الموازنة الخضراء .. كيف تعيد الدولة توجيه الإنفاق نحو الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة؟
أستاذ قانون بيئي: 6 قطاعات تتصدر الإنفاق الأخضر في مصر.. أبرزها الطاقة والنقل والمياه
كتب: محمد كامل
لم تعد حماية البيئة ومواجهة تغير المناخ ملفًا منفصلًا عن السياسات المالية للدول، بل أصبحت طريقة إنفاق المال العام نفسها جزءًا من المعركة من أجل مستقبل أكثر استدامة. فمن خلال الموازنة الخضراء، تستطيع الحكومات إعادة النظر في أولويات الإنفاق، وتوجيه الموارد إلى المشروعات والبرامج التي تحقق عائدًا اقتصاديًا وبيئيًا في الوقت نفسه، مع الحد من تمويل الأنشطة التي تزيد الضغوط على البيئة والمناخ.
وفي هذا السياق، شرحت الدكتورة سحر حافظ، أستاذ القانون البيئي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، خلال محاضرة لها في البرنامج التدريبي «رائد بيئي» الذي ينظمه مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية، مفهوم الموازنة الخضراء وآليات تطبيقها، ودورها في توجيه الإنفاق العام نحو التنمية المستدامة ودعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر.
ما هي الموازنة الخضراء؟
أوضحت حافظ أن الموازنة الخضراء هي منهجية لإدماج الأهداف البيئية والمناخية في دورة إعداد وتنفيذ ومتابعة الموازنة العامة للدولة، بما يضمن توجيه الإنفاق العام والإيرادات بصورة تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، وتحد من الآثار السلبية على البيئة وتغير المناخ.
ولا تقتصر الموازنة الخضراء على تخصيص مبالغ مالية للمشروعات البيئية، وإنما تقوم على تقييم مدى اتساق السياسات المالية والبرامج الحكومية مع الأهداف البيئية والمناخية للدولة.
وبذلك يصبح البعد البيئي جزءًا من عملية اتخاذ القرار المالي، وليس مجرد اعتبار إضافي يأتي بعد تحديد أولويات الإنفاق.

أداة للحوكمة البيئية والمالية
وأكدت حافظ أن الموازنة الخضراء تعد إحدى أدوات الحوكمة البيئية والمالية، لأنها تساعد الحكومات على تحديد المشروعات والبرامج التي تترك آثارًا إيجابية أو سلبية على البيئة.
كما تتيح ربط المخصصات المالية بمؤشرات الأداء البيئي والمناخي، بحيث لا يكون الإنفاق العام قائمًا فقط على حجم الأموال المخصصة، وإنما على النتائج التي يحققها هذا الإنفاق على أرض الواقع.
وتساعد هذه المنهجية في الإجابة عن أسئلة مهمة عند إعداد الموازنة، من بينها: هل يسهم المشروع في خفض الانبعاثات؟ وهل يحسن استخدام الموارد الطبيعية؟ وما تأثيره على جودة الهواء والمياه؟ وهل يدعم قدرة المجتمع على التكيف مع تغير المناخ؟
لماذا تحتاج مصر إلى الموازنة الخضراء؟
وأوضحت حافظ أن أحد أبرز أهداف الموازنة الخضراء هو توجيه الإنفاق العام نحو مشروعات التنمية المستدامة، ودعم التحول إلى اقتصاد أخضر منخفض الانبعاثات.
كما تستهدف تعزيز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتحقيق الالتزامات الوطنية والدولية المرتبطة بالمناخ، بما يجعل السياسة المالية أداة فاعلة في تحقيق الأهداف البيئية، بدلًا من أن تكون منفصلة عنها.
وتزداد أهمية هذا النهج مع تصاعد التحديات المرتبطة بتغير المناخ والموارد الطبيعية، والحاجة إلى توجيه الاستثمارات العامة نحو قطاعات تحقق فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية طويلة الأجل.
كيف يتم تنفيذ الموازنة الخضراء؟
وأشارت حافظ إلى أن تطبيق الموازنة الخضراء يتطلب مجموعة من الآليات المتكاملة، تبدأ بوضع إطار استراتيجي وأهداف بيئية ومناخية واضحة.
وتبدأ عملية التنفيذ بتحديد الأهداف البيئية والمناخية للدولة، وربطها بخطط التنمية الوطنية والاستراتيجيات القطاعية، مع وضع مؤشرات واضحة لقياس الأداء البيئي لكل برنامج أو مشروع حكومي.
وبهذه الطريقة يصبح لكل مشروع حكومي هدف بيئي يمكن قياسه ومتابعته، وليس مجرد مخصص مالي يتم إنفاقه دون تقييم كافٍ لآثاره البيئية.
تصنيف الإنفاق.. أخضر أم محايد أم ضار بالبيئة؟
ومن بين الآليات المهمة التي تعتمد عليها الموازنة الخضراء التصنيف الأخضر للإنفاق العام.
ويقوم هذا التصنيف على تقسيم بنود الإنفاق والمشروعات وفقًا لتأثيرها على البيئة إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
- إنفاق أخضر إيجابي، وهو الإنفاق الذي يحقق آثارًا إيجابية مباشرة على البيئة والمناخ.
- إنفاق محايد بيئيًا، وهو الإنفاق الذي لا يترك تأثيرًا بيئيًا كبيرًا، سواء بالسلب أو الإيجاب.
- إنفاق ضار بالبيئة، وهو الإنفاق المرتبط بمشروعات أو أنشطة يمكن أن تؤدي إلى آثار بيئية سلبية.
ويساعد هذا التصنيف في تحديد حجم الاستثمارات الحكومية التي تدعم العمل المناخي وحماية البيئة، وفي الوقت نفسه يكشف المجالات التي تحتاج إلى إعادة النظر في سياساتها التمويلية.
تقييم المشروعات قبل منح التمويل
وأكدت حافظ أهمية إخضاع المشروعات والبرامج العامة لتقييم بيئي ومناخي قبل اعتماد التمويل.
ويهدف هذا التقييم إلى قياس حجم الانبعاثات المتوقعة من المشروع، وحجم استهلاكه للموارد الطبيعية، وتأثيره على التنوع البيولوجي، إلى جانب تحديد مدى مساهمته في التكيف مع تغير المناخ.
وبذلك لا يصبح السؤال عند اتخاذ قرار التمويل هو: «كم سيكلف المشروع؟» فقط، وإنما أيضًا: «ما التكلفة البيئية والمناخية للمشروع؟ وما العائد الذي سيحققه على البيئة؟»
ربط أموال الدولة بمؤشرات الأداء البيئي
ومن الآليات الرئيسية للموازنة الخضراء كذلك دمج مؤشرات الأداء البيئي في الموازنة العامة، من خلال ربط الاعتمادات المالية بمؤشرات قابلة للقياس.
ومن أبرز هذه المؤشرات: خفض انبعاثات الكربون، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتحسين جودة الهواء والمياه، ورفع معدلات إعادة التدوير.
ويعني ذلك الانتقال من مجرد قياس حجم الإنفاق إلى قياس ما تحقق بهذا الإنفاق، ومدى مساهمته في تحقيق الأهداف البيئية والمناخية.
المتابعة والمراجعة.. ضمان استمرار الأثر
ولا تنتهي عملية الموازنة الخضراء بمجرد اعتماد الأموال وتنفيذ المشروعات، وإنما تتطلب المتابعة والتقييم والمراجعة الدورية.
وأوضحت حافظ أن ذلك يشمل إعداد تقارير دورية حول الأداء البيئي، إلى جانب المراجعة الداخلية والخارجية، بما يضمن متابعة النتائج والتأكد من مدى توافق الإنفاق مع الأهداف المحددة.
وتساعد هذه المراجعة على اكتشاف أوجه القصور، وتصحيح المسار، وتحسين كفاءة الإنفاق في المراحل التالية.
الإيرادات الخضراء.. المال العام من زاوية أخرى
ولا يقتصر مفهوم الموازنة الخضراء على جانب الإنفاق فقط، وإنما يمتد كذلك إلى تطوير الإيرادات الخضراء.
وأشارت حافظ إلى عدد من الأدوات التي يمكن أن تسهم في هذا المجال، من بينها الضرائب البيئية، ورسوم التلوث، وأسواق الكربون، والسندات الخضراء.
وتستهدف هذه الأدوات توفير موارد مالية يمكن توجيهها إلى مشروعات التنمية المستدامة، إلى جانب خلق حوافز اقتصادية تشجع على الحد من الأنشطة والملوثات الضارة بالبيئة.
6 قطاعات تتصدر الإنفاق الأخضر في مصر
وأشارت حافظ إلى أن القطاعات المستهدفة بالإنفاق الأخضر في مصر تشمل 6 قطاعات رئيسية تمثل عصب التحول نحو التنمية المستدامة، وهي:
النقل المستدام، والطاقة المتجددة، والمياه والصرف الصحي، والزراعة المستدامة، وإدارة النفايات، والصناعة الخضراء.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة، نظرًا لارتباطها المباشر باستهلاك الموارد والطاقة، وجودة البيئة، والانبعاثات، والأمن المائي والغذائي، فضلًا عن قدرتها على خلق فرص جديدة للاستثمار والعمل في الاقتصاد الأخضر.
الموازنة الخضراء.. عندما تصبح كل جنيه له بصمة بيئية
وفي النهاية، فإن جوهر الموازنة الخضراء يتمثل في تغيير النظرة إلى المال العام؛ فكل جنيه يتم إنفاقه يمكن أن يكون جزءًا من الحل البيئي أو عاملًا إضافيًا في تفاقم المشكلة.
ومن خلال إدماج الاعتبارات المناخية والبيئية في إعداد الموازنة وتنفيذها ومراجعتها، تستطيع الدولة أن تجعل سياساتها المالية أكثر ارتباطًا بأهداف التنمية المستدامة، وأن توجه الاستثمارات نحو قطاعات المستقبل، مع تقليل الآثار البيئية السلبية للإنفاق العام.
وهكذا تتحول الموازنة من مجرد أرقام وإيرادات ومصروفات إلى أداة لصناعة مستقبل أكثر استدامة، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة تحديات تغير المناخ.





