ارتفاع ثاني أكسيد الكربون قد يبطئ تمدد الأراضي الجافة حول العالم.. دراسة تكشف مفاجأة
شمال أفريقيا والبرازيل وأستراليا في دائرة الخطر.. خريطة جديدة لمناطق الجفاف
كشفت دراسة جديدة أن استجابة النباتات لارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون (CO₂) في الغلاف الجوي قد تحد من التوسع المتوقع للأراضي الجافة خلال العقود المقبلة، في نتيجة تشير إلى أن تأثير تغير المناخ على الجفاف أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر.
وتُعرَّف الأراضي الجافة بأنها المناطق التي تكون فيها كميات الأمطار منخفضة مقارنة بقدرة الغلاف الجوي على سحب المياه من التربة والنباتات. ويثير توسع هذه المناطق مخاوف متزايدة في ظل تغير المناخ، نظرًا لما يمكن أن يسببه من تفاقم ندرة المياه وتدهور الأراضي والتصحر، فضلًا عن تأثيراته في السكان والنظم البيئية.
لكن الدراسة الجديدة، المنشورة في دورية Environmental Research Letters، تشير إلى أن العديد من التقديرات السابقة ربما بالغت في حجم التوسع المستقبلي للأراضي الجافة، لأنها لم تأخذ في الاعتبار بصورة كافية التغير في استخدام النباتات للمياه مع ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون.
كيف تُحدد مساحة الأراضي الجافة؟
يعتمد العلماء عادةً في تحديد المناطق الجافة على ما يعرف باسم مؤشر الجفاف، وهو مقياس يقارن بين كمية الهطول ومعدل التبخر-النتح المحتمل.
ويشير التبخر-النتح المحتمل إلى أقصى كمية من المياه يمكن أن تتبخر من التربة وتنتقل عبر النباتات إلى الغلاف الجوي إذا كان إمداد المياه متاحًا بصورة غير محدودة.
وتختلف تقديرات المساحة الحالية للأراضي الجافة من دراسة إلى أخرى، إذ تراوحت التقديرات السابقة بين نحو 37% و47% من إجمالي مساحة اليابسة، اعتمادًا على البيانات والطرق المستخدمة في الحساب.
ويرى الباحثون أن جزءًا من هذا التباين يرجع إلى اختلاف بيانات المناخ المستخدمة في حساب الأمطار والتبخر-النتح المحتمل.
كما أن العديد من التقييمات السابقة اعتمدت على بيانات مناخية تعود إلى ما قبل عام 2010، في وقت شهدت فيه الظروف المناخية العالمية تغيرات ملحوظة خلال العقد الماضي، إلى جانب زيادة حدة بعض حالات الجفاف وتغير التفاعلات بين سطح الأرض والغلاف الجوي.
وبما أن حدود الأراضي الجافة تُحدد من خلال مؤشر يجمع بين إمدادات المياه والطلب التبخري للغلاف الجوي، فإن أي تغير في أحد العاملين يمكن أن يؤدي إلى تغير مساحة الأراضي المصنفة باعتبارها جافة.

ارتفاع CO₂ يغير حسابات تبخر المياه
تختلف الدراسة الجديدة عن كثير من التقديرات السابقة في أنها تضع استجابة النباتات لارتفاع ثاني أكسيد الكربون ضمن الحسابات.
فعندما ترتفع مستويات CO₂ في الغلاف الجوي، يمكن للنباتات أن تقلل فقد المياه من خلال عملية النتح، وهي العملية التي تفقد خلالها النباتات المياه عبر فتحات صغيرة تُعرف باسم الثغور في أوراقها.
وتعني هذه الاستجابة أن النباتات قد تستخدم كميات أقل من المياه مقارنة بما تفترضه بعض النماذج التي لا تأخذ هذه الآلية في الاعتبار.
ولذلك، فإن تقدير مستقبل الأراضي الجافة اعتمادًا على ارتفاع درجات الحرارة والتبخر وحدهما قد لا يعكس الصورة الكاملة للتغيرات التي تحدث على سطح الأرض.
38.58% من اليابسة كانت أراضي جافة
استخدم الباحثون بيانات مناخية تاريخية إلى جانب توقعات صادرة عن 19 نموذجًا مناخيًا رئيسيًا، ودرسوا ثلاثة سيناريوهات مختلفة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
كما قسموا الأراضي الجافة إلى عدة فئات، بدءًا من المناطق شبه الجافة وصولًا إلى المناطق شديدة الجفاف، وقارنوا بين حسابات التبخر التقليدية وحسابات أخرى تأخذ في الاعتبار تأثير ارتفاع CO₂ على استخدام النباتات للمياه.
وأظهرت النتائج أن الأراضي الجافة غطت نحو 38.58% من مساحة اليابسة في العالم، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خلال الفترة من 1994 إلى 2023.
وكانت المناطق شبه الجافة تمثل النسبة الأكبر من الأراضي الجافة عالميًا.
أما المناطق شديدة الجفاف، فظهرت بشكل خاص في مناطق من الجزائر وليبيا والمملكة العربية السعودية.
كما وجد الباحثون أن المساحة العالمية للأراضي الجافة ارتفعت إجمالًا بين عامي 1960 و2023، لكن وتيرة هذا التوسع تباطأت خلال العقود الأخيرة.
التوسع المتوقع بحلول 2100 أقل عند احتساب دور النباتات
تكشف التوقعات المستقبلية عن اختلاف واضح عندما يتم إدخال استجابة النباتات لارتفاع CO₂ في الحسابات.
ففي ظل سيناريو الانبعاثات الأعلى، يُتوقع أن تغطي الأراضي الجافة نحو 40.28% من مساحة اليابسة بحلول عام 2100، بزيادة تعادل نحو 2.37 مليون كيلومتر مربع.
أما في سيناريو الانبعاثات الأدنى، فتشير النماذج إلى أن الأراضي الجافة قد تغطي نحو 39.31% من اليابسة، مع تغير مقدر بنحو 1.09 مليون كيلومتر مربع.
لكن عندما استبعد الباحثون تأثير CO₂ في النباتات، ارتفعت النسبة المتوقعة للأراضي الجافة في سيناريو الانبعاثات المرتفعة من 40.28% إلى 42.11%.
ويعادل هذا الفارق نحو 2.44 مليون كيلومتر مربع، أي مساحة تقارب 942 ألف ميل مربع.
وتشير النتيجة إلى أن الطريقة التي تستجيب بها النباتات لارتفاع ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يكون لها تأثير كبير على تقديرات مستقبل الجفاف عالميًا.
لكن الباحثين لا يعتبرون هذه الآلية حلًا لأزمة تغير المناخ أو الجفاف، وإنما عاملًا من عدة عوامل يجب إدخاله في النماذج المناخية بصورة أكثر دقة.

أستراليا وشمال أفريقيا في بؤرة مخاطر الجفاف
رغم التأثير المحتمل لاستجابة النباتات، تشير الدراسة إلى استمرار وجود مناطق معرضة لمخاطر الجفاف المتزايد.
وبرزت أستراليا وشرق البرازيل وأجزاء من شمال أفريقيا باعتبارها مناطق تشهد مخاطر مستمرة أو ناشئة من زيادة الجفاف.
في المقابل، أظهرت أجزاء من شمال وشمال غرب الصين اتجاهات مستمرة نحو زيادة الرطوبة.
وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير تغير المناخ على الأراضي الجافة لن يكون متجانسًا في مختلف أنحاء العالم، إذ يمكن لبعض المناطق أن تصبح أكثر جفافًا، بينما تشهد مناطق أخرى اتجاهًا معاكسًا.
انخفاض التوسع العالمي لا يعني اختفاء مخاطر الجفاف
ومن أبرز نتائج الدراسة أن التركيز على صافي التغير العالمي في مساحة الأراضي الجافة قد يخفي تغيرات إقليمية كبيرة.
فعلى الرغم من أن الزيادة الإجمالية المتوقعة في مساحة الأراضي الجافة تبدو محدودة نسبيًا، فإن مواقع المناطق الجافة نفسها يمكن أن تتغير بصورة كبيرة، مع انتقال بعض المناطق من ظروف أكثر جفافًا إلى ظروف أكثر رطوبة، أو العكس.
وفي ظل سيناريو الانبعاثات المرتفعة SSP585، وصلت المناطق التي تشهد انتقالات بين بؤر الجفاف والرطوبة إلى نحو 13% من مساحة اليابسة، مع هيمنة الانتقالات من الجفاف إلى الرطوبة التي غطت نحو 11.4% من مساحة اليابسة.
وبحسب الباحثين، ترتفع نسبة التغيرات المناخية التي تؤثر في المناطق والأنواع المناخية المختلفة إلى نحو 14.75% من مساحة اليابسة العالمية، رغم أن الزيادة الصافية في نسبة الأراضي الجافة لا تتجاوز 1.7 نقطة مئوية مقارنة بخط الأساس للفترة 1994–2023.
وهذا يعني أن الرقم العالمي الإجمالي لا يعكس بالضرورة حجم التغيرات التي قد تواجهها مناطق بعينها.
حدود الدراسة والحاجة إلى نماذج أكثر دقة
يحذر الباحثون من أن أكبر اختلاف بين النماذج المناخية يظهر عادةً عند حواف المناطق الجافة، حيث يمكن لتغيرات صغيرة في المناخ أن تنقل منطقة بأكملها من تصنيف مناخي إلى آخر.
كما أن الدراسة لا تتضمن بصورة كاملة بعض العوامل البشرية التي يمكن أن تغير توافر المياه، مثل الري، وضخ المياه الجوفية، وتغير استخدامات الأراضي، والطلب البشري على المياه.
ويرى الفريق أن الدراسات المستقبلية يمكن أن تحسن تقديرات توسع الأراضي الجافة من خلال اختبار طرق متعددة لحساب التبخر، واستخدام نماذج أكثر تفصيلًا للتفاعلات بين الأرض والغلاف الجوي.
كما يمكن دمج التوقعات المناخية مع التغيرات في الغطاء النباتي ورطوبة التربة والمياه الجوفية والري وإدارة الأراضي.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل الأراضي الجافة لا يمكن اختزاله في معادلة بسيطة تربط ارتفاع الحرارة بزيادة التبخر؛ فاستجابة النباتات لارتفاع ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب التغيرات في هطول الأمطار واستخدام المياه والتفاعلات بين الغطاء النباتي والغلاف الجوي، يمكن أن تعيد تشكيل خريطة الجفاف عالميًا خلال العقود المقبلة.





