د.نسرين السعيد: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل التغذية
عضو اللجنة الوطنية لعلوم التغذية بأكاديمية البحث العلمي
لم يعد دور البحث العلمي يتوقف عند تحويل الابتكار الغذائي إلى تطبيقات ومخرجات بحثية وقيمة اقتصادية ومجتمعية، بل شهدت مجالات تطبيقاته تطورًا هائلًا وسريعًا مع اندماجه بالذكاء الاصطناعي وأدواته والتقنيات المتقدمة، التي أصبحت من أهم محركات التحول الرقمي، وامتدت آثارها إلى مختلف جوانب الحياة.
ومن أبرز المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا التحول توظيف التكنولوجيا في التغذية السليمة والتثقيف الغذائي، بالتزامن مع تزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، وسوء التغذية، والأمراض المرتبطة بالنمط الغذائي، وهدر الغذاء.
وفي هذا السياق، يمثل توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في مجالات جودة الغذاء والتغذية السليمة فرصة واعدة للانتقال من الأساليب التقليدية إلى مفهوم أكثر تطورًا وتقنية يُعرف بـ«التغذية الذكية – Smart Nutrition».
من التغذية التقليدية إلى التغذية الذكية
تعتمد التغذية الذكية على توظيف البيانات والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لفهم الاحتياجات الغذائية بصورة أكثر دقة، وتقديم الإرشادات الغذائية بطريقة أكثر ملاءمة لاحتياجات الأفراد وظروفهم.
فعند توافر بيانات موثوقة ومناسبة، يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كميات كبيرة من المعلومات المتعلقة بالعادات الغذائية، ومكونات الأغذية، والقيمة الغذائية، والاحتياجات اليومية، وأنماط الاستهلاك، ومن ثم المساعدة في تقديم توصيات غذائية تراعي ظروف الفرد واحتياجاته.
ويفتح ذلك المجال للانتقال من فكرة النظام الغذائي الواحد المناسب للجميع إلى إرشادات أكثر مرونة تراعي الاختلافات الفردية، بدلًا من الاعتماد على نموذج غذائي موحد لا يأخذ في الاعتبار تنوع الاحتياجات والعادات والظروف.
الذكاء الاصطناعي والإرشادات التغذوية
يمكن للتطبيقات والمنصات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تؤدي دورًا في متابعة العادات الغذائية، إلى جانب تقديم محتوى تثقيفي يساعد الفرد على فهم احتياجاته الغذائية واتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
ولا تكمن قيمة الذكاء الاصطناعي في تقديم «وصفة غذائية» فحسب، وإنما في قدرته على تحويل المعلومات الغذائية المعقدة إلى معرفة مبسطة يمكن للفرد فهمها والاستفادة منها.
ومن خلال تحليل البيانات الغذائية وأنماط الاستهلاك، يمكن للتقنيات الذكية أن تساعد في تقديم معلومات أكثر ارتباطًا باحتياجات المستخدم، بما يعزز دوره في اتخاذ القرار الغذائي، بدلًا من أن يكون مجرد متلقٍ لمعلومات عامة.
الذكاء الاصطناعي والتثقيف الغذائي
يمثل التثقيف الغذائي أحد أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي، فمن خلال تقديم المعلومات الغذائية بصورة منظمة، يمكن للتقنيات الذكية المساعدة في إنتاج محتوى تعليمي تفاعلي ومبسط يناسب الفئات العمرية والثقافية والتعليمية المختلفة.
ويمكن أن يمتد هذا الدور إلى المدارس والجامعات والمؤسسات الصحية والمجتمعات المحلية، من خلال أدوات رقمية تساعد على نشر مفاهيم توضح أهمية التنوع الغذائي، والاختيار الصحي للأغذية، والاعتدال في الاستهلاك، وقراءة بطاقات البيانات الغذائية، وتقليل الاعتماد على الأنماط الغذائية غير الصحية، والتنبيه إلى مخاطر بعض الأغذية والأطعمة التي تدخل في مكوناتها مواد مصنعة.
وبذلك، يمكن أن يتحول التثقيف الغذائي إلى عملية مستمرة وسلسة وتفاعلية، وليس مجرد معلومات نظرية ومعقدة يحصل عليها الفرد بصورة مؤقتة.
التغذية الذكية والاستدامة وتقليل هدر الغذاء
يرتبط مفهوم التغذية الذكية ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي، فالغذاء الآمن والمغذي لا يتعلق فقط بتوافر الغذاء، وإنما أيضًا بجودته وصلاحيته وقيمته الغذائية وإمكانية توفيره واستخدامه بالصورة السليمة.
كما يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم البحث والتطوير والابتكار في مجال الأغذية، من خلال تحليل البيانات المتعلقة بالمواد الخام والمكونات الغذائية، والمساعدة في تطوير منتجات غذائية مبتكرة ذات قيمة غذائية واقتصادية مضافة وميزة تنافسية في السوق.
ولا تقتصر الاستدامة على حماية البيئة فقط، وإنما تشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وصحية أيضًا. ومن ثم، يمكن للتغذية الذكية أن تسهم في تحقيق الاستدامة من خلال تشجيع الاختيارات الغذائية الواعية، ودعم المنتجات المحلية، وتقليل الهدر، وتحسين الاستفادة من الموارد الزراعية، وتشجيع الابتكار في تصنيع الأغذية.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحثين والمصنعين على تطوير حلول غذائية أكثر كفاءة واستدامة، وربط المعرفة العلمية باحتياجات المجتمع والسوق.
وهكذا، تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة رقمية إلى وسيلة لتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة تخدم الإنسان والمجتمع والاقتصاد والبيئة.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة هدر الغذاء
يمثل هدر الغذاء أحد التحديات الكبرى أمام تحقيق الاستدامة، وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مهمة في تحسين إدارة الغذاء، من خلال المساعدة في التنبؤ بالاحتياجات، وتحسين عمليات التخزين والتوزيع، ومتابعة حركة المنتجات، وتقليل الفاقد خلال مراحل الإنتاج والتصنيع والتداول.
كما يمكن أن يساعد في اكتشاف فرص لإعادة توظيف المنتجات والمواد الغذائية الثانوية والدرجات الأقل قبولًا من الناحية التسويقية، وتحويلها إلى منتجات غذائية مبتكرة، عندما يكون ذلك آمنًا ومناسبًا من الناحيتين العلمية والتكنولوجية.
ومن هنا يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام مفهوم الاقتصاد الدائري في الغذاء، الذي يسعى إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد، وتقليل الفاقد والنفايات، وتحسين كفاءة استخدام المواد الغذائية على امتداد سلسلة الإمداد.
التغذية الذكية.. منظومة تتجاوز حساب السعرات
التغذية الذكية ليست مجرد استخدام تطبيق أو برنامج لحساب السعرات الحرارية، وإنما هي منظومة متكاملة يمكن أن تجمع بين البيانات، والعلوم الغذائية، والذكاء الاصطناعي، والابتكار، والتثقيف الصحي، والاستدامة.
ومن خلال هذا التكامل، يمكن بناء جيل أكثر وعيًا بالغذاء، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات غذائية سليمة، بالتوازي مع دعم منظومة إنتاج واستهلاك أكثر كفاءة واستدامة.
ومن هذا المنطلق، يصبح الذكاء الاصطناعي أحد الأدوات الواعدة لربط البحث العلمي بالابتكار والتطبيق الصناعي واحتياجات المجتمع، وتحويل المعرفة الغذائية إلى حلول عملية وقيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية.
مستقبل التغذية في عصر التحول الرقمي
إن مستقبل التغذية لن يعتمد فقط على ما ننتجه من غذاء، وإنما أيضًا على مدى قدرتنا على فهم احتياجات الإنسان المستقبلية، وتقديم المعرفة الغذائية المناسبة له في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.
ومن هنا تبرز أهمية «التغذية الذكية – Smart Nutrition» باعتبارها أحد المجالات الواعدة في عصر التحول الرقمي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تطوير الإرشادات التغذوية، وتعزيز التثقيف الغذائي، ودعم التغذية الشخصية، وتقليل هدر الغذاء، وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
ومن خلال توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة علمية وأخلاقية ومسؤولة، يمكن أن تصبح التكنولوجيا شريكًا حقيقيًا في بناء مستقبل غذائي أكثر صحة ووعيًا وابتكارًا واستدامة، بما يخدم الإنسان والمجتمع، ويدعم أهداف التنمية المستدامة والأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية للتنمية.





