أخبارالاقتصاد الأخضر

إفريقيا تمتلك 41 معدنًا للتحول الأخضر.. لكن معظمها يُصدَّر خامًا وقيمة مضافة محدودة

الصين تستحوذ على أكثر من 40% من صادرات الخامات الإفريقية.. لماذا لا تستفيد إفريقيا من ثرواتها

تعتمد تقنيات التحول الأخضر بدرجة كبيرة على المعادن، إذ تحتاج السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح وشبكات الكهرباء إلى الكوبالت والليثيوم والنحاس والمنجنيز والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة وغيرها.

وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن السيارات الكهربائية تحتاج إلى معادن تزيد بنحو 6 مرات على تلك التي تحتاج إليها السيارات العاملة بالبنزين أو الديزل، بينما تتطلب محطة طاقة الرياح نحو 9 أضعاف كمية المعادن التي تحتاج إليها محطة تعمل بالغاز.

ومع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، يفتح الطلب المتزايد على التقنيات الخضراء والمعادن اللازمة لتصنيعها فرصة أمام إفريقيا، التي تمتلك رواسب من عدد كبير من هذه المعادن.

لكن وجود المعادن في باطن الأرض لا يعني تلقائيًا نشوء صناعات محلية أو تحقيق مكاسب اقتصادية واسعة. فالدول النامية الغنية بالموارد المعدنية كثيرًا ما تواجه صعوبة في تحويل ثرواتها التعدينية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

إفريقيا تمتلك 41 معدنًا للتحول الأخضر

41 معدنًا للتحول الأخضر في إفريقيا

بحثت دراسة حديثة، كلف بها البنك الدولي، مدى تقدم الدول الإفريقية في تجاوز مرحلة استخراج المعادن اللازمة للتحول في مجال الطاقة، وصولًا إلى معالجتها وتكريرها وتصنيع المكونات التي تدخل في التقنيات الخضراء.

اعتمد الباحثون على أربعة محاور رئيسية؛ بدأوا بتحديد معادن التحول الأخضر الموجودة في كل دولة إفريقية، ثم حللوا بيانات التجارة لمعرفة الدول التي تصدر هذه المعادن والأسواق التي تستقبلها.

بعد ذلك، درسوا موقع الدول الإفريقية داخل سلاسل قيمة التكنولوجيا الخضراء، لمعرفة ما إذا كانت تكتفي باستخراج المعدن وتصديره خامًا، أو تقوم بمعالجته قبل بيعه، أو تصل إلى إنتاج منتج نهائي، مثل الألواح الشمسية، كما راجع الباحثون السياسات الوطنية والإقليمية المتعلقة بالتعدين والتصنيع.

وأظهرت الدراسة أن الدول الإفريقية تمتلك رواسب أو احتياطيات أو إنتاجًا لنحو 41 معدنًا تدخل في مجموعة واسعة من تقنيات التحول الأخضر، تشمل الطاقة الحيوية، وشبكات الكهرباء والبنية التحتية، والبطاريات وتخزين الطاقة، والسيارات الكهربائية، إلى جانب تقنيات احتجاز وتخزين الكربون.

وتدخل هذه المعادن أيضًا في صناعات خلايا الوقود والهيدروجين والطاقة الحرارية الأرضية والمضخات الحرارية والطاقة الكهرومائية والطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

ورغم هذا التنوع، لا تزال معظم الدول الإفريقية تصدر معادن التحول الأخضر في صورتها الخام أو بعد معالجة محدودة، بدلًا من تحويلها إلى مواد ذات قيمة أعلى أو مكونات صناعية أو منتجات نهائية.

وهذا يعني أن الوجود الإفريقي في الصناعات الخضراء التي تعتمد على هذه المعادن لا يزال محدودًا للغاية، وبالتالي لم تتحول الثروة المعدنية للقارة حتى الآن إلى مستويات مرتفعة من النشاط الصناعي أو وظائف ذات أجور مرتفعة أو زيادة واسعة في الدخول ومستويات المعيشة.

وتشير الدراسة إلى أن المؤسسات الوطنية والإقليمية بدأت اتخاذ خطوات لتغيير هذا الوضع، إلا أن معظم هذه المبادرات لا تزال في مراحلها المبكرة.

قوة معدنية جماعية وقيمة مضافة محدودة

إفريقيا تمتلك 41 معدنًا للتحول الأخضر

وجد الباحثون أن 48 دولة إفريقية تمتلك رواسب أو احتياطيات أو إنتاجًا لمعدن واحد على الأقل من معادن التحول الأخضر.

وتتصدر جنوب إفريقيا القارة من حيث تنوع هذه المعادن، إذ تمتلك 24 معدنًا من أصل 41، بينما تمتلك كل من نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية 14 معدنًا.

وعلى المستوى العالمي، تمتلك إفريقيا مجتمعة نحو 96% من احتياطيات معادن مجموعة البلاتين، و77% من احتياطيات الفوسفات، و55% من احتياطيات الكوبالت.

ويُستخدم الفوسفات والكوبالت في بطاريات السيارات الكهربائية، بينما يدخل البلاتين في تقنيات إنتاج الهيدروجين الأخضر واستخدامه.

لكن امتلاك القارة حصة كبيرة من الاحتياطيات العالمية لا يعني أن كل دولة إفريقية تتمتع بحجم إنتاج يسمح لها بالتأثير في الأسواق العالمية.

فمعظم الدول تمتلك حصصًا صغيرة منفردة من الإنتاج العالمي، وهو ما قد يجعل من الصعب عليها بمفردها التأثير في المشترين، أو جذب منشآت معالجة كبيرة، أو بناء سلاسل توريد متكاملة، أو منافسة المنتجين الراسخين في مناطق أخرى.

وتؤكد بيانات التجارة هذا الواقع؛ فباستثناء جنوب إفريقيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كانت حصة معظم الدول الإفريقية من الصادرات العالمية لكل معدن أقل من 1%.

وفي عدد من المعادن، ومنها النيكل والعناصر الأرضية النادرة والفضة والليثيوم، لم تتجاوز حصة أكبر 5 دول إفريقية مصدرة مجتمعة 10% من صادرات العالم.

فجوة المعالجة المحلية

ترى الدراسة أن الدول الإفريقية يمكن أن تعزز موقعها في أسواق المعادن من خلال تنسيق سياساتها التجارية بدلًا من التحرك بصورة منفردة.

وتحوز الشركات الخاصة تراخيص التعدين، لكن السماح باستخراج المعادن لا يعني بالضرورة امتلاك حق غير مقيد في تصديرها، ما قد يمنح الحكومات مساحة لتنسيق قواعد التجارة. إلا أن كيفية تطبيق ذلك إلى جانب الحقوق القائمة للشركات، وما إذا كان الأمر يتطلب موافقتها، يحتاج إلى مزيد من الدراسة.

وتتمثل إحدى نقاط الضعف الأساسية التي رصدتها الدراسة في محدودية معالجة المعادن محليًا، وهي ممارسة تتركز بصورة رئيسية في دول قليلة، من بينها جنوب إفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا وزيمبابوي.

وحتى في هذه الدول، غالبًا ما تقتصر المعالجة على تكسير الخام وتركيزه بدلًا من تحويل المعادن إلى منتجات ذات قيمة أعلى.

وتوضح الدراسة أثر ذلك من خلال مثال الكوبالت الكونغولي؛ إذ يمكن أن يُباع الكوبالت بنحو 5.80 دولار للكيلوجرام عند نقطة الاستخراج، لكن بعد تكريره محليًا يرتفع السعر إلى 16.20 دولار للكيلوجرام، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف قيمته الأولية.

إفريقيا تمتلك 41 معدنًا للتحول الأخضر

اقتصاد أخضر يقوم على تبعية قديمة

تُظهر بيانات التجارة أيضًا استمرار نمط اقتصادي قديم، إذ تُعد آسيا، وخاصة الصين، المستورد الرئيسي لـ16 معدنًا من معادن التحول الأخضر الإفريقية.

واستوردت الصين في المتوسط أكثر من 30% من صادرات هذه المعادن، كما كانت ثاني أكبر مشترٍ لستة معادن أخرى من معادن التحول الأخضر.

وبحسب الدراسة، استحوذت الصين على أكثر من 40% من صادرات إفريقيا السنوية من الخامات المعدنية، ويعكس ذلك نمطًا مألوفًا في العلاقات التجارية الإفريقية: استخراج المواد الخام وتصديرها، بينما تقوم دول أخرى بتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى.

ولا تقتصر الفجوة على التعدين والمعالجة، بل تمتد إلى التكنولوجيا والابتكار. فالتاريخ الصناعي للقارة وانخفاض مستويات التصنيع فيها يجعلان الحضور الإفريقي محدودًا للغاية داخل سلاسل قيمة التكنولوجيا الخضراء.

وبين عامي 2017 و2023، ظلت حصة إفريقيا من براءات الاختراع العالمية في التقنيات التي درستها الدراسة أقل من 0.4%، بينما بقيت حصتها من الصادرات أقل من 1% في كل فئة.

وبذلك تشارك الدول الإفريقية حاليًا في الاقتصاد الأخضر بدرجة أكبر كمستهلكين، مقارنة بدورها كمنتجين للتقنيات والمنتجات الخضراء.

التعدين في افريقيا

الحكومات الإفريقية تحاول زيادة القيمة المحلية

وجد الباحثون أن حكومات إفريقية بدأت في تغيير قوانين التعدين، وتقييد تصدير بعض المعادن، والحصول على حصص ملكية في المشروعات، وإقامة شراكات بهدف زيادة العائد المحلي من الثروة المعدنية.

وتستهدف هذه الإجراءات زيادة عمليات المعالجة داخل القارة، وجذب الاستثمارات، وخلق الوظائف، وزيادة الدخول المحلية، لكن معظم الدول تتحرك بصورة منفردة، رغم وجود بعض المبادرات العابرة للحدود.

ويفرض العمل المنفرد قيودًا واضحة؛ فالكثير من الدول لا تنتج كميات كافية من بعض المعادن تمنحها قدرة كبيرة على التأثير في المشترين الدوليين.

وإذا طالبت دولة واحدة بأسعار أعلى أو بزيادة المعالجة المحلية، يمكن للمشترين في بعض الحالات التوجه إلى مصادر أخرى.

كما تواجه دول إفريقية عديدة نقصًا في الكهرباء الموثوقة، والتمويل منخفض التكلفة، وشبكات النقل، والعمالة ذات المهارات اللازمة لمعالجة المعادن وتصنيع المكونات.

التعدين في افريقيا

التعاون الإقليمي كطريق لبناء الصناعة

تؤكد الدراسة أن ثراء إفريقيا بالمعادن يمثل ميزة على مستوى القارة ككل، لكن تعميق التعاون الإقليمي يمكن أن يساعد الدول الإفريقية على بناء صناعات، وليس فقط تسهيل التجارة فيما بينها.

ويشمل ذلك تجميع إمدادات المعادن والأسواق والبنية التحتية والمهارات، بما يمكن أن يخفض تكاليف الإنتاج ويمنح الدول الإفريقية قدرة أكبر عند التفاوض مع الشركات العالمية.

كما يمكن إنشاء مراكز معالجة مشتركة تخدم مجموعة من الدول الإفريقية، بدلًا من محاولة كل دولة بناء سلسلة صناعية كاملة بمفردها.

ولتحقيق ذلك، تحتاج المؤسسات الإفريقية المعنية بالتمويل والمعادن والحكومات الوطنية إلى الاتفاق على أولويات مشتركة وقواعد متقاربة بشأن معالجة المعادن وإدارة الأضرار البيئية الناجمة عن الأنشطة التعدينية والصناعية.

تمويل وبنية تحتية وشراكات جديدة

يمكن لمؤسسات التمويل التنموي أن تؤدي دورًا في هذه العملية؛ إذ تستطيع بنوك التنمية الإقليمية والمؤسسات المالية الإفريقية الأخرى المساعدة في تمويل مشروعات الكهرباء والنقل والبنية التحتية المشتركة ومنشآت معالجة المعادن.

وفي الوقت نفسه، يمكن للجامعات والشركات أن تسهم في تطوير المهارات الفنية اللازمة لهذه الصناعات.

وتشير الدراسة كذلك إلى أهمية إعادة صياغة الشراكات مع الحكومات والشركات الأجنبية، بحيث لا تقتصر على استخراج المعادن وتصديرها.

ويمكن أن تتضمن هذه الشراكات التزامات بزيادة معالجة المعادن داخل إفريقيا، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وتدريب العمال، ومساعدة الشركات المحلية على أن تصبح موردين للصناعات الخضراء الناشئة.

وبذلك، لا تتوقف الاستفادة من ثروات إفريقيا المعدنية عند استخراجها وتصديرها، بل تمتد إلى بناء قدرات صناعية محلية وإقليمية قادرة على إنتاج المواد والمكونات والتقنيات التي يحتاج إليها التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة