تغير الغطاء النباتي يربك نماذج جودة الهواء ويزيد أخطاء التوقعات
تغير الغابات بفعل المناخ يؤثر مباشرة في جودة الهواء الذي نتنفسه
كشفت دراسة علمية حديثة أن تغير المناخ لا يقتصر تأثيره على ارتفاع درجات الحرارة أو تغير النظم البيئية، بل يمتد أيضًا إلى التأثير في جودة الهواء، إذ يؤدي إلى تغير تركيبة الغابات والغطاء النباتي، وهو ما قد يزيد من تكوين الملوثات الجوية ويجعل التنبؤ بمستويات تلوث الهواء أقل دقة.
وأوضح الباحثون أن العديد من نماذج التنبؤ بجودة الهواء في شرق آسيا لا تزال تعتمد على بيانات للغطاء النباتي تعود إلى عام 2003، رغم أن الغابات شهدت تغيرات كبيرة خلال العقدين الماضيين نتيجة إعادة التشجير، وتغير استخدامات الأراضي، وتأثيرات الاحتباس الحراري.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Environmental Research.

الغابات مصدر طبيعي لمركبات تؤثر في جودة الهواء
تطلق النباتات مركبات عضوية متطايرة حيوية، أبرزها الإيزوبرين والمونوتربين، وهي مواد تتفاعل مع ملوثات أخرى في الغلاف الجوي لتكوين الأوزون القريب من سطح الأرض والجسيمات العضوية الدقيقة الثانوية، وهما من الملوثات الرئيسة التي تؤثر في صحة الإنسان وجودة الهواء.
وتعتمد كمية هذه المركبات المنبعثة على نوع الغطاء النباتي وكثافته، ما يعني أن أي تغير في الغابات ينعكس مباشرة على حجم الانبعاثات الطبيعية.
مقارنة بين خرائط الغابات القديمة والحديثة
أجرى الدراسة باحثون من جامعة بوسان الوطنية في كوريا الجنوبية بالتعاون مع المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية في النمسا، حيث استخدموا نموذج WRF-Chem لمحاكاة كيمياء الغلاف الجوي، إلى جانب نموذج MEGAN الخاص بحساب الانبعاثات الحيوية.
واستبدل الباحثون بيانات الغطاء النباتي المستخدمة في النماذج، والتي تعود إلى عام 2003، ببيانات أقمار صناعية حديثة لعام 2024، مع تثبيت جميع العوامل الأخرى، بما فيها الظروف الجوية، لضمان أن أي اختلاف في النتائج يعود فقط إلى تغير الغطاء النباتي.
وقالت الباحثة هيو-جونج لي إن النتائج أظهرت أن “تحديث بيانات الغطاء النباتي وحده يمكن أن يغير بصورة كبيرة تقديرات الانبعاثات الحيوية، وتركيزات الأوزون، والجسيمات العضوية الثانوية في الغلاف الجوي.”

اختلاف التأثير بين المدن والريف
أظهرت الدراسة أن التغيرات لم تكن متساوية في جميع المناطق، إذ ازدادت كثافة الغطاء النباتي في أجزاء واسعة من الصين، بينما تراجعت في مناطق من اليابان.
كما تبين أن الضواحي سجلت أكبر زيادة في تكوين الملوثات، نتيجة اجتماع توسع الغطاء النباتي مع ارتفاع انبعاثات أكاسيد النيتروجين الناتجة عن الأنشطة البشرية، وهي الظروف المثالية لتكوين الملوثات الثانوية.
أما المدن الكبرى فلم تشهد تغيرًا كبيرًا بسبب محدودية المساحات الخضراء، في حين لم تسجل المناطق الريفية زيادات كبيرة في التلوث، رغم زيادة الغطاء النباتي، بسبب انخفاض مستويات أكاسيد النيتروجين اللازمة لإتمام التفاعلات الكيميائية.

أهمية تحديث نماذج التنبؤ
أكد الباحثون أن الاعتماد على خرائط نباتية قديمة لا يؤدي إلى أخطاء بسيطة في التوقعات، بل قد يتسبب في تقديرات غير دقيقة تختلف من منطقة إلى أخرى، وهو ما يحد من قدرة الجهات المختصة على إصدار تحذيرات دقيقة بشأن تلوث الهواء.
وأشار فريق الدراسة إلى أن إدخال بيانات الأقمار الصناعية الحديثة بشكل دوري في نماذج جودة الهواء سيحسن دقة التنبؤات اليومية، ويساعد صناع القرار على وضع سياسات أكثر فاعلية للتعامل مع آثار تغير المناخ وتدهور جودة الهواء.
وركزت الدراسة على شهر أغسطس 2024، باعتباره الفترة التي تبلغ فيها النباتات أعلى مستويات النشاط والانبعاثات الحيوية، فيما يعتزم الباحثون توسيع الدراسة لتشمل بقية فصول العام وتحليل التأثيرات طويلة المدى لتغير الغطاء النباتي على كيمياء الغلاف الجوي.





