ثانية واحدة أربكت الإنترنت والطيران.. لماذا يقترب العالم من إلغاء «الثانية الكبيسة»؟
الأرض تغيّر سرعتها.. لماذا قد تختفي «الثانية الكبيسة» من الساعات العالمية؟
يستعد العالم للتخلي عن ممارسة استمرت منذ سبعينيات القرن الماضي، تتمثل في إضافة ما يعرف بـ«الثانية الكبيسة» إلى الساعات العالمية، في محاولة للحفاظ على التوافق بين الزمن الفلكي المرتبط بدوران الأرض والزمن الذري الذي تقيسه الساعات فائقة الدقة.
لكن هذه الثانية الإضافية أصبحت تمثل تحديًا متزايدًا للبنية التكنولوجية الحديثة، بعدما تسببت في السابق في أعطال لأنظمة الكمبيوتر ومواقع إلكترونية وشبكات اتصالات، بل امتدت آثارها إلى أنظمة الطيران.
وفي عام 2022، صوت أعضاء المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM) لصالح التخلي عن الثواني الكبيسة بحلول عام 2035، بينما يناقش خبراء الوقت إمكانية إنهاء العمل بها في موعد أقرب، مع طرح أفكار بديلة للتعامل مع الفارق بين الزمن الفلكي والزمن الذري.

ما هي «الثانية الكبيسة»؟
لا توجد طريقة واحدة لقياس الزمن؛ فهناك الزمن الفلكي أو الشمسي، الذي يرتبط تقليديًا بدوران الأرض، وهناك الزمن الذري الذي يعتمد على الساعات الذرية فائقة الدقة.
ومع ظهور الساعات الذرية في ستينيات القرن الماضي، أصبح من الممكن قياس الزمن اعتمادًا على خصائص الذرة، ومنها السيزيوم-133 المستخدم في تحديد الزمن العالمي المنسق UTC.
وكانت الساعات الذرية والزمن الفلكي متوافقين في البداية، لكن دوران الأرض لا يسير بسرعة ثابتة تمامًا، ومع تباطؤ دورانها على المدى الطويل بدأ يظهر فارق بين النظامين.
وجاء الحل في صورة الثانية الكبيسة، التي تُضاف بشكل دوري إلى التوقيت العالمي حتى لا يبتعد الزمن الذري بصورة كبيرة عن الزمن المرتبط بدوران الأرض.
ومنذ بداية سبعينيات القرن الماضي، أضيفت 37 ثانية كبيسة إلى التوقيت العالمي.
لماذا أصبحت ثانية واحدة مشكلة تكنولوجية؟
قد تبدو الثانية فترة زمنية ضئيلة للغاية بالنسبة إلى الحياة اليومية، لكنها تمثل فترة مهمة للغاية بالنسبة إلى الأنظمة الإلكترونية الحديثة التي تعمل على مزامنة عدد هائل من العمليات خلال أجزاء من الثانية.
وتقول شركة Meta إن كل ثانية كبيسة تمثل تحديًا كبيرًا للمسؤولين عن البنية التحتية للأجهزة.
وأظهرت تجربة عام 2012 حجم المشكلة، عندما أدت ثانية كبيسة إلى أعطال واسعة في نواة نظام Linux، وهي الجزء البرمجي الذي يعمل كحلقة وصل بين مكونات الحاسوب المادية والبرمجيات.
ولم تتوقف التداعيات عند أنظمة التشغيل، إذ تعطلت مجموعة من المواقع الإلكترونية، من بينها LinkedIn وReddit، كما تعرض نظام تسجيل الرحلات في شركة الطيران الأسترالية Qantas لعطل مرتبط بالمشكلة نفسها، ما تسبب في اضطرابات للمسافرين.
وتزداد حساسية هذه المشكلة في القطاعات التي تعتمد على التزامن الدقيق للغاية، مثل شبكات الاتصالات والطاقة وشبكات الكمبيوتر وأنظمة التداول المالي.
ففي التداول عالي التردد، يمكن أن تتم عمليات البيع والشراء خلال أجزاء من الألف أو حتى أجزاء من المليار من الثانية، ما يجعل أي تغيير غير متوقع في التوقيت مصدرًا محتملًا لمشكلات تقنية.

كيف تتعامل شركات التكنولوجيا مع الثانية الكبيسة؟
اضطرت شركات التكنولوجيا إلى تطوير حلول خاصة لتجنب القفزة المفاجئة التي تحدث عند إضافة الثانية الكبيسة.
وتستخدم Google ما يعرف باسم «Leap Smear»، حيث توزع التغيير الزمني على فترة تمتد لساعات قبل وبعد الثانية الكبيسة، بدلًا من إضافة ثانية كاملة بصورة مفاجئة.
كما تتبع شركات مثل Amazon وMeta وMicrosoft استراتيجيات مشابهة لتخفيف تأثير الاختلاف بين الزمن الذري والزمن الفلكي على أنظمتها.
وتكشف هذه الحلول أن المشكلة لم تعد في القدرة على إضافة ثانية إلى الساعة من الناحية النظرية، وإنما في كيفية تنفيذ ذلك دون إرباك أنظمة رقمية تعتمد على تسلسل زمني دقيق ومستمر.
لماذا يريد العالم التخلي عن الثانية الكبيسة؟
أصبح الحفاظ على التوافق بين الزمن الفلكي والتوقيت العالمي المنسق أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع عدم انتظام سرعة دوران الأرض.
وتتأثر سرعة دوران الأرض بمجموعة من العوامل الطبيعية، كما تلعب التغيرات المرتبطة بالمناخ دورًا في إعادة توزيع الكتلة على سطح الكوكب.
ومن بين هذه التأثيرات ذوبان الجليد في المناطق القطبية، إذ يؤدي ذوبان الجليد إلى انتقال كتل مائية نحو مناطق أقرب إلى خط الاستواء، وهو ما يمكن أن يؤثر في سرعة دوران الأرض.
وهذا التغير يجعل التنبؤ بالفارق بين الزمن الفلكي والزمن الذري أكثر تعقيدًا.
وبدلًا من الاستمرار في إضافة ثوانٍ كبيسة، أو الاضطرار مستقبلًا إلى حذف «ثانية كبيسة سلبية»، تتجه الهيئات المسؤولة عن معايير الوقت إلى السماح للتوقيت الذري بالابتعاد تدريجيًا عن الزمن الفلكي.

هل يمكن أن نصل إلى «ساعة كبيسة»؟
مع التخلي عن الثانية الكبيسة، يبرز سؤال حول البديل الذي يمكن استخدامه مستقبلًا للتعامل مع الفارق بين النظامين.
ومن المقترحات السماح للفارق بين الزمن الذري والزمن الفلكي بالنمو تدريجيًا بدلًا من تصحيحه بإضافة أو حذف ثانية بشكل مفاجئ.
وقد يصل الفارق في نهاية المطاف إلى 60 دقيقة، لكن العلماء يشيرون إلى أن الوصول إلى فارق ساعة كاملة قد يستغرق آلاف السنين.
وهذا يعني أن إلغاء الثانية الكبيسة لا يعني أن الساعات الذرية ستنفصل سريعًا عن دورة الأرض، وإنما يعني تغيير الطريقة التي يتعامل بها العالم مع هذا الفارق على المدى الطويل.
ماذا سيحدث بعد إلغاء الثانية الكبيسة؟
صوتت الهيئات الدولية المختصة في 2022 على التخلي عن الثانية الكبيسة بحلول 2035، لكن التطورات الحالية في سرعة دوران الأرض دفعت خبراء إلى مناقشة إمكانية تسريع هذا الجدول الزمني.
وقد تثار قرارات جديدة بشأن مستقبل نظام ضبط الوقت خلال الاجتماعات الدولية المقبلة الخاصة بمعايير الأوزان والمقاييس.
والهدف الأساسي من التغيير هو جعل أنظمة التوقيت العالمية أكثر استقرارًا بالنسبة إلى التكنولوجيا، بحيث لا تضطر شبكات الكمبيوتر والاتصالات والطاقة والأسواق المالية وأنظمة الملاحة وغيرها إلى التعامل مع قفزات زمنية مفاجئة.
وفي المقابل، سيعني ذلك السماح بزيادة الفارق تدريجيًا بين الوقت الذي تقيسه الساعات الذرية والوقت الذي تحدده حركة الأرض.
عندما يتغير دوران الأرض.. يتغير مفهوم الوقت
تكشف قصة «الثانية الكبيسة» جانبًا غير مألوف من العلاقة بين المناخ ودوران الأرض والتكنولوجيا الحديثة.
فالزمن الذي يبدو ثابتًا في حياتنا اليومية يعتمد في الحقيقة على نظامين مختلفين: أحدهما مرتبط بحركة كوكبنا، والآخر يعتمد على أكثر الساعات دقة التي طورها الإنسان.
ومع تغير دوران الأرض وتطور الأنظمة الرقمية التي تتطلب توقيتًا بالغ الدقة، أصبح الحفاظ على التوافق الكامل بين النظامين أكثر صعوبة.
ولهذا، لا تمثل نهاية «الثانية الكبيسة» مجرد تعديل تقني في طريقة ضبط الساعات، بل تعكس تحولًا في الطريقة التي يقيس بها العالم الزمن، ويوازن بين حركة كوكب غير منتظمة تمامًا وأنظمة رقمية تحتاج إلى وقت دقيق ومستقر.





