انبعاثات الميثان في نيويورك أعلى 3 مرات من التقديرات الرسمية.. أين يختفي الغاز؟
الميثان فوق الأسطح وليس تحت الأرض.. دراسة تعيد رسم خريطة تسرب الغاز في نيويورك
بعد سنوات من الجهود لإصلاح تسربات الغاز الطبيعي واستبدال خطوط الأنابيب القديمة تحت شوارع المدن، كشفت دراسة جديدة أن المصدر الأكبر لانبعاثات الميثان المرتبطة بالغاز الطبيعي في منطقة نيويورك قد لا يكون تسرب الغاز من الشبكات، وإنما احتراقه بصورة غير كاملة داخل المباني.
وتوصل باحثون إلى أن الميثان الموجود في هواء منطقة نيويورك يحمل بصمة كيميائية تشير إلى أن معظم الانبعاثات المرتبطة بالغاز الطبيعي تأتي من الغاز الذي وصل إلى المباني ثم احترق بصورة غير كاملة، وليس فقط من الغاز الذي تسرب قبل الاحتراق.
وقدّر الباحثون كمية الغاز المفقودة بهذه الطريقة بنحو 1.7% من إجمالي الغاز الذي تم تسليمه إلى منطقة نيويورك وشمال شرق نيوجيرسي، بقيمة تقترب من 300 مليون دولار سنويًا وفق أسعار التجزئة خلال عامي 2023 و2024.
لكن الباحثين يحذرون من التعامل مع هذا الرقم باعتباره مبلغًا يمكن استرداده بالكامل، إذ إن الدراسة لم تحدد بعد كمية الميثان التي يمكن منع انبعاثها أو استعادتها عمليًا.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Atmospheric Chemistry and Physics.
بصمة كيميائية تكشف مصدر الميثان
قاد الدراسة يوي وي تشاو، طالب الدكتوراه في قسم علوم الأرض والبيئة بجامعة كولومبيا، بالتعاون مع باحثين من الجامعة ومرصد لامونت دوهرتي لرصد الأرض.
واعتمد الفريق على طريقة كيميائية للتمييز بين مصادر الميثان المختلفة.
فالغاز الطبيعي يتكون أساسًا من الميثان، ويحتوي عادةً على كميات صغيرة من الإيثان، بينما تنتج مصادر أخرى للميثان، مثل مكبات النفايات ومحطات معالجة مياه الصرف والأراضي الرطبة، الميثان من دون الإيثان المصاحب للغاز الطبيعي.
لذلك، عندما يرتفع تركيز الميثان والإيثان معًا في الهواء، يمكن أن تكون الإشارة دليلًا على أن مصدر الميثان هو الغاز الطبيعي.
لكن الباحثين استخدموا أول أكسيد الكربون للإجابة عن سؤال آخر: هل جاء الغاز من تسرب لم يشتعل، أم من عملية احتراق؟
ويتكون أول أكسيد الكربون عندما يحترق الوقود الكربوني بصورة غير كاملة. وبالتالي فإن وجود الميثان الناتج عن الغاز الطبيعي مع إشارة إلى الاحتراق يشير إلى أن جزءًا من الغاز وصل إلى شعلة أو جهاز احتراق ولم يتحول بالكامل إلى نواتج الاحتراق المتوقعة.

قياسات دقيقة من برج في لونغ آيلاند
جاءت البيانات من برج مينولا في لونغ آيلاند، وهو موقع للرصد تديره المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا الأميركي «NIST».
ويستقبل البرج الهواء القادم من مانهاتن وغرب لونغ آيلاند عندما تهب الرياح من الغرب، ما يسمح برصد بصمة الانبعاثات القادمة من المنطقة الحضرية.
ويمتد سجل قياسات الميثان بالساعة من يناير 2023 إلى ديسمبر 2024.
وخلال أجزاء من خمسة أشهر، شملت مايو إلى أغسطس 2023 وأسبوعين في فبراير 2024، أجرى الفريق قياسات للميثان والإيثان وأول أكسيد الكربون مرة كل ثانية، وهي دقة زمنية سمحت للباحثين بفصل الإشارات المختلفة للانبعاثات.
الميثان يرتفع في الشتاء والصيف
كانت إحدى المفاجآت أن انبعاثات الميثان لم ترتفع خلال فصل الشتاء فقط.
فقد بلغت الانبعاثات ذروتها خلال موسم التدفئة الشتوي، ثم تراجعت إلى أدنى مستوياتها في مايو، قبل أن ترتفع مرة أخرى خلال يونيو ويوليو وأغسطس.
وأظهرت النتائج أن الغاز الطبيعي كان مسؤولًا عن نحو 99% من الميثان في فبراير و98% في مايو، بينما تراوحت حصته بين 85% و88% خلال أشهر الصيف التي شملتها القياسات.
وفي المقابل، ظلت الأراضي الرطبة ومكبات النفايات ومحطات معالجة مياه الصرف مصادر محدودة للميثان خلال الأشهر التي جرى قياسها.
ويرجح الباحثون أن يكون جزء من الارتفاع الصيفي مرتبطًا بالمباني الكبيرة التي تستخدم الغاز الطبيعي في تشغيل أنظمة التبريد بدلًا من الاعتماد الكامل على الكهرباء.
وقالت رويزين كومين، الأستاذة المشاركة بجامعة كولومبيا والباحثة في مرصد لامونت دوهرتي، إن الفريق كان يتوقع أن يهيمن الطلب الشتوي على انبعاثات الميثان، لكن الإشارة الصيفية أظهرت ضرورة تتبع هذه الانبعاثات على مدار العام.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية مع ارتفاع الطلب على التبريد نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ، إذ تشير توقعات الطاقة إلى أن احتياجات التبريد العالمية قد تتزايد بصورة كبيرة خلال العقود المقبلة.
الانبعاثات أعلى 3 مرات من التقديرات الرسمية
عندما مرت أعمدة من الغاز فوق موقع الرصد، حملت معها في الغالب الإشارة الكيميائية المرتبطة بالاحتراق.
ولم تظهر إشارة واضحة إلى الاحتراق سوى في 6% من أعمدة الميثان خلال الشتاء و7% خلال الصيف، وهي المجموعة التي يمكن أن تتوافق مع تسربات خطوط الأنابيب غير المرتبطة بالاحتراق.
كما ارتبطت انبعاثات الميثان، شهرًا بعد شهر، بكميات الغاز التي جرى تسليمها إلى المنطقة.
وبناءً على هذه العلاقة، قدر الباحثون أن نحو 1.7%، بهامش خطأ قدره 0.6%، من الميثان الموجود في الغاز الذي تم ضخه إلى نيويورك وشمال شرق نيوجيرسي يفقد إلى الغلاف الجوي.
لكن الجرد المحلي للانبعاثات كان يفترض أن نحو 0.5% فقط من الغاز يضيع بعد مروره عبر عداد العميل.
وهذا يعني أن التقدير المستنتج من القياسات الجديدة يبلغ نحو ثلاثة أضعاف الافتراض المستخدم في حسابات الانبعاثات المحلية.
وسجلت دراسات أخرى نسبًا مختلفة لفقد الميثان في مدن ومناطق أميركية أخرى، منها نحو 2.5% إلى 2.7% في بوسطن، و1.3% إلى 2.3% في لوس أنجلوس، ونحو 1.3% في منطقة بالتيمور وواشنطن.

لماذا يمثل الميثان مشكلة كبيرة للمناخ؟
يعد الميثان أحد أهم غازات الاحتباس الحراري، وتزداد أهمية خفض انبعاثاته بسبب تأثيره القوي على الاحترار خلال الفترات الزمنية القصيرة.
وعلى مدى 20 عامًا، يمتلك الميثان قدرة على حبس الحرارة تزيد على 80 مرة مقارنة بثاني أكسيد الكربون وفق مقياس الاحترار المستخدم في تقييم تأثير الغازات الدفيئة.
وفي الوقت نفسه، يبقى الميثان في الغلاف الجوي لفترة أقصر بكثير من ثاني أكسيد الكربون، إذ يبلغ عمره الجوي نحو عقد تقريبًا.
ولهذا السبب، فإن تقليل انبعاثاته يمكن أن يساهم في الحد من معدل الاحترار خلال المدى القريب.
أين توجد المشكلة بالضبط؟
لا تستطيع قياسات البرج تحديد الجهاز أو المبنى الذي تسبب في الانبعاثات.
فالبرج يرصد خليط الهواء القادم من منطقة حضرية واسعة، ولذلك لا يمكن للدراسة وحدها تحديد ما إذا كانت المصادر الرئيسية هي الغلايات أو الأفران أو وحدات التبريد التي تعمل بالغاز الطبيعي فوق أسطح المباني.
كما أن القياسات عالية الدقة لم تغطِ سوى أجزاء من خمسة أشهر من فترة الدراسة التي امتدت لعامين، وكانت حالة عدم اليقين أكبر خلال الصيف.
ويربط الباحثون بعض هذا التباين بتغير مصادر الهواء الخلفية والنشاط في الأراضي الرطبة.
كما أجرى الفريق مقارنة أخرى شملت إجمالي الميثان بدلًا من حصة الميثان القادمة من الغاز الطبيعي وحده، وخرج بتقدير يبلغ نحو 1.3% من الغاز المسلم.
وكان الارتباط في هذه الحالة أضعف، لكن النتيجة لا تزال أعلى بنحو مرتين ونصف من تقديرات الجرد الرسمي.
إصلاح تسربات الأنابيب لا يزال ضروريًا
رغم تركيز الدراسة على الميثان الناتج عن الاحتراق غير الكامل، فإن الباحثين لا يعتبرون ذلك سببًا للتوقف عن إصلاح تسربات الغاز التقليدية.
وعندما سُئلت يوي وي تشاو عن الإجراء الذي يمكن لأصحاب المباني أو شركات المرافق اتخاذه، أكدت أن الصيانة الدورية لغلايات الغاز تظل ضرورية لأسباب تتعلق بالسلامة.
لكنها أشارت إلى أن الأبحاث المستقبلية يجب أن تتوسع لتشمل الميثان الناتج أثناء عمليات الاحتراق نفسها، وليس فقط التسربات الموجودة في خطوط الغاز.
ولا يزال من غير المعروف مقدار الميثان المفقود الذي يمكن منعه أو استعادته اقتصاديًا، إذ تحتاج المسألة إلى دراسات إضافية لتحديد حجم «إشارة الاحتراق» ومصادرها بدقة أكبر.
كما أن قيمة 300 مليون دولار سنويًا هي تقدير لقيمة الغاز المرتبط بالانبعاثات وفق البيانات والأسعار المستخدمة في الدراسة، وليست وفورات مالية تحققت بالفعل أو مبلغًا يمكن استرداده بالكامل.
من تحت الشوارع إلى فوق الأسطح
تقدم الدراسة زاوية جديدة لفهم انبعاثات الميثان في المدن الكبرى.
ففي الوقت الذي ركزت فيه جهود كثيرة على البحث عن التسربات في شبكات الغاز الموجودة تحت الشوارع، تشير القياسات الجوية الجديدة إلى أن جزءًا كبيرًا من المشكلة قد يكون مرتبطًا بالغاز الذي يصل بالفعل إلى المباني ثم لا يحترق بصورة كاملة.
ويعني ذلك أن الحد من انبعاثات الميثان في المدن قد يتطلب النظر إلى كفاءة أجهزة احتراق الغاز وصيانتها وتشغيلها إلى جانب أعمال إصلاح شبكات الغاز واستبدال خطوط الأنابيب القديمة.





