لا يوجد مكان آمن على وجه الأرض.. ما هي الدولة الأفضل استعدادًا لكوارث العالم الكبرى؟
إذا حدثت أسوأ كارثة على الأرض أين تهرب؟ هناك دولة قد تكون المكان الأكثر صمودًا؟
الحرب النووية والأوبئة والبراكين.. أين يكون البشر أكثر قدرة على النجاة؟
ماذا لو وقعت كارثة عالمية غير مسبوقة؟ وأين يمكن للبشر أن يجدوا مكانًا أكثر قدرة على الصمود إذا اجتمعت أخطر التهديدات، من الحرب النووية والأوبئة إلى تغير المناخ وثورات البراكين العملاقة وتأثيرات الكويكبات والهجمات السيبرانية؟
رغم أن الإجابة لا تعني وجود مكان آمن تمامًا، فإن دراسة علمية جديدة خلصت إلى أن أستراليا تبدو الدولة الأكثر قدرة على الصمود أمام مجموعة واسعة من المخاطر الكارثية العالمية.
وتوصل الباحثون إلى هذه النتيجة بعد مراجعة مئات الدراسات والتقارير العلمية التي تناولت تأثيرات الكوارث الكبرى على المجتمعات والدول، مع تحليل العوامل الجغرافية والاقتصادية والمؤسسية والبنية التحتية التي يمكن أن تحدد قدرة الدول على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية خلال الأزمات واسعة النطاق.
ونُشرت الدراسة في دورية Global Challenges، بقيادة فلوريان أولريش يهن، الباحث في العلوم البيئية بجامعة هاغن في ألمانيا.

هل توجد دولة آمنة تمامًا؟
الإجابة العلمية الواضحة هي: لا.
ويؤكد الباحثون أن لا مكان على الأرض يتمتع بالقدرة على مواجهة جميع المخاطر الكارثية العالمية بصورة كاملة، إلا أن أستراليا كانت الدولة الأكثر تكرارًا في الأدبيات العلمية باعتبارها دولة تتمتع بدرجة مرتفعة من القدرة على الصمود أمام هذه المخاطر.
وهذا لا يعني أن أستراليا محصنة من الكوارث، بل يعني أنها تمتلك مجموعة من الخصائص التي قد تمنحها قدرة أكبر نسبيًا على الحفاظ على وظائفها الأساسية ورفاه سكانها إذا تعرض العالم لاضطراب واسع النطاق.
ويقول الباحثون إن أستراليا كانت الدولة الوحيدة التي جرى تحديدها بصورة مباشرة باعتبارها تتمتع بالقدرة على الصمود أمام الأنواع الثلاثة الرئيسية من المخاطر الكارثية العالمية التي تناولتها الدراسة.
3 سيناريوهات قد تهز العالم
قسم الباحثون المخاطر الكارثية العالمية إلى ثلاثة أنواع رئيسية.
1. انخفاض مفاجئ في ضوء الشمس
يشمل هذا النوع الأحداث التي تؤدي إلى حجب أشعة الشمس بصورة مفاجئة، مثل الانفجارات البركانية الكبرى، أو الشتاء النووي، أو السحب الناتجة عن اصطدام كويكب ضخم بالأرض.
وقد يؤدي انخفاض كمية ضوء الشمس التي تصل إلى سطح الأرض إلى اضطرابات واسعة في الزراعة وإنتاج الغذاء والنظم البيئية.
2. انهيار البنية التحتية العالمية
أطلق الباحثون على هذا النوع اسم الخسارة الكارثية العالمية للبنية التحتية، ويشمل الأحداث التي تؤدي إلى تعطيل الأنظمة الحيوية التي تعتمد عليها المجتمعات الحديثة، مثل الكهرباء والنقل وإنتاج الغذاء.
وقد تنجم هذه الاضطرابات عن عواصف مغناطيسية أرضية شديدة، أو هجمات إلكترونية واسعة النطاق، أو أوبئة، أو نبضات كهرومغناطيسية عالية الارتفاع.
3. المخاطر البيولوجية الكارثية العالمية
يشمل هذا النوع الأخطار البيولوجية واسعة النطاق، سواء كانت طبيعية أو ناجمة عن النشاط البشري، والتي يمكن أن تتسبب في سقوط أعداد ضخمة من الضحايا وتعطيل المجتمعات على نطاق قاري أو عالمي.
وتندرج الأوبئة واسعة الانتشار ضمن السيناريوهات التي تثير هذا النوع من المخاطر.

ما الذي يجعل أستراليا أكثر صمودًا؟
اعتمد الباحثون على عدد من العوامل التي ترتبط بقدرة الدول على الصمود أمام الكوارث الكبرى.
ومن بين أبرز هذه العوامل: الاستقرار السياسي، والثراء الاقتصادي، وانخفاض مستويات عدم المساواة، وامتلاك قاعدة صناعية كبيرة، ووجود قدرة حكومية مرتفعة، إلى جانب الموقع الجغرافي البعيد، واللامركزية، والتنوع، وانخفاض الاعتماد على التجارة الخارجية، أو وجود شركاء تجاريين قريبين جغرافيًا.
وعندما وضع الباحثون هذه العوامل في الاعتبار، برزت أستراليا بصورة واضحة.
فموقعها الجغرافي كجزيرة كبيرة يمنحها درجة من العزلة عن بعض المخاطر التي يمكن أن تنتشر بسهولة عبر الحدود البرية، كما تتمتع بقدرات كبيرة في إنتاج الغذاء، وقطاع صناعي وتعديني واسع، وموارد من الوقود الأحفوري، إضافة إلى اقتصاد قوي ومؤسسات مستقرة نسبيًا.
وقال يهن إن أستراليا تتمتع بعدد من المزايا التي تجعلها أكثر قدرة على الصمود، فهي جزيرة يمكنها عزل نفسها بسهولة أكبر، وتنتج كميات كبيرة من الغذاء، وتمتلك صناعة محلية وقطاع تعدين كبيرًا، إلى جانب اقتصاد قوي ونظام ديمقراطي مستقر نسبيًا.

لكن أستراليا ليست بمنأى عن الخطر
رغم تصدر أستراليا القائمة، فإن الباحثين يحذرون من تفسير النتيجة باعتبارها إعلانًا عن وجود «ملاذ آمن» من الكوارث العالمية.
فالمزايا التي تمنح الدولة قدرة على مواجهة خطر معين يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف أمام خطر آخر.
وعلى سبيل المثال، يمنح الموقع الجغرافي لأستراليا كجزيرة كبيرة حماية من بعض المخاطر، لكنه يجعلها في الوقت نفسه أكثر اعتمادًا على أنظمة التجارة الدولية للحصول على بعض السلع الحيوية، ومنها الوقود والأدوية والأسمدة.
كما أن أستراليا تواجه بالفعل مخاطر واضحة نتيجة تغير المناخ.
ويقول يهن إن أستراليا لديها مشكلات واضحة مرتبطة بعواقب تغير المناخ، لكنها مع ذلك تؤدي بصورة جيدة في تقييم القدرة على الصمود أمام المخاطر الكارثية العالمية.
نيوزيلندا واليابان وسويسرا ضمن الدول الأكثر صمودًا
بعد أستراليا، برزت دول أخرى باعتبارها تتمتع بدرجات مرتفعة من القدرة على الصمود، من بينها نيوزيلندا واليابان وسويسرا والأرجنتين.
لكن الدراسة تؤكد أن أيًا من هذه الدول لا يخلو من نقاط ضعف.
فمعظم الدول التي وردت كثيرًا في الدراسات، باستثناء سويسرا، تمتلك سواحل طويلة يمكن أن تتعرض لموجات تسونامي ناجمة عن أجسام قريبة من الأرض.
كما يمكن أن تتأثر معظمها بانفجارات بركانية كبرى في جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية، على غرار ثوران بركان تامبورا عام 1815.
وجميع هذه الدول تقريبًا تعتمد بدرجات مختلفة على التجارة الدولية، ولهذا يؤكد الباحثون أن لا دولة على الأرض تمثل ملاذًا كاملًا من المخاطر الكارثية العالمية.

هل يمكن أن تصبح أستراليا مركزًا للنجاة العالمية؟
يرى الباحثون أن الدول التي تتمتع بهياكل قوية للصمود، وعلى رأسها أستراليا ونيوزيلندا، يمكن أن تؤدي مستقبلًا دورًا أكبر في تعزيز قدرة العالم على مواجهة الكوارث الكبرى.
ويمكن لهذه الدول، على سبيل المثال، استضافة مخزونات استراتيجية من الغذاء أو بنوك للبذور، بما يساعد على حماية الموارد الأساسية في حال تعرض سلاسل الإمداد العالمية للانهيار.
كما يمكن لقدراتها الصناعية أن تساعدها على مواصلة العمل خلال الأزمات الكبرى، ما يجعلها مواقع محتملة لتنسيق الاستجابة الدولية في حال وقوع كارثة عالمية واسعة النطاق.

الوقاية أهم من الاستعداد للنجاة
يركز الباحثون في النهاية على رسالة أكثر أهمية من البحث عن «أفضل مكان للاختباء».
فحتى الدول الأكثر قدرة على الصمود لن تكون محصنة من جميع المخاطر، ولذلك فإن الوقاية والاستعداد المسبق يظلان أكثر أهمية من الاعتماد على قدرة دولة واحدة على النجاة.
ويشير الباحثون إلى أن بعض المخاطر الكارثية، مثل الانفجارات البركانية الكبرى، لا يمكن منعها حاليًا، لكن الفارق بين المجتمعات التي تستثمر في بناء قدرتها على الصمود وتلك التي لا تفعل ذلك قد يظهر في عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها.
وهكذا، فإن نتيجة الدراسة لا تعني أن أستراليا ستكون «الناجية الوحيدة» إذا انهار العالم، وإنما تكشف أن القدرة على الصمود أمام الكوارث ليست مسألة حظ جغرافي فقط، بل نتيجة مزيج من الموقع، والاقتصاد، والغذاء، والطاقة، والبنية التحتية، والاستقرار السياسي، والقدرة على إدارة الأزمات.

وفي عالم يزداد تعرضه للمخاطر المتشابكة، قد يكون الدرس الأهم هو أن الدول الأكثر استعدادًا هي التي تمتلك أفضل فرص الحفاظ على حياة سكانها واستمرار وظائفها الأساسية عندما تحدث الكارثة.





