أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

المناخ أخطر من تركيبة الخرسانة.. دراسة تكشف سر تآكل حديد التسليح في المباني منخفضة الكربون

الرطوبة تهدد حديد التسليح أكثر من نوع الخرسانة.. مفاجأة جديدة في البناء منخفض الكربون

يصعب تخيل العالم الحديث من دون الخرسانة، إذ تُستخدم كميات هائلة منها في قطاع البناء حول العالم، لكن إنتاج الأسمنت، المكوّن الرئيسي للخرسانة، يُعد مصدرًا كبيرًا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أحد أبرز غازات الاحتباس الحراري المسببة لتغير المناخ.

ولهذا السبب، أصبحت أنواع الأسمنت والخرسانة منخفضة الكربون عنصرًا أساسيًا في جهود جعل قطاع البناء أكثر استدامة وخفض بصمته المناخية.

لكن دراسة جديدة أجراها باحثون في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ ETH Zurich تكشف أن تقييم متانة هذه المواد لا ينبغي أن يعتمد فقط على تركيبتها، مشيرة إلى أن المناخ المحلي، وخاصة الرطوبة، قد يكون أكثر تأثيرًا في سرعة تآكل حديد التسليح داخل الخرسانة.

وتشير النتائج إلى أن النوع نفسه من الخرسانة يمكن أن يتصرف بصورة مختلفة تمامًا من منطقة إلى أخرى، ما يطرح تساؤلات حول معايير البناء الحالية ومدى ملاءمتها للمواد منخفضة الكربون.

ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications.

الرطوبة تهدد حديد التسليح أكثر من نوع الخرسانة

ثاني أكسيد الكربون يفتح الطريق أمام تآكل الحديد

تعتمد متانة الخرسانة المسلحة على قدرة المادة على حماية حديد التسليح الموجود بداخلها، والذي يؤدي دورًا أساسيًا في تحمل الأحمال والحفاظ على قوة المنشأ.

لكن الخرسانة يمكن أن تتعرض بمرور الوقت لعملية تُعرف باسم الكربنة، حيث يتغلغل ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء إلى داخلها، ويغير تركيبها الكيميائي.

ومع تقدم هذه العملية، قد يفقد حديد التسليح جزءًا من الحماية الطبيعية التي توفرها له الخرسانة، ما يسمح ببدء التآكل والصدأ.

وتحدث المشكلة بوتيرة أسرع نسبيًا في بعض أنواع الخرسانة منخفضة الكربون مقارنة بالخرسانة التقليدية، وهو ما جعل معايير البناء الحالية تركز بدرجة كبيرة على حماية حديد التسليح من وصول تأثير الكربنة إليه لأطول فترة ممكنة.

لكن الباحثين يرون أن هذا النهج قد يكون ضيقًا للغاية؛ لأن السؤال الأهم ليس فقط متى تصل الكربنة إلى الحديد، وإنما ما سرعة تآكل الحديد فعليًا بعد ذلك؟

الرطوبة قد تسرّع التآكل 100 مرة

ركز الباحثون على عامل حاسم في المرحلة التالية من تدهور الخرسانة، وهو الرطوبة.

وتوضح كريستيانا ألبرت، من معهد مواد البناء في ETH Zurich، أن معدل تآكل الحديد يمكن أن يكون أسرع بما يصل إلى 100 مرة عندما تكون الخرسانة رطبة مقارنة بالحالة الجافة.

وفي المقابل، وجد الباحثون أن الاختلافات بين خلطات الخرسانة التي درسوها كانت أقل تأثيرًا بشكل ملحوظ على معدل التآكل من تأثير الظروف المناخية.

وهذا يعني أن الخرسانة التي قد تبدو أكثر عرضة للخطر بسبب تركيبتها منخفضة الكربون ليست بالضرورة أقل متانة في جميع الظروف، إذ يمكن أن يلعب المناخ الذي يوجد فيه المبنى دورًا أكبر بكثير في تحديد سرعة تدهوره.

4 مدن تكشف المفارقة المناخية

اختبر فريق البحث 3 خلطات خرسانية في 4 مواقع ذات ظروف مناخية مختلفة، هي:

  • زيورخ في سويسرا.
  • بيرغن في النرويج.
  • ماناوس في البرازيل.
  • هوايلاي في الصين.

وأدخل الباحثون بيانات مناخية مفصلة إلى نموذج يحاكي التغير في مستويات الرطوبة داخل الخرسانة بمرور الوقت، بهدف تقدير سرعة تآكل حديد التسليح.

وكانت إحدى النتائج الأكثر إثارة للدهشة أن المناخ كان له تأثير أكبر بكثير مما توقع الباحثون.

وقال أولي أنجست، أستاذ متانة مواد الهندسة في ETH Zurich، إن الخرسانة نفسها يمكن أن تتصرف بصورة مختلفة تمامًا عندما توضع في مناخ مختلف.

ومع ذلك، فإن المعايير الأوروبية الحالية تضع المواقع الأربعة ضمن التصنيف المناخي نفسه، وهو “البلل والجفاف المتناوبان”.

كمية الأمطار لا تكفي لتحديد عمر الخرسانة

تظهر أهمية هذه النتيجة بوضوح عند مقارنة بيرغن وماناوس، إذ تستقبل المدينتان نحو 2500 ملليمتر من الأمطار سنويًا.

ورغم تشابه كمية الأمطار، أظهرت الحسابات أن حديد التسليح يمكن أن يتآكل بمعدلات مختلفة في الموقعين.

والسبب هو أن الخرسانة تمتص الماء بسرعة لكنها تجف ببطء، ولذلك لا تكفي معرفة كمية الأمطار السنوية وحدها لتحديد مستوى الخطر.

ويبدو أن العامل الأكثر أهمية هو نمط التناوب بين فترات البلل والجفاف ومدتها وتكرارها.

كما أظهرت النماذج أن بعض أنواع الخرسانة منخفضة الكربون التي خضعت للاختبار يمكن أن تدوم 50 عامًا أو أكثر في بعض المواقع، لكنها قد تتعرض للتلف في وقت أبكر في ظل ظروف مناخية مختلفة.

وبالتالي، فإن متوسط الرطوبة السنوي أو إجمالي كمية الأمطار لا يعطيان وحدهما صورة دقيقة عن معدل تآكل الحديد داخل الخرسانة.

الخرسانة منخفضة الكربون ليست بالضرورة أقل أمانًا

لا تعني نتائج الدراسة أن الخرسانة منخفضة الكربون أقل متانة بصورة عامة أو أنها غير آمنة.

فعلى مستوى القوة الإنشائية، يمكن لهذه الأنواع من الخرسانة أن تضاهي الخرسانة التقليدية، لكن التحدي الحقيقي يتعلق بكيفية تصرفها على مدى عقود من الزمن وتحت ظروف مناخية مختلفة.

قد تفقد الخرسانة منخفضة الكربون قدرتها الطبيعية على حماية حديد التسليح في وقت أسرع، لكن إذا لم تكن الخرسانة معرضة للبلل المستمر، فقد يظل معدل تآكل الحديد منخفضًا للغاية لفترة طويلة.

ولهذا يرى الباحثون ضرورة فهم السلوك طويل الأمد للخرسانة الصديقة للمناخ في البيئات المختلفة، بدلًا من تطبيق النوع نفسه من الخرسانة وفق قواعد موحدة في جميع المواقع.

البناء المستدام يحتاج إلى اختبار مناخي

تقترح الدراسة أن يأخذ قطاع البناء مستقبلًا موقع المنشأة والظروف المناخية المحلية في الاعتبار بدرجة أكبر عند اختيار نوع الخرسانة وتصميم إجراءات الحماية.

ففي المناطق شديدة الرطوبة، على سبيل المثال، قد تكون هناك حاجة إلى إجراءات إضافية للحد من دخول المياه إلى الخرسانة.

وهذا النهج يمكن أن يساعد أيضًا في إزالة أحد العوائق أمام انتشار مواد البناء منخفضة الكربون.

ويرى الباحثون أن كثيرًا من طرق الاختبار الحالية طُورت في الأساس للأنواع التقليدية من الأسمنت، وقد لا تأخذ في الاعتبار الخصائص المختلفة للمواد الخرسانية الأكثر صداقة للبيئة.

وبالتالي، يمكن أن تتحول بعض المعايير الحالية من وسيلة لضمان المتانة إلى عقبة أمام اعتماد مواد بناء جديدة منخفضة الانبعاثات.

نموذج جديد لمقارنة الخرسانة في المستقبل

لا يزال النموذج الذي طوره الباحثون غير جاهز للاستخدام العملي، إذ إن الحسابات معقدة وتحتاج إلى مزيد من الاختبار والمقارنة مع منشآت حقيقية.

لكن الهدف على المدى الطويل هو تطوير طريقة أبسط تسمح بتقييم الأنواع الجديدة من الخرسانة بسرعة، بدلًا من الانتظار لعقود لمعرفة أدائها الفعلي في المباني والمنشآت.

وقد يصبح هذا الأمر أكثر أهمية مع استمرار تغير المناخ.

فإذا تغيرت وتيرة فترات الأمطار والجفاف ومدتها نتيجة تغير المناخ، فقد تتغير أيضًا سرعة تآكل حديد التسليح داخل الخرسانة.

وفي المستقبل، يمكن لاختبار مناخي من هذا النوع أن يساعد المهندسين على تحديد نوع الخرسانة منخفضة الكربون الأنسب لكل موقع وفقًا لظروفه المناخية، بدلًا من افتراض أن مادة واحدة يمكن أن تحقق المستوى نفسه من المتانة في جميع أنحاء العالم.

وبذلك، قد يصبح دمج الاستدامة المناخية مع المتانة الإنشائية خطوة أساسية في تطوير الجيل المقبل من مواد البناء، بما يسمح بخفض انبعاثات قطاع الأسمنت والخرسانة دون التضحية بالعمر التشغيلي للمنشآت.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة