الذكاء الاصطناعي بلا قيود؟ الصين اختارت طريقًا مختلفًا منذ 4 سنوات
الصين سبقت واشنطن.. منظومة متكاملة لتنظيم الذكاء الاصطناعي بينما يطالب قادة التكنولوجيا الأمريكيون بقواعد جديدة
أثارت التحذيرات الأخيرة الصادرة عن عدد من قادة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة انطباعًا بأن العالم بدأ لتوه في مواجهة المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المتقدم، إلا أن الصين بدأت بناء منظومة تنظيمية واسعة لهذه التكنولوجيا منذ عدة سنوات.
ودعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، الحكومات إلى التدخل لإبطاء تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر قوة، مقترحًا البدء بوجود جهات تقييم مستقلة داخل شركات الذكاء الاصطناعي، ثم الانتقال إلى وضع قواعد تنظيمية، وصولًا إلى تنسيق تدعمه الحكومات بين الدول الديمقراطية.
ويهدف التصور في نهايته إلى التوصل إلى اتفاقات عالمية مع الصين بشأن اختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتطبيقات الخطرة للتكنولوجيا، والوتيرة التي ينبغي أن يتطور بها الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا الطرح، بحسب تحليل نشرته منصة The Conversation، يتعامل مع الصين باعتبارها طرفًا سيحتاج العالم إلى إشراكه لاحقًا في منظومة حوكمة للذكاء الاصطناعي، بينما تمتلك بكين بالفعل نظامًا واسعًا من القواعد والتقييمات والإجراءات التنظيمية والمعايير التقنية والرقابة الحكومية على الذكاء الاصطناعي.
الصين بدأت التنظيم مبكرًا
تعود إحدى المراحل المهمة في منظومة تنظيم الذكاء الاصطناعي الصينية إلى قواعد عام 2022 الخاصة بخدمات التوصية الخوارزمية.
وتنطبق هذه القواعد على التقنيات التي تختار المحتوى المتاح للمستخدمين أو ترتبه أو تقوم بتصفيته أو التوصية به.
وتلزم القواعد الشركات التي تستخدم الخوارزميات بفحص طريقة عملها، وحماية المعلومات الشخصية للمستخدمين، ومنحهم بعض أدوات التحكم، إلى جانب توفير ضمانات لحماية العاملين والمستهلكين والأطفال وكبار السن.
وفي ديسمبر 2022، أصدرت الصين أيضًا قواعد خاصة بتقنيات التركيب العميق (Deep Synthesis)، دخلت حيز التنفيذ في يناير 2023، ووسعت نطاق التنظيم ليشمل النصوص والصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتفرض هذه القواعد على شركات الذكاء الاصطناعي التحقق من هوية المستخدمين، وحماية البيانات، والاحتفاظ بسجلات ذات صلة، وتقييم أنظمتها، ووضع علامات تحدد المحتوى الاصطناعي الذي يمكن أن يختلط على المستخدمين مع المحتوى الحقيقي.

تنظيم الذكاء الاصطناعي التوليدي
في أغسطس 2023، دخلت الإجراءات المؤقتة الخاصة بخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي حيز التطبيق في الصين.
وأضافت هذه الإجراءات قواعد خاصة بخدمات الذكاء الاصطناعي المتاحة للجمهور، ولا سيما الأنظمة القادرة على التأثير في الرأي العام أو إقناع المستخدمين بطرق مختلفة.
وشملت القواعد قانونية وجودة بيانات التدريب، وحماية المعلومات الشخصية، وحقوق الملكية الفكرية، وعدم التمييز على أساس الخصائص المحمية قانونًا.
كما تناولت الشفافية التي يتعين على شركات الذكاء الاصطناعي توفيرها، ودقة منتجاتها وموثوقيتها.
وبموجب هذه الإجراءات، يتعين على الشركات معالجة المشكلات التي يتم اكتشافها في خدماتها، كما تخضع الخدمات لتقييمات أمنية لفحص المخاطر ومدى توافقها مع التشريعات الصينية.
ويتعين كذلك على الشركات تقديم معلومات خوارزمياتها إلى السلطات الصينية ضمن إجراءات التسجيل والإيداع التنظيمي.
ورغم اختلاف هذه الآليات عن فكرة وجود جهات تقييم مستقلة داخل شركات الذكاء الاصطناعي التي اقترحها أمودي، فإنها تؤدي بعض الوظائف المتشابهة، خصوصًا فيما يتعلق بتقييم المخاطر ومراقبة الامتثال.
الصين تنتقل إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم
وفي سبتمبر 2026، نشرت الصين أحدث مجموعة من إجراءاتها تحت اسم إطار حوكمة سلامة الذكاء الاصطناعي 3.0.
ويضع الإطار نهجًا واسعًا لتحديد المخاطر وتصنيفها والاستجابة لها طوال دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويبني الإطار الجديد على إصدارات سابقة، ويتناول مخاطر نماذج الذكاء الاصطناعي والبيانات، ونقاط الضعف في نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، وتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل والمجتمع، إضافة إلى الأنظمة التي تتمتع بدرجات متزايدة من الاستقلالية.
كما يتضمن آلية مخصصة لإدارة المخاطر المرتبطة بالتطور السريع لما يعرف باسم وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents)، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام استجابة لتعليمات المستخدم.
ويتعامل الإطار مع بعض المخاطر التي أصبحت مصدر قلق متزايد في وادي السيليكون، ومن بينها الأنظمة شديدة الاستقلالية، وإمكانية إساءة استخدام تقنيات كيميائية وبيولوجية ونووية، فضلًا عن احتمال فقدان البشر السيطرة على أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة.
ويقترح الإطار إجراء تقييمات مستمرة للسلامة، وتطبيق إجراءات حماية تعتمد على مستوى المخاطر، والإبقاء على الإنسان في موقع التحكم، إلى جانب آليات للتدخل في حالات الطوارئ.
ووصف تحليل مستقل صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي هذا الإطار بأنه محاولة صينية لتعزيز سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة دون الاعتماد على تدخلات تنظيمية شديدة الصرامة.
هل يعني ذلك أن النموذج الصيني يصلح للجميع؟
لا يعني وجود منظومة تنظيمية متقدمة في الصين أن قواعدها يمكن نقلها ببساطة إلى الولايات المتحدة أو دول أخرى.
فالمؤسسات الصينية، والتقاليد التنظيمية، والأولويات التكنولوجية تختلف عن نظيراتها في الدول الأخرى.
لكن عددًا من الوظائف التي تُطرح حاليًا في الولايات المتحدة باعتبارها أهدافًا تنظيمية ملحة موجود بالفعل ضمن منظومة حوكمة الذكاء الاصطناعي الصينية، ومن بينها تقييم الأنظمة، ومساءلة شركات الذكاء الاصطناعي، وتصنيف المخاطر، وتسجيل الخوارزميات، ووضع المعايير التقنية، والرقابة الحكومية.
وفي الولايات المتحدة، يمكن للحكومة أن تختار نموذجًا يعتمد بدرجة أكبر على السوق، بما يتناسب مع رؤيتها للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
وقد تبنت إدارة الرئيس دونالد ترامب نهجًا وطنيًا وصفته بأنه “قليل العبء التنظيمي” فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، وسعت إلى الحد من بعض أشكال التنظيم الأكثر تشددًا على مستوى الولايات.
من يتحمل مسؤولية أضرار الذكاء الاصطناعي؟
يثير الاعتماد على نموذج تقوده السوق سؤالًا آخر يتعلق بالمسؤولية القانونية عن الأضرار المحتملة للذكاء الاصطناعي.
فبينما تستطيع الشركات الأمريكية تحقيق المكاسب التجارية من تطوير هذه التكنولوجيا، قد تتحمل حكومات ودول أخرى تكاليف التحقيق في الحوادث الأمنية، وحماية أنظمتها العامة، ومعالجة التداعيات الأوسع عندما تفشل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويشير المقال إلى حادثة تورط فيها وكيل للذكاء الاصطناعي تابع لشركة OpenAI في الوصول بصورة غير مصرح بها إلى خدمة صحية حكومية في أستراليا باعتبارها مثالًا على المخاطر العابرة للحدود التي يمكن أن تنتج عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي حال اختارت واشنطن عدم فرض ضوابط واسعة قبل إطلاق أنظمة الذكاء الاصطناعي، فإنها ستحتاج إلى نظام قانوني واضح يحدد المسؤولية عن الأضرار التي قد تسببها هذه النماذج.
وغياب مثل هذا الإطار قد يضع الدول التي تعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعي أجنبية أمام أسئلة أكثر صعوبة بشأن التكنولوجيا التي يمكن الوثوق بها، والشروط التي تحكم استخدامها.
الذكاء الاصطناعي بين سرعة التطوير وسلامة المجتمع
اعتمد قطاع التكنولوجيا في وادي السيليكون لسنوات على فلسفة تقوم على التطوير السريع وتحمل مخاطر الفشل، لكن المقال يرى أن هذه الفلسفة تصبح أكثر إشكالية عندما يتعلق الأمر بتكنولوجيا تدخل بصورة متزايدة في تفاصيل الحياة العامة.
وتزداد حساسية المسألة مع تحذير بعض قادة شركات الذكاء الاصطناعي أنفسهم من إمكانية تسبب منتجاتهم في أضرار بالغة أو حتى كارثية.
وفي الصين، أصبح قطاع الذكاء الاصطناعي محاطًا بالفعل بمجموعة من الالتزامات العامة والرقابة التنظيمية وأطر متطورة لتقييم المخاطر.
ومن ثم، فإن النقاش العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدأ من فراغ؛ فإحدى أكبر القوى العالمية في مجال التكنولوجيا تمتلك بالفعل تجربة تنظيمية واسعة تتطور بالتوازي مع تطور التكنولوجيا نفسها.
والتحدي المطروح عالميًا لا يتعلق فقط بما إذا كان ينبغي تنظيم الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضًا بكيفية تنظيمه، ومن يتحمل المسؤولية عن مخاطره، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين سرعة الابتكار وحماية المجتمع من الأضرار المحتملة.





