما يحدث فعليًا داخل جسم العامل أثناء أداء المهمة.

باير.. الحماية تمتد إلى سلسلة الإمداد

أما شركة Bayer العالمية المتخصصة في علوم الحياة، فتتبنى نهجًا أكثر اتساعًا لإدارة مخاطر الحرارة، لا يقتصر على العمال داخل منشآتها.

وتطبق الشركة نظامًا موحدًا لإدارة مخاطر الحرارة في أكثر من 300 موقع نشط حول العالم.

وبحسب التقرير، ساهم النظام في خفض الحوادث المرتبطة بالحرارة في أمريكا الشمالية بنسبة 20%، مع توفير يقدر بنحو 3 آلاف دولار من تكاليف الرعاية الطبية وفقدان وقت العمل مقابل كل مطالبة تم تجنبها.

لكن باير توسع نطاق الحماية إلى ما بعد قوتها العاملة المباشرة، لتصل إلى العاملين في مراحل لاحقة من سلسلة القيمة.

وفي الهند، تركز الشركة على صغار المزارعين الذين يمثلون جزءًا مهمًا من سلسلة القيمة الزراعية، ويواجهون بدورهم مخاطر مناخية متزايدة.

وتعمل باير على نقل بروتوكولات المرونة الحرارية التي تستخدمها إلى هؤلاء المزارعين، بهدف حماية صحتهم وإنتاجيتهم خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، وفي الوقت نفسه حماية استمرارية النشاط الزراعي وبناء علاقات أكثر قدرة على الصمود داخل سلاسل الإمداد.

الحرارة أصبحت قضية أعمال وليست طقسًا فقط

توضح هذه التجارب الأربع أن مخاطر الحرارة الشديدة لا يمكن التعامل معها من خلال حل واحد.

فالعامل الذي يقضي يومه في موقع بناء يحتاج إلى تدخلات مختلفة عن عامل التوصيل الذي ينتقل بين عشرات المواقع، أو المزارع الذي يعمل في الحقول، أو الموظف الذي يعمل داخل منشأة مغلقة.

ولهذا فإن بناء مرونة قوة العمل يبدأ بتحديد من يتعرض للخطر، ومتى وأين وكيف يحدث التعرض، ثم تصميم تدخلات تتناسب مع طبيعة العمل.

وتشير التجارب إلى مجموعة من الإجراءات التي يمكن دمجها، من تعديل ساعات العمل وتوفير المياه ومحطات التبريد، إلى تحسين التهوية والعزل، واستخدام الظل والأشجار، وتوفير الملابس الواقية، والتدريب، وأجهزة المراقبة القابلة للارتداء.

لكن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذه الإجراءات إلى جزء دائم من إدارة الأعمال، وليس استجابة مؤقتة لموجة حر.

لماذا لا يكفي الاعتراف بالخطر؟

المشكلة التي يكشفها التقرير ليست نقص المعرفة وحدها، فالشركات تعرف أن الحرارة تزداد خطورة، وتدرك أن العمال والإنتاجية وسلاسل الإمداد معرضون للتأثر.

لكن الانتقال من المعرفة إلى الاستثمار يتطلب القدرة على قياس المخاطر ماليًا، وتحديد المسؤولية داخل المؤسسة، وإثبات جدوى الإجراءات الوقائية.

وهنا تصبح البيانات أداة أساسية.
فإذا استطاعت الشركة معرفة عدد العمال المعرضين للخطر، ومواقع التعرض، وعدد ساعات العمل في درجات الحرارة المرتفعة، وتكلفة الإصابات والتوقفات وفقدان الإنتاجية، يصبح من الأسهل بناء مبرر اقتصادي للاستثمار في التكيف.

وتصبح المرونة عندها جزءًا من إدارة المخاطر وليس مجرد بند إضافي في ميزانية الاستدامة.

إطار من 7 خطوات لسد فجوة التنفيذ

ولمساعدة الشركات على الانتقال من الالتزامات العامة إلى الإجراءات، يقدم تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي خريطة طريق لمرونة قوة العمل أمام الحرارة تعتمد إطارًا عمليًا من سبع خطوات.

ويركز الإطار على تشخيص المخاطر عبر سلاسل القيمة، وتصميم حلول تتناسب مع ظروف كل موقع وفئة من العمال، ثم بناء القدرات اللازمة لاختبار هذه الحلول وتوسيع نطاقها ودمجها في العمليات اليومية.

الفكرة الأساسية هي أن المرونة لا تُبنى بقرار واحد، وإنما من خلال عملية مستمرة تبدأ من تحديد المخاطر وتنتهي بجعل الحماية جزءًا من طريقة تشغيل المؤسسة.

عصر الحرارة المتطرفة يفرض قواعد جديدة للعمل

مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، لم تعد حماية العمال من الحرارة قضية تخص قطاعات البناء والزراعة فقط.

إنها قضية تمتد إلى النقل واللوجستيات والتصنيع والتعدين والخدمات وحتى المكاتب، لأن تأثير الحرارة يمكن أن يبدأ قبل وصول العامل إلى موقع العمل، ويستمر بعد انتهاء ساعات العمل.

والرقم الأكثر دلالة هو أن أكثر من 2.4 مليار عامل معرضون بالفعل للحرارة المفرطة أثناء العمل.

وفي المقابل، يمكن أن تصل الخسائر الاقتصادية السنوية في الإنتاجية إلى 2.4 تريليون دولار بحلول 2030 إذا لم تتسارع إجراءات التكيف.

لذلك فإن الاستثمار في مرونة قوة العمل لا يتعلق فقط بحماية صحة العاملين، وإنما أيضًا بالحفاظ على الإنتاجية، وتقليل الإصابات، وحماية سلاسل الإمداد، وتقليل خسائر الأعمال، والاستعداد لعالم تصبح فيه الحرارة الشديدة أكثر حضورًا في الحياة الاقتصادية.

وتكشف تجارب ماهيندرا وجينغدونغ وتيرنر وباير أن الحلول موجودة بالفعل، لكن التحدي الأكبر هو توسيع نطاقها وتحويلها من تجارب منفصلة إلى أنظمة مؤسسية دائمة.

ففي عالم أكثر حرارة، لن يكون السؤال فقط: كيف نحافظ على استمرار العمل؟
بل سيكون أيضًا: كيف نعيد تصميم العمل نفسه ليصبح قادرًا على حماية الإنسان والإنتاج معًا؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة