وجهات نظر

د.نسرين السعيد: حكمة الغذاء في الحضارات القديمة: من القدسية إلى الاستدامة الحديثة

عضو اللجنة الوطنية لعلوم التغذية بأكاديمية البحث العلمي- وعضو الجمعية المصرية لبحوث الغذاء والصحة والتثقيف الغذائى

كان الطعام في الحضارات القديمة يُدار باعتباره منظومة حياتية متكاملة، قائمة على التنوع في مصادره، لا مجرد وسيلة لإشباع الجوع أو مظهرًا من مظاهر الرفاهية. فقد ارتبط الغذاء آنذاك بالإنتاج الزراعي المحلي، وأساليب التخزين الآمن، وتحقيق التوازن الغذائي، والالتزام بالمواسم، وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على الصحة، فضلًا عن استخدام الموارد الطبيعية المحيطة بالإنسان في العلاج، مع احترام العادات والتقاليد الغذائية.

لقد قام التراث الغذائي للحضارات القديمة على إدارة متكاملة للغذاء «من الحقل إلى الصحة»، في منظومة متوازنة تجمع بين الأمن الغذائي، والتغذية السليمة، والاستدامة البيئية، ودعم قدرة الجسم الطبيعية على الحفاظ على صحته. وكان يتم التعامل مع الفائض الغذائي بكفاءة، من خلال تقليل الفاقد، وحفظه بطرق تقليدية مثل التجفيف والتخمير والتخزين المحكم، بما يضمن استمرارية الاستفادة منه دون إهدار.

وفي المفهوم العصري، ومع تكامل علم الأنثروبولوجيا الغذائية مع علوم الغذاء والتغذية، والتشريح، والكيمياء الحيوية، والفسيولوجيا، وعلم التداخل بين الغذاء والدواء، يتحول الغذاء من مجرد مصدر للطاقة إلى أداة بيولوجية متكاملة تدعم وظائف الجسم الطبيعية.

ومن خلال هذا التكامل العلمي، يمكن بناء نماذج غذائية مستدامة تعزز المناعة، وتحافظ على الاتزان الحيوي، وتدعم آليات الإصلاح والتجدد الذاتي للخلايا والأنسجة (الاستشفاء الذاتي)، بما يسهم في تعزيز الصحة وتحفيز قدرات الجسم الطبيعية على التعافي.

وفي هذا الإطار، لا يُلجأ إلى الدواء إلا عند الضرورة، وفي أضيق الحدود، وتحت إشراف طبي متخصص، خاصة فيما يتعلق بالمكونات المصنعة.

وتتوافق هذه الرؤية مع الاتجاهات الحديثة في التغذية الوظيفية والطب الوقائي (التغذية العلاجية)، حيث يصبح الغذاء عنصرًا أساسيًا في الوقاية والعلاج، وليس مجرد وسيلة للتغذية.

وعندما تُدرس الأنثروبولوجيا الغذائية جنبًا إلى جنب مع علوم الغذاء الحديثة، يتشكل إطار علمي متكامل يفسر كيف تسهم الأنماط الغذائية السليمة في دعم قدرة الجسم على الحفاظ على الصحة والتعافي، وهو ما يعزز مفاهيم الاستدامة البيئية والاقتصاد الأخضر داخل المجتمعات.

وتتقاطع هذه الفلسفة بشكل كبير مع ما تسعى إليه اليوم مفاهيم التغذية المستدامة والطب الوقائي، ولكن بصياغة علمية حديثة تستند إلى علوم الغذاء والتغذية، والكيمياء الحيوية، والفسيولوجيا، والأنثروبولوجيا الغذائية، بما يعيد إحياء حكمة الماضي في خدمة حاضر ومستقبل أكثر استدامة وصحة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة