أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

الوجه الآخر لمكيفات الهواء.. تنقذ الأرواح من الحر لكنها تزيد أزمة المناخ

التكييف ينقذ آلاف الأرواح من موجات الحر.. لكن ثمن النجاة قد يكون مزيدًا من الاحتباس الحراري

مع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا وتصاعد موجات الحر الشديدة، أصبح تكييف الهواء أحد أهم وسائل حماية البشر من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة، إلا أن هذه الوسيلة المنقذة للحياة تحمل في الوقت نفسه تكلفة مناخية متزايدة، مع ارتفاع استهلاك الكهرباء والانبعاثات الناتجة عن تشغيل أجهزة التبريد.

وكشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة ييل الأمريكية، ونُشرت في دورية Nature Health، أن استخدام أجهزة تكييف الهواء أسهم في خفض الوفيات المرتبطة بالحرارة في الولايات المتحدة بنحو 57%، بما يعادل إنقاذ أكثر من 5 آلاف شخص سنويًا خلال فترة الدراسة.

وتشير النتائج إلى أن تكييف الهواء أصبح أداة أساسية للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، خصوصًا في المناطق الأكثر تعرضًا لموجات الحر، لكن الدراسة في الوقت نفسه تحذر من أن الإفراط في استخدام أجهزة التكييف لا يوفر حماية إضافية من الوفيات، بينما يؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة والانبعاثات المسببة لتغير المناخ.

أكثر من 5 آلاف حياة تُنقذ سنويًا

أكثر من 5 آلاف حياة تُنقذ سنويًا

اعتمد الباحثون في الدراسة على تحليل نحو 30 مليون سجل وفاة في الولايات المتحدة خلال الفترة من 2010 إلى 2020، إلى جانب بيانات استخدام أجهزة تكييف الهواء ومستويات درجات الحرارة، بهدف قياس التأثير الفعلي للتبريد على الوفيات المرتبطة بالحرارة.

وخلصت الدراسة إلى أن تكييف الهواء أسهم في تفادي متوسط يبلغ 5267 وفاة سنويًا مرتبطة بالحرارة في الولايات المتحدة.

وكانت أكبر أعداد الوفيات التي جرى تجنبها في الولايات والمناطق الأكثر تعرضًا للحرارة، ومن بينها أريزونا وفلوريدا وتكساس ولويزيانا، إضافة إلى أجزاء من نيفادا وألاباما وميسيسيبي.

في المقابل، سجلت أكثر من 12 ولاية شمالية، تمتد من واشنطن إلى مين، أقل من 10 حالات وفاة سنويًا جرى تجنبها بفضل استخدام أجهزة التكييف، وهو ما يعكس الاختلاف الكبير في التعرض للحرارة بين المناطق الأمريكية.

وقال الباحثون إن الدراسة تمثل خطوة مهمة لأنها لا تعتمد فقط على معرفة عدد أجهزة التكييف الموجودة في المنازل، وإنما تقيس استخدام التكييف فعليًا وعلاقته بدرجات الحرارة والوفيات.

المكيفات الهوائية

التبريد ينقذ الأرواح.. لكن الإفراط لا يقدم حماية إضافية

تظهر نتائج الدراسة أن تشغيل أجهزة التكييف لا يعني بالضرورة أن زيادة استخدامها ستؤدي إلى إنقاذ مزيد من الأرواح.

فبعد الوصول إلى مستوى معين من الاستخدام، تبدأ الفوائد الصحية في الاستقرار، بينما يستمر استهلاك الطاقة في الارتفاع.

ويرى الباحثون أن الإفراط في تبريد الأماكن، خصوصًا في الأيام التي لا تكون فيها درجات الحرارة شديدة الخطورة، قد يكون أحد أسباب تراجع الفائدة الإضافية من تشغيل أجهزة التكييف لفترات أطول أو بدرجات حرارة منخفضة للغاية.

وأشار الباحثون إلى أن درجة حرارة تبلغ نحو 24 درجة مئوية تُستخدم في كثير من الأماكن باعتبارها مستوى مناسبًا لتشغيل أجهزة التكييف، مع التأكيد على أن الاحتياجات الفعلية تختلف وفقًا للظروف المناخية والمباني والأشخاص.

وأكد الباحثون أن تشغيل التكييف بدرجة أعلى من الحاجة لا يؤدي بالضرورة إلى إنقاذ المزيد من الأرواح، لكنه يزيد استهلاك الكهرباء ويضاعف الأثر المناخي.

يقوم فني بتثبيت مكيف هواء في شقة
أزمة التكييف تتجاوز الصحة إلى تغير المناخ

أزمة التكييف تتجاوز الصحة إلى تغير المناخ

تكمن المفارقة في أن الأداة التي تحمي الإنسان من ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن تسهم، إذا اعتمد تشغيلها على كهرباء مولدة من الوقود الأحفوري، في زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وبالتالي تفاقم الاحترار العالمي الذي يؤدي إلى مزيد من موجات الحر.

وتشير تقديرات دولية إلى أن الطلب على الكهرباء المستخدمة في التبريد يتجه إلى الارتفاع بصورة كبيرة مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة انتشار أجهزة تكييف الهواء حول العالم.

ومن المتوقع أن تتضاعف احتياجات العالم من الكهرباء لأغراض التبريد بصورة كبيرة خلال العقود المقبلة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتوسع استخدام أجهزة التكييف، خصوصًا في البلدان ذات المناخ الحار وفي الاقتصادات النامية.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الانبعاثات المرتبطة بتشغيل أجهزة التكييف والتبريد قد ترتفع من نحو 4.5 مليار طن من الغازات المسببة للاحتباس الحراري حاليًا إلى 7.2 مليار طن خلال نحو 25 عامًا إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

وهذه الكمية تقترب من إجمالي الانبعاثات الكربونية الحالية للولايات المتحدة وأوروبا معًا.

العالم يزداد احتياجًا إلى التبريد

تأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة في مناطق مختلفة من العالم.

ويستخدم العلماء مؤشرًا يعرف باسم أيام درجات التبريد، وهو مقياس يساعد على تقدير مقدار الطاقة اللازمة لتبريد المباني عندما ترتفع درجات الحرارة الخارجية.

وفي الولايات المتحدة، ارتفع عدد أيام درجات التبريد بنحو 28% منذ عام 1990، وسجل عام 2024 رقمًا قياسيًا، بينما كانت بيانات الأشهر الأولى من عام 2026 تشير إلى إمكانية تجاوز ذلك الرقم.

وفي أوروبا، تضاعف عدد أيام درجات التبريد تقريبًا منذ عام 1990، بينما ارتفع استخدام أجهزة تكييف الهواء بنحو 44%.

كما ارتفع استخدام أجهزة التكييف بصورة أكبر في مناطق أخرى من العالم؛ إذ تضاعف تقريبًا في جنوب شرق آسيا، بينما ارتفع بنحو ثلاثة أمثال في الهند خلال السنوات الماضية.

وهذا يعني أن التوسع في التكييف لم يعد ظاهرة مرتبطة بالدول الغنية فقط، بل أصبح جزءًا متزايدًا من استراتيجيات التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة في البلدان النامية أيضًا.

معضلة الطاقة: كيف نبرد المدن دون تسخين الكوكب؟

يرى خبراء المناخ والطاقة أن العالم يواجه معادلة صعبة: الحاجة إلى توفير المزيد من التبريد لحماية ملايين البشر من موجات الحر، مع تجنب زيادة استهلاك الوقود الأحفوري والانبعاثات التي تؤدي إلى مزيد من ارتفاع درجات الحرارة.

وتزداد المشكلة تعقيدًا مع الضغط الذي يفرضه التكييف على شبكات الكهرباء خلال فترات الحر الشديد، عندما يرتفع الطلب على الكهرباء بصورة حادة في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.

وفي بعض الدول، دفعت أزمات الطاقة وارتفاع الطلب على الكهرباء الحكومات إلى اتخاذ إجراءات لتقليل استهلاك أجهزة التكييف، من بينها وضع حدود لدرجات التبريد في المباني الحكومية والمكاتب.

وتعمل دول ومنظمات دولية على تطوير سياسات تهدف إلى تحقيق ما يصفه الخبراء بـ”التبريد الذكي والعادل”، بدلًا من مجرد تقليل استخدام أجهزة التكييف.

الفقراء يدفعون الثمن الأكبر

الفقراء يدفعون الثمن الأكبر

لا تتعلق أزمة التبريد باستهلاك الطاقة والمناخ فقط، وإنما ترتبط أيضًا بالعدالة الاجتماعية.

فالأسر منخفضة الدخل قد تكون الأكثر تعرضًا لمخاطر موجات الحر، وفي الوقت نفسه الأقل قدرة على تحمل فواتير الكهرباء اللازمة لتشغيل أجهزة التكييف.

وأشار باحثون ومسؤولون أمميون إلى أن بعض الأسر تضطر خلال موجات الحر إلى الاختيار بين دفع تكاليف الأدوية أو تشغيل أجهزة التكييف.

وهكذا يتحول الوصول إلى التبريد من مسألة تتعلق بالراحة إلى قضية مرتبطة بالصحة العامة والعدالة الاجتماعية، خصوصًا مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.

وأكد خبراء أن الراحة الحرارية في عالم يزداد احترارًا يجب ألا تتحول إلى رفاهية متاحة فقط لمن يستطيع تحمل تكلفتها، بل ينبغي التعامل معها باعتبارها عنصرًا أساسيًا لحماية الصحة والحياة.

 

الطبيعة جزء من الحل

لا يرى الخبراء أن الحل يكمن في تقليل التبريد، وإنما في تحسين كفاءته والحد من الاعتماد على أجهزة التكييف عندما لا تكون ضرورية.

وتبرز المساحات الخضراء والتشجير والتصميم العمراني المستدام كأدوات مهمة لخفض درجات الحرارة داخل المدن وتقليل ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية.

فأجهزة التكييف تطرد الحرارة التي تسحبها من داخل المباني إلى الخارج، ما يعني أن انتشارها على نطاق واسع في المدن يمكن أن يضيف حرارة إلى البيئة الحضرية.

كما أن زيادة استهلاك الكهرباء، إذا كانت الشبكة تعتمد على الوقود الأحفوري، تؤدي إلى المزيد من انبعاثات الكربون وتلوث الهواء.

طريقة لتبريد المباني تقلل الاعتماد على مكيفات الهواء

وتشير التجارب الدولية إلى أن الجمع بين التشجير، وتوفير الظل، وتحسين تصميم المباني، والتهوية الطبيعية، والعزل الحراري، واستخدام أجهزة تكييف عالية الكفاءة، يمكن أن يقلل الحاجة إلى التبريد الميكانيكي ويخفض تكلفته.

وتقدم سنغافورة نموذجًا لدمج عدد من هذه الإجراءات، من بينها زيادة المساحات الخضراء، وتحسين أنظمة التهوية والتبريد، ورفع كفاءة المباني، إلى جانب إجراءات للتكيف مع الحرارة.

وبحسب خبراء في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أسهمت حلول مرتبطة بالتخضير الحضري في خفض درجات الحرارة في بعض المناطق هناك بصورة ملحوظة، إلى جانب تقليل استهلاك الطاقة.

عندما تصبح الطبيعة غير كافية

رغم أهمية الحلول القائمة على الطبيعة، فإنها لا تستطيع وحدها التعامل مع جميع الظروف المناخية.

ففي بعض المناطق التي تجمع بين درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة الشديدة، قد يصبح الاعتماد على أجهزة التكييف ضرورة صحية، خصوصًا بالنسبة لكبار السن والأطفال والأشخاص الأكثر عرضة لمضاعفات الإجهاد الحراري.

ولهذا يرى الخبراء أن الحل ليس في الاستغناء عن أجهزة التكييف، وإنما في استخدامها بكفاءة وفي الوقت المناسب، إلى جانب تطوير المباني والمدن لتقليل حاجتها إلى التبريد.

وتظل المراوح، والتهوية الطبيعية، والتظليل، والمساحات الخضراء، والتصميم المناخي للمباني، من الأدوات التي يمكن أن تخفف الاعتماد على التكييف في الظروف التي تسمح بذلك.

التحدي الأكبر: تبريد أكثر بانبعاثات أقل

تكشف نتائج الدراسة الأمريكية عن مفارقة متزايدة في عالم يزداد حرارة: كلما ارتفعت درجات الحرارة، أصبح البشر أكثر احتياجًا إلى التبريد، وكلما زاد الاعتماد على التبريد التقليدي القائم على الكهرباء الأحفورية، زادت الانبعاثات التي تدفع درجات الحرارة إلى مزيد من الارتفاع.

لذلك، فإن مستقبل التبريد لن يتحدد فقط بعدد أجهزة التكييف التي يمتلكها الناس، وإنما بمدى كفاءة هذه الأجهزة، ومصدر الكهرباء التي تشغلها، وتصميم المباني والمدن، وقدرة الأسر على تحمل تكلفتها.

ويؤكد الخبراء أن الهدف ليس جعل العالم أقل تبريدًا، وإنما الوصول إلى تبريد أكثر كفاءة وعدالة واستدامة، بحيث يحمي الإنسان من موجات الحر دون أن يتحول إلى عامل إضافي في أزمة المناخ.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، يبدو أن معركة التكيف مع الحر ستحتاج إلى أكثر من مكيف هواء؛ إذ ستتطلب تحولًا في طريقة تصميم المدن والمباني، ومزيجًا أكبر من الطاقة النظيفة والحلول الطبيعية والتقنيات عالية الكفاءة.

فالرهان لم يعد فقط على كيفية إنقاذ الإنسان من حرارة اليوم، وإنما على كيفية القيام بذلك دون زيادة حرارة الغد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة