أخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

كيف تنجو النباتات الساحلية من رذاذ البحر المالح؟.. دراسة تكشف أسرار التكيف

ملح البحر يهدد النباتات.. لكن «زهرة القرد» الساحلية طورت دفاعات متعددة

كشفت دراسة علمية جديدة أن النباتات الساحلية طورت أكثر من آلية للتكيف مع التعرض المستمر لرذاذ مياه البحر المالحة، ما يساعدها على البقاء في البيئات القريبة من المحيط.

ولا تحتاج موجة بحرية إلى الوصول مباشرة إلى النباتات حتى تتأثر بالملوحة، إذ تحمل الرياح القوية رذاذ مياه البحر إلى اليابسة، تاركة طبقات من الملح على الأوراق بصورة متكررة.

ونُشرت الدراسة في American Journal of Botany.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية تتجاوز نوعًا نباتيًا واحدًا، لأن رذاذ الملح يساعد في تحديد طبيعة المجتمعات النباتية التي تستطيع العيش بالقرب من السواحل، بينما يمكن أن يؤدي تغير أنماط الرياح وزيادة قوة الأمواج وارتفاع مستوى سطح البحر إلى زيادة تعرض النباتات للملوحة في بعض المناطق.

ملح البحر يهدد النباتات

لماذا يمثل رذاذ الملح مشكلة للنباتات؟

يمكن أن يؤدي تراكم كميات كبيرة من الصوديوم داخل الأوراق إلى إتلاف الخلايا واضطراب توازن المياه فيها، ولذلك يمكن لرذاذ البحر أن يحدد النباتات القادرة على العيش بالقرب من المحيط.

وقدم الباحثون زهرة القرد الصفراء، المعروفة علميًا باسم Mimulus guttatus، نموذجًا مناسبًا لدراسة هذه الظاهرة.

وتتميز التجمعات الساحلية من هذا النبات بقدرة أكبر بكثير على تحمل رذاذ الملح مقارنة بالتجمعات الداخلية من النوع نفسه.

وقال ديفيد لوري، عالم الأحياء في جامعة ولاية ميشيجان والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن زهرة القرد الصفراء طورت تكيفات متعددة لمواجهة رذاذ الملح.

ملح البحر يهدد النباتات
ملح البحر يهدد النباتات

النباتات الساحلية تتعرض للملوحة بصورة مستمرة

ملح البحر يهدد النباتات
ملح البحر يهدد النباتات

قارن فريق البحث بين خمس تجمعات ساحلية وخمس تجمعات داخلية من النبات، اختيرت من مناطق تقع عند خطوط عرض متشابهة على طول ساحل المحيط الهادئ.

وكانت النباتات الساحلية معمرة وأقصر طولًا بشكل عام، كما كانت تزهر في وقت متأخر، بينما كانت النباتات الداخلية حولية وأطول عادةً وتزهر في وقت أبكر.

وأظهرت أبحاث سابقة أن قصر النبات وتأخر الإزهار يمكن أن يقللا تعرضه لرذاذ الملح القوي خلال فصل الربيع.

لكن هذه الصفات لم تفسر وحدها سبب قدرة النباتات الساحلية على تحمل الملوحة، ولذلك أراد الباحثون معرفة ما يحدث داخل الورقة بعد وصول مياه البحر إليها.

وأوضح لوري أن رذاذ الملح يمكن أن يكون واضحًا جدًا على السواحل التي تهب فيها الرياح بسرعات مرتفعة، حيث يلتصق غشاء مالح بالأسطح، بل ويمكن في بعض الحالات تذوق الملح على أوراق النباتات.

محاكاة رذاذ البحر داخل المختبر

زرع الباحثون النباتات الساحلية والداخلية في ظروف خاضعة للسيطرة، ثم رشوا أوراقها بالمياه المالحة بتركيز يقارب تركيز مياه المحيط.

وأُجريت عمليتا الرش بفاصل زمني بلغ نحو 18 ساعة، ثم جمع الباحثون الأوراق بعد ساعتين من عملية الرش الثانية لقياس كمية الصوديوم التي دخلت إليها.

واستخدم الفريق جهازًا أطلق عليه اسم «Saltmobile» لمحاكاة رذاذ البحر.

والجهاز عبارة عن عربة مزودة بأدوات رش وزجاجات من المياه المالحة، ومحاطة بكيس كبير لمنع انتشار رذاذ الملح في مكان إجراء التجارب.

وقبل قياس كمية الصوديوم داخل الأوراق، غسل الباحثون الملح الموجود على الأسطح الخارجية للأوراق، حتى تعكس النتائج بصورة أساسية كمية الصوديوم التي تمكنت من الدخول إلى أنسجة الورقة.

ملح البحر يهدد النباتات

النباتات الساحلية تمنع تراكم الصوديوم

أظهرت النتائج أن أوراق النباتات الداخلية احتوت بعد التعرض لرذاذ الملح على تركيز من الصوديوم يزيد 2.8 مرة على التركيز الموجود في أوراق النباتات الساحلية.

ولأن حجم الأوراق كان مختلفًا بين مجموعتي النباتات، قارن الباحثون أيضًا كمية الصوديوم الموجودة في المساحة نفسها من سطح الورقة.

وظل الفرق واضحًا، إذ راكمت الأوراق الساحلية كميات أقل من الصوديوم لكل وحدة من مساحة سطح الورقة، ما يعني أن اختلاف حجم الأوراق وحده لا يمكن أن يفسر قدرة النباتات الساحلية على مقاومة الملوحة.

وقال لوري إن النباتات الساحلية أكثر قدرة على منع الملح من الدخول إلى أوراقها.

كما احتوت الأوراق الساحلية على كمية أكبر من المياه مقارنة بمساحة سطحها، وفقدت مياه أقل بعد تعرضها لرذاذ الملح.

وقد تساعد هذه الكمية الإضافية من المياه على تخفيف تركيز الصوديوم داخل الأوراق، ما يمنح النباتات الساحلية ميزة إضافية في مواجهة الملوحة.

التفسير البسيط لم يكن كافيًا

حاول الباحثون تحديد السبب المباشر وراء انخفاض تراكم الصوديوم في الأوراق الساحلية.

وقاموا بقياس الثغور، وهي مسام صغيرة تسمح بتبادل الغازات وحركة المياه عبر الأوراق، كما اختبروا مدى قدرة المياه على البقاء على سطح الورقة.

لكن النتائج لم تقدم تفسيرًا بسيطًا.

فالنباتات الساحلية امتلكت في الواقع عددًا أكبر من الثغور على جانبي الأوراق، بينما كان حجم الثغور متشابهًا بين المجموعتين.

كما لم يظهر اختلاف واضح في درجة انفتاح الثغور الموجودة على السطح العلوي للأوراق.

وقالت ماديسون بلونكرت، الباحثة الرئيسية وطالبة الدكتوراه في علم الأحياء النباتية بجامعة ولاية ميشيجان، إن أيًا من صفات الأوراق التي قاسها الفريق لم يفسر الاختلاف في تراكم الصوديوم.

ولم تقدم اختبارات المياه تفسيرًا حاسمًا أيضًا، إذ استطاع الباحثون إثبات أن الأوراق الساحلية تراكم كميات أقل من الصوديوم، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد الآلية الدقيقة التي تمنع دخول الصوديوم إليها.

النباتات الساحلية تؤخر تلف الأنسجة

ملح البحر يهدد النباتات
ملح البحر يهدد النباتات

انتقل الباحثون بعد ذلك إلى سؤال مختلف: ماذا يحدث عندما يدخل الملح بالفعل إلى أنسجة النبات؟

وقطعوا أقراصًا صغيرة من الأوراق ووضعوها على هلام غذائي يحتوي على كلوريد الصوديوم، أو على هلام لا يحتوي على كميات إضافية من الملح.

وبهذه الطريقة، تمكن الملح من الدخول عبر حواف القطع، متجاوزًا إلى حد كبير الحواجز الطبيعية الموجودة على سطح الورقة.

وكان أحد الباحثين يراقب الأقراص يوميًا بحثًا عن علامات تلف الأنسجة أو موتها، دون معرفة ما إذا كان القرص مأخوذًا من نبات ساحلي أو داخلي.

وأظهرت النتائج أن النباتات الساحلية كانت قادرة على تحمل تأثير الملح لفترة أطول، إذ لم تظهر عليها علامات التلف بالسرعة نفسها التي ظهرت بها على النباتات الداخلية.

دفاع قوي لكنه ليس مطلقًا

بدأت أقراص أوراق النباتات الساحلية في إظهار علامات التلف الناتج عن الملح في وقت متأخر مقارنة بأقراص النباتات الداخلية.

لكن الباحثين لم يجدوا فرقًا واضحًا في المدة التي استغرقتها الأقراص حتى تموت بالكامل.

وهذا يعني أن النباتات الساحلية لا تتخلص من أضرار الملوحة بشكل كامل، وإنما تؤخر بداية التلف وتمنح أنسجتها وقتًا أطول قبل ظهور الأضرار الواضحة.

كما كانت الأوراق الساحلية أكثر عصارية، أي أنها احتوت على كمية أكبر من المياه مقارنة بمساحة سطحها.

وقد تساعد هذه المياه الإضافية على تخفيف تركيز الصوديوم أو تمكين الخلايا من تخزينه بعيدًا عن الأجزاء الحساسة داخل الخلية، لكن الباحثين لم يثبتوا بشكل مباشر أيًا من هذين التفسيرين.

أكثر من وسيلة للبقاء أمام الملوحةتشير نتائج الدراسة إلى أن النباتات الساحلية تعتمد على مجموعة من آليات الدفاع بدلًا من الاعتماد على وسيلة واحدة.

فهي تستطيع تقليل تعرضها لرذاذ الملح، والحد من تراكم الصوديوم داخل الأوراق بعد وصول الرذاذ إليها، ثم تأخير ظهور التلف عندما يتمكن الملح من دخول الأنسجة.

وهذه الاستراتيجيات المتعددة تساعد النباتات على مواجهة الضغط البيئي المستمر الذي تفرضه الحياة بالقرب من المحيط.

لماذا تهم هذه النتائج مستقبل السواحل؟

لا تزال الآلية الدقيقة التي تمنع الأوراق الساحلية من تراكم الصوديوم بكميات كبيرة غير معروفة.

كما أن النباتات الساحلية معمرة، بينما النباتات الداخلية حولية، ما يعني أن بعض الاختلافات بين المجموعتين قد تكون مرتبطة بطرق النمو واستخدام الموارد على نطاق أوسع، وليس بالملوحة وحدها.

ومع ذلك، يمكن أن يساعد فهم هذه الاختلافات الطبيعية العلماء على اكتشاف تنوعات وراثية مفيدة، وتحديد النباتات الأكثر عرضة للخطر مع تغير مستويات التعرض للملوحة في المناطق الساحلية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التغيرات التي تشهدها المناطق الساحلية، بما في ذلك تغير الرياح وقوة الأمواج وارتفاع مستوى سطح البحر، وهي عوامل يمكن أن تغير حجم تعرض النباتات لرذاذ مياه البحر.

وأشار لوري إلى أن هناك مئات الآلاف من الأميال من السواحل حول العالم، وأن النباتات التي تعيش على امتداد معظم هذه المناطق تواجه ضغط الملوحة، وهو ما يجعل فهم آليات تكيفها أمرًا مهمًا.

وتوضح الدراسة أن الحياة على السواحل تحتاج إلى أكثر من وسيلة واحدة للبقاء؛ فزهرة القرد الصفراء الساحلية تتعامل مع رذاذ الملح عبر تقليل التعرض له، والحد من تراكم الصوديوم داخل أوراقها، وتأخير الأضرار الناتجة عن دخول الملح إلى الأنسجة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة