أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

الحرارة الشديدة تكسر البنية التحتية.. هل صُممت مدننا لمناخ لم يعد موجودًا؟

موجات الحر تضرب قلب الاقتصاد.. كيف تحولت الحرارة إلى تهديد لشبكات الكهرباء والمياه؟

لم تعد موجات الحر الشديدة مجرد ظاهرة مناخية تهدد صحة الإنسان أو ترفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة البنية التحتية الحيوية على الاستمرار في العمل، من شبكات الكهرباء والمياه إلى المستشفيات ومراكز البيانات ووسائل النقل.

وخلال الأشهر الأخيرة، كشفت وقائع متزامنة في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة عن مشكلة أعمق: البنية التحتية التي تعتمد عليها المدن والاقتصادات صُممت في الأساس لمناخ لم يعد قائمًا، بينما تتزايد الفجوة بين درجات الحرارة التي بُنيت الأنظمة لتحملها والواقع المناخي الجديد.

في يونيو 2026، أعلنت مستشفيات تابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا حالات حرجة خلال موجة حر تاريخية، بعدما تسببت درجات الحرارة المرتفعة في أعطال بمعدات وأنظمة تكنولوجية.

وقبل ذلك بأسابيع، تجاوزت الحرارة في شمال الهند 47 درجة مئوية، لتدفع شبكة الكهرباء إلى حدودها القصوى، بينما واجه ملايين السكان انقطاعات في التيار خلال ذروة الطلب على التبريد.

وفي الولايات المتحدة، وصلت أحمال شبكات الكهرباء إلى مستويات قياسية خلال يوليو، ما دفع إلى إصدار أوامر طارئة لنقل بعض مراكز البيانات إلى مصادر طاقة احتياطية، بهدف الحفاظ على إمدادات الكهرباء الموجهة للأسر.

هذه الأحداث تبدو للوهلة الأولى كأنها أزمات منفصلة، لكنها في الواقع تكشف عن تحول واحد: الحرارة أصبحت عامل ضغط متزامنًا على أنظمة مترابطة، بحيث يمكن لعطل واحد أن يتحول بسرعة إلى سلسلة من الأعطال في قطاعات أخرى.

الحرارة تضرب الأنظمة في الوقت نفسه

الحرارة لا تؤثر في الجميع بالطريقة نفسها

المشكلة الأساسية أن موجة الحر لا تضغط على قطاع واحد فقط، فعندما ترتفع درجات الحرارة، يقفز الطلب على الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف والتبريد، بينما يرتفع الطلب على المياه في الوقت نفسه، وتزداد احتياجات المستشفيات والخدمات العامة، في حين تتعرض شبكات الكهرباء والمياه والنقل نفسها لضغط إضافي بسبب الحرارة.

وهنا تظهر المفارقة الخطيرة: الإمدادات قد تتراجع في اللحظة التي يصل فيها الطلب إلى ذروته.

وأظهرت موجات الحر الصيف الماضي حجم هذا الضغط؛ إذ ارتفع الطلب على الكهرباء في المجر بنحو 23%، بالتزامن مع انخفاض مناسيب نهر الدانوب، ما أجبر محطة باكس النووية الرئيسية على خفض إنتاجها.

ولا تقتصر المشكلة على قدرة كل نظام بمفرده.
فالمستشفى يعرف احتياجاته أثناء موجة الحر، ومركز البيانات يعرف مقدار الطاقة التي يحتاجها، وشركة السكك الحديدية تعرف حدود تشغيل قطاراتها، لكن كل هذه القطاعات تعتمد في النهاية على شبكات كهرباء ومياه ونقل قد تكون هي نفسها تحت ضغط شديد.

لذلك، فإن بناء القدرة على الصمود أمام الحرارة لم يعد مسألة تخص كل منشأة على حدة، وإنما يحتاج إلى التخطيط للبنية التحتية باعتبارها نظامًا مترابطًا واحدًا.

11 عامًا من الحرارة القياسية

موجات الحر
موجات الحر

تأتي هذه الضغوط في وقت أصبح فيه ارتفاع الحرارة أكثر استمرارية وأقل قابلية للتعامل معه باعتباره حدثًا استثنائيًا.

فبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، كانت السنوات الـ11 الماضية هي الأكثر حرارة على الإطلاق، كما أن مزيدًا من الاحترار حتى عام 2050 أصبح أمرًا شبه محسوم نتيجة الانبعاثات السابقة.

وهذا يعني أن السؤال لم يعد: متى ستحدث موجة الحر المقبلة؟

بل أصبح: هل تستطيع البنية التحتية العمل بكفاءة عندما تصبح الحرارة المرتفعة جزءًا متكررًا من ظروف التشغيل الطبيعية؟

الإجابة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومات والمشغلين على تحديث الشبكات، وإعادة تأهيل المنشآت، وربط أنظمة الإنذار المبكر بإجراءات تشغيلية واضحة، بدل انتظار وقوع الأزمة ثم التعامل مع آثارها.

الحرارة تعيد تسعير الاقتصاد وتعمّق عدم المساواة

موجات الحر
لماذا لا يعني التبريد بالضرورة تحقيق العدالة؟

لا تتوقف خسائر الحرارة عند تعطل المعدات أو انقطاع الكهرباء، فالحرارة المرتفعة تؤدي إلى تدهور الأصول، وتهدد صحة العاملين، وتخفض الإنتاجية، وترفع تكاليف التشغيل، وتضغط على ميزانيات الأسر والشركات والحكومات في الوقت نفسه.

وتتحمل الفئات الأقل قدرة على امتصاص الصدمات الجزء الأكبر من هذه التكلفة.
ويُعد العاملون في الأماكن المفتوحة أو البيئات سيئة التهوية والتبريد من أكثر الفئات تعرضًا للخطر. وفي الهند وحدها، استنزفت الحرارة الشديدة ما يقدر بنحو 78 مليار دولار من الاقتصاد خلال عام 2024، أي ما يقارب 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما فقد العاملون في الهواء الطلق ما يقرب من عُشر دخولهم السنوية نتيجة أيام العمل الضائعة والأمراض المرتبطة بالحرارة.

وتخلق هذه الدائرة ضغطًا مركبًا: الحرارة تقلل دخل الأسر، وتضغط على إيرادات الشركات، وتزيد الإنفاق العام على الخدمات الصحية والطوارئ، ما يؤدي في النهاية إلى تقليص الموارد المالية المتاحة للاستثمار في القدرة على الصمود.

بمعنى آخر، المناخ لا يرفع تكلفة الأزمة فقط، بل يمكن أن يستنزف الأموال اللازمة لمنع الأزمة التالية.

كيف تتحول الحرارة من صدمة إلى خطر يمكن إدارته؟
التعامل مع الحرارة باعتبارها حالة تشغيل دائمة، وليس صدمة موسمية متكررة، يتطلب تنسيقًا بين الجهات المسؤولة عن الكهرباء والمياه والصحة والنقل والاتصالات والقطاع الخاص.
وتبرز أربعة محاور رئيسية لبناء هذه القدرة.

1. رؤية مشتركة لضغوط الأنظمة

تستطيع الجهات المعنية اليوم توقع الطقس بدرجة متقدمة، لكنها لا تستطيع دائمًا تحديد اللحظة التي ستبدأ فيها الأنظمة التي تعتمد عليها في الفشل.

الحل يكمن في بناء صورة تشغيلية مشتركة تجمع توقعات الأرصاد الجوية مع بيانات أحمال الشبكات، وتوافر المياه، والطلب من المستشفيات والخدمات العامة والقطاع الخاص، إضافة إلى خريطة توضح الروابط والاعتماد المتبادل بين الأنظمة.

هذه المعلومات يمكن أن تحدد مسبقًا متى سيقفز الطلب، ومتى قد ينخفض العرض، ومتى يجب تخفيض الاستهلاك غير الضروري أو تشغيل مصادر الطاقة الاحتياطية.

وبعض مشغلي شبكات الكهرباء والمستهلكين في أوروبا يتبادلون بالفعل بيانات عن ضغوط الشبكة وإمكانات خفض استهلاك الكهرباء لتجنب انقطاع التيار خلال موجات الحر، وهو نموذج يمكن توسيعه إلى مناطق أخرى.

2. حوكمة موحدة لمخاطر الحرارة

في كثير من الدول، لا توجد جهة واحدة تملك صلاحية تحديد كيفية توزيع الكهرباء أو المياه أو قدرات التبريد عندما تصل موجة الحر بالطلب إلى حدود الشبكة.

وتظل المسؤوليات موزعة بين قطاعات وهيئات متعددة، بينما تغيب أحيانًا آليات التنسيق التي تسمح باتخاذ قرار سريع على مستوى النظام بأكمله.

ويقدم إطار وأداة حوكمة مخاطر الحرارة الشديدة الذي طورته منظمات من بينها مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية والشبكة العالمية للمعلومات الصحية والحرارة، نقطة انطلاق عملية.

ويقوم الإطار على إنشاء جهة متعددة القطاعات والمستويات، تمتلك تفويضًا للتنسيق بين الصحة والمياه والطاقة وغيرها من القطاعات، ووضع الأولويات وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر والخدمات الأساسية أثناء موجات الحر.

وتظهر تجربة تكييف مرافق الخدمات في الصين أهمية هذا النوع من الحوكمة؛ إذ ساعد تحويل التخطيط الاستراتيجي إلى بروتوكولات تشغيل مرتبطة بالطقس على حماية إمدادات الخدمات الأساسية في الظروف الجوية القاسية، والحفاظ على استقرار الشبكة التي يعتمد عليها القطاعان العام والخاص.

3. تحويل إشارات الخطر إلى إجراءات تلقائية

لا يكفي إصدار التحذير من ارتفاع درجات الحرارة، فبمجرد تحديد قواعد واضحة، يمكن استخدام عتبات تشغيلية خاصة بكل قطاع لتفعيل إجراءات محددة تلقائيًا.

قد يعني ذلك خفض الطلب غير الضروري على الكهرباء، أو تغيير ساعات عمل بعض الأنشطة، أو تعزيز حماية العمال، أو تعديل خدمات النقل، أو رفع جاهزية المستشفيات، أو إطلاق حملات توعية للجمهور.

وتستخدم أنظمة الإنذار المبكر لمخاطر الحرارة على الصحة هذا المبدأ بالفعل، من خلال ربط مستويات الحرارة ومؤشرات الخطر المحلية بإجراءات متفق عليها مسبقًا قبل الوصول إلى مستويات حرجة.

والخطوة التالية هي توسيع هذا النموذج ليشمل قطاعات متعددة، بحيث لا يبقى التحذير داخل قطاع الصحة فقط، بل يؤدي تجاوز عتبة معينة في قطاع إلى استجابة منسقة في قطاعات أخرى.

4. توجيه الاستثمارات إلى نقاط الانهيار

يمكن لخرائط الاعتماد المتبادل بين الأنظمة أن تكشف الأماكن التي يمكن أن يؤدي تعطلها إلى أكبر سلسلة من الأعطال.

لكن المشكلة أن تقوية هذه النقاط الضعيفة ليست دائمًا مسؤولية جهة واحدة، ما يجعل تمويلها أكثر تعقيدًا.

وهنا تبرز أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، عبر تحديد الجهات التي لديها مصلحة مشتركة في استمرار النظام، وإظهار القيمة الاقتصادية للمرونة بالنسبة لكل طرف، ثم تصميم الاستثمارات بحيث يساهم كل طرف بما يستطيع.

فمركز بيانات أو مستشفى خاص يستطيع حماية منشأته من الحرارة وتأمين مصدر احتياطي للطاقة، لكنه لا يستطيع بمفرده حماية شبكة الكهرباء أو المياه التي يعتمد عليها.

وقد يوفر مولد احتياطي أو نظام تخزين الطاقة استمرارًا مؤقتًا للعمل، لكنه لن يمنع انقطاعًا واسعًا للكهرباء أو نقصًا في المياه يمكن أن يؤدي في النهاية إلى توقف المنشأة.

وعندما تصبح هذه الاعتمادية المتبادلة واضحة، يمكن النظر إلى الاستثمار في تقوية الشبكات والبنية التحتية المشتركة باعتباره استثمارًا مباشرًا في استمرارية الأعمال نفسها.

وهذا النوع من الاستثمار المنسق قد يوفر قدرة أكبر على الصمود مقابل كل دولار يتم إنفاقه، مقارنة باستثمارات منفصلة تحمي كل منشأة بمعزل عن النظام الذي تعتمد عليه.

البنية التحتية أمام مناخ جديد

الحرارة الشديدة لم تعد حادثًا استثنائيًا يمكن تجاوزه بمجرد انتهاء موجة الحر.
لقد أصبحت ظرفًا تشغيليًا جديدًا يجب أن تُصمم الشبكات والمنشآت والخدمات على أساسه.

فاستمرار الكهرباء، وتوافر المياه، وقدرة المستشفيات على العمل، وانتظام وسائل النقل، وتشغيل مراكز البيانات والخدمات الأساسية، أصبحت جميعها مرتبطة بقدرة المدن والاقتصادات على التعامل مع الحرارة باعتبارها خطرًا مترابطًا لا مشكلة منفصلة.

ولهذا، فإن المعركة المقبلة ليست فقط ضد ارتفاع درجات الحرارة، وإنما ضد تراكم نقاط الضعف داخل البنية التحتية.

المطلوب هو مشاركة البيانات، وتوحيد الحوكمة، وربط الإنذار المبكر بإجراءات تشغيلية، وتوجيه الاستثمارات إلى نقاط الاختناق التي يمكن أن يؤدي فشلها إلى شلل أنظمة كاملة.

فالقرارات التي تُتخذ خلال العام المقبل ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت الاقتصادات ستتمكن من بناء بنية تحتية قادرة على العمل في عالم أكثر حرارة، أم ستواصل دفع تكلفة الإصلاح والتعافي بعد كل موجة حر جديدة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة