د. رفعت جبر: من إسبانيا إلى الصين ومصر.. 3 نماذج تقود ثورة الطاقة النظيفة عالميًا
عضو المجلس الأعلى للثقافة- أستاذ التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
لم يعد التحول نحو الطاقة المتجددة مجرد رفاهية بيئية أو خيار ناعم لحماية الكوكب، بل تحول صريح إلى جوهر الأمن القومي والاقتصادي لدول العالم. وبينما ترتعد أسواق الوقود التقليدي تحت وطأة الضغوط الجيوسياسية والتغيرات المناخية، تخرج الطاقة النظيفة من أروقة التوقعات إلى ميدان التطبيق الفعلي، لتصنع خارطة طريق جديدة تقودها ثلاث نماذج استثنائية: إسبانيا، والصين، ومصر.
قفزة فيزياء الكم: فك شفرة الضوء
وما يجعل هذه الثورة أسرع مما تتخيله الحسابات التلقائية، هو ما شهده العلم مؤخرًا من اختراق غير مسبوق؛ إذ أعلن معهد ماكس بلانك للبصريات الكمومية في ألمانيا بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في الولايات المتحدة عن تمكن العلماء لأول مرة من رصد وتسجيل حركة الجسيمات ودقائق الضوء وهي تتحول إلى طاقة كهربائية خلال أجزاء من تريليون من الثانية.
هذا الكشف العلمي التاريخي لا يعيد فقط كتابة الفيزياء التطبيقية، بل يفتح الباب لتطوير خلايا شمسية فائقة الكفاءة تتجاوز حدود الهدر الحالي، لتتكامل قفزات المعامل مع تحركات الميدان.
-
إسبانيا: النموذج الأورو-متوسطي وإدارة الشبكات الذكية
تتجه إسبانيا بثبات نحو يوم تتوقف فيه محطات الوقود الأحفوري كليًا عن العمل. فبعد أن كانت الطاقة النظيفة تشكل جزءًا نفعيًا، أصبحت هي الأصل في مزيج الكهرباء الإسباني:
- صعود الأرقام القياسية: بلغت حصة الطاقة المتجددة 55.5% من إجمالي التوليد عام 2025 (وارتفعت إلى 56.6% مع احتساب أنظمة الاستهلاك الذاتي)، لتواصل نموها القياسي وتصل إلى 62.3% في شبه الجزيرة الإسبانية بحلول مايو 2026 وفق بيانات (Red Eléctrica).
- إدارة التحدي: تُدرك إسبانيا أن استمرار التوليد لا يعني استقرار الشبكة؛ فالشمس تغيب والرياح تهدأ. لذا تركز جهودها حاليًا على تقنيات تخزين الطاقة بالبطاريات، تعزيز الربط الكهربائي القاري، وإدارة الطلب الذكي لتحويل الساعات النظيفة المؤقتة إلى استقرار دائم على مدار 24 ساعة.
-
الصين: العملاق العالمي وقاطرة النمو الأخضر
لا تكتفي الصين باللحاق بركاب التحول الأخضر، بل تقود قطاره العالمي بمعدلات قياسية غير مسبوقة في تاريخ الصناعة:
- الهيمنة والسعة: تجاوزت القدرة المركبة للطاقة المتجددة في الصين حاجز 2.34 تراوات (TW)، لتبلغ حصة القدرة النظيفة أكثر من 52% من إجمالي قدرة الشبكة القومية.
- المحرك الاقتصادي: تحولت تكنولوجيا الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات إلى المحرك الأساسي للاقتصاد الصيني؛ إذ ساهم قطاع الطاقة النظيفة بأكثر من ثلث النمو الاقتصادي الإجمالي للبلاد باستثمارات تجاوزت تريليون دولار، مما يثبت أن الاستثمار الأخضر هو الأجدى اقتصاديًا.
-
مصر: مركز الشرق الأوسط وبوابة إفريقيا الخضراء
تستغل مصر موقعها الجغرافي الفريد وحزامها الشمسي الفائق لترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتصدير الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر:
- المشروعات العملاقة: تجاوزت القدرة المركبة للطاقات المتجددة في مصر 9.5 جيجاوات (GW)، مدعومة بواحد من أكبر مجمعات العالم الشمسي (مجمع بنبان بأسوان بقدرة 1465 ميجاوات)، ومحطات الرياح الضخمة بخليج السويس وجبل الزيت.
- حلول التخزين والمستقبل: لم تعد مصر تكتفي بالتوليد، بل أدرجت أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS) لرفع كفاءة الشبكة وتأمين تذبذب الإمدادات، مستهدفة الوصول بالقدرة النظيفة المركبة إلى 11.2 جيجاوات بصلب شبكتها القومية.
إن الربط المذهل بين القفزات المعملية—التي تلاحق حركة الجسيمات في أجزاء من تريليون من الثانية—وبين التجارب الجريئة في إسبانيا والصين ومصر، يعكس حقيقة لا تقبل الجدل: إننا لا نرقب مجرد تحول تدريجي في مصادر الطاقة، بل نشهد إعادة صياغة شاملة لأسس الحضارة الحديثة.
إن اللحظة التي ستُغلق فيها آخر محطة تعمل بالوقود الأحفوري لم تعد مجرد حلم مستقبلي، بل هي حقيقة قريبة تشكلها إرادة الدول التي أدركت أن السيادة الحقيقية تبدأ من السيطرة على طاقات الطبيعة الدائمة.





