«دولة التكييف» في آسيا تختبر حلولًا مبتكرة لمواجهة الحرارة وتقليل الانبعاثات
سنغافورة تختبر تقنيات تبريد توفر حتى 48% من الطاقة وتدعم هدف الحياد الكربوني
تتجه سنغافورة، التي توصف منذ فترة طويلة بأنها «دولة التكييف»، إلى اختبار حلول بديلة للتبريد التقليدي، في محاولة للحد من اعتمادها الكبير على أجهزة تكييف الهواء المستهلكة للطاقة، مع تزايد الضغوط المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ.
وتشمل التجارب تقنيات متنوعة، من ألواح التبريد المائي المثبتة في الأسقف إلى أنظمة التبريد بالإزاحة السلبية، التي تستفيد من حركة الهواء الطبيعية لتقليل الحاجة إلى المراوح الميكانيكية.
وتسجل سنغافورة أعلى معدل لامتلاك أجهزة تكييف الهواء للفرد في جنوب شرق آسيا، إذ توجد وحدات تبريد في نحو 99% من المساكن الخاصة بالمدينة الدولة.
ويمثل قطاع المباني المحلي نحو خُمس انبعاثات سنغافورة، بينما يستهلك التبريد وحده ما بين 40% و60% من الطاقة المستخدمة داخل المباني، وفقًا لدراسات.
وتكشف جولة في شارع أورشارد الشهير، أحد أبرز شوارع التسوق في سنغافورة، عن مدى الاعتماد على التكييف؛ إذ تتدفق موجات الهواء البارد إلى الشارع مع فتح أبواب المتاجر والمراكز التجارية، في مشهد يعكس جاذبية الأماكن المكيفة في مدينة تتراوح درجات الحرارة العظمى فيها خلال النهار بين 31 و33 درجة مئوية على مدار العام.
لكن المفارقة أن أجهزة التكييف قد تسهم في زيادة مشكلة الحرارة نفسها؛ فالوحدات المعتمدة على الضواغط تطلق الهواء الساخن إلى البيئة الخارجية، كما أن الكهرباء المستخدمة في تشغيلها قد تزيد من الانبعاثات المسببة لتغير المناخ، إذا جرى توليدها باستخدام الوقود الأحفوري.
وفي مواجهة هذه المعادلة، تختبر سنغافورة أنظمة تبريد هجينة وتقنيات بديلة تهدف إلى توفير درجات حرارة مريحة داخل المباني، مع تقليل استهلاك الكهرباء المرتبط بالتكييف التقليدي.

تقنيات بديلة لتبريد المباني
تدرس بعض المباني في سنغافورة استخدام أنظمة تعرف باسم «العوارض المبردة النشطة» (Active Chilled Beams)، وهي ألواح مثقبة مزودة بملفات تبريد، تثبت في الأسقف وتعمل على خفض درجة حرارة الهواء داخل الغرف.
وتبدأ آلية عمل هذه التقنية من محطة تبريد موجودة في الطابق العلوي من المبنى، تعمل على خفض درجة حرارة المياه إلى نحو 9 درجات مئوية، قبل ضخها عبر ملفات التبريد الموجودة داخل الألواح.
وفي الوقت نفسه، يندفع الهواء عبر فوهات صغيرة داخل هذه الألواح، ما يؤدي إلى تكوين منطقة منخفضة الضغط تسحب الهواء الأكثر دفئًا من الغرفة الموجودة أسفلها، ليمر فوق ملفات التبريد، وتنخفض حرارته قبل إعادة توزيعه داخل المكان.
وتُستخدم هذه التقنية في مبنى «بايا ليبار جرين» (Paya Lebar Green)، المكون من 8 طوابق في شرق سنغافورة، حيث تحافظ على درجة حرارة المكاتب عند نحو 24 درجة مئوية، وهي درجة توفر أجواء مريحة للعاملين.
وخلال زيارة لفريق من وكالة فرانس برس إلى المبنى، لاحظ الصحفيون تدفق هواء بارد من الألواح البيضاء الأنيقة المثبتة في الأسقف، كما وصف المبنى بأنه واحد من أكثر المباني خضرة في سنغافورة.
ولا تقتصر مزايا النظام على خفض درجات الحرارة، بل يتميز أيضًا بانخفاض مستوى الضوضاء، إذ لا يصاحبه الطنين المستمر المعتاد في وحدات التكييف التقليدية.
وتقول رينوجا شيكار، المتخصصة في الموارد البشرية، إنها وزملاءها لم ينتبهوا في البداية إلى اختلاف نظام التبريد في مكاتبهم، عندما انتقلوا إلى المبنى في نوفمبر الماضي، إذ اعتقدوا أن الأنابيب والألواح الظاهرة في السقف تمنح المكان مظهرًا يشبه المستودعات.
وأضافت أنها لم تفكر كثيرًا في الأمر، ولم يعلق أحد من العاملين على شكل التجهيزات في البداية، قبل أن يلاحظوا بعد مرور عدة أشهر مدى الهدوء داخل المكتب، ويسمعوا الفنيين يتحدثون عن نظام «العوارض المبردة النشطة» خلال أعمال الصيانة.
وأوضحت أن العاملين لم يدركوا مدى اختلاف نظام التبريد، لأنه يعمل بصورة سلسة لا تلفت الانتباه، كما أن درجة الحرارة داخل المكتب كانت مناسبة للجميع.
ووفقًا لشركة «دي بي أركيتكتس» (DP Architects)، التي تولت تصميم المبنى، أسهم النظام في خفض استهلاك الطاقة بأكثر من 30% مقارنة بأنظمة تكييف الهواء التقليدية.
ويُستخدم نظام مشابه في مبنى صيانة تابع لهيئة الموانئ السنغافورية في ميناء توانجس غرب البلاد، لكن المبنى يعتمد على تقنية أخرى تُعرف باسم «التبريد بالإزاحة السلبية» (Passive Displacement Cooling).
وتستفيد هذه التقنية من حركة الهواء الطبيعية لتقليل الاعتماد على المراوح الميكانيكية؛ إذ تعمل ملفات التبريد المثبتة في السقف على خفض درجة حرارة الهواء، فيهبط الهواء البارد إلى الأسفل، ثم يرتفع مجددًا بصورة طبيعية مع اكتسابه الحرارة من المكان، ليصل مرة أخرى إلى ملفات التبريد.
وتؤدي هذه الدورة المستمرة إلى تقليل الحاجة إلى تشغيل المراوح، بما يساعد على خفض استهلاك الطاقة والضوضاء داخل المبنى.
التبريد الإشعاعي وتغيير ثقافة استخدام التكييف
ومن بين الحلول الأخرى التي تدرسها سنغافورة تقنية «التبريد الإشعاعي» (Radiant Cooling)، التي تعتمد على تمرير مياه مبردة تتراوح حرارتها بين 14 و18 درجة مئوية داخل أنابيب أو ألواح، لامتصاص الحرارة المنبعثة من الأشخاص والأجسام الموجودة في المكان، بما يؤدي إلى خفض درجة الحرارة المحيطة.
وتحظى جهود تطوير حلول التبريد البديلة بدعم حكومي؛ إذ حددت دراسة حكومية نُشرت عام 2024 تقنيات التبريد البديلة (ACTs) باعتبارها إحدى الاستراتيجيات الرئيسية لخفض استهلاك الطاقة، وقدرت أن تطبيقها يمكن أن يوفر للمدينة ما يصل إلى 48% من الطاقة.
وبحلول منتصف عام 2026، كان ما لا يقل عن 33 مبنى حكوميًا و14 مبنى خاصًا قد اعتمد هذه التقنيات، وفقًا للجهات المعنية بقطاع البناء في سنغافورة.
وتسعى الدولة إلى تحقيق هدف طموح يتمثل في الوصول إلى صافي انبعاثات كربونية صفري بحلول عام 2050.
ومع ذلك، لا يزال انتشار هذه الأنظمة محدودًا نسبيًا، كما يواجه تطبيقها تحديًا يتعلق بمدى تقبل المستخدمين، الذين اعتادوا على أنظمة التكييف التقليدية واختبروها لسنوات طويلة.
ويقر مؤيدو تقنيات التبريد البديلة بأن تكاليف تركيبها الأولية قد تكون أعلى من تكلفة أنظمة التكييف التقليدية، لكنهم يشيرون إلى أن انخفاض تكاليف التشغيل بمرور الوقت، بفضل التوفير الكبير في استهلاك الطاقة، يمكن أن يعوض هذه الزيادة.
ولا يزال التبريد الهجين الخيار البديل الأكثر انتشارًا في سنغافورة، ويقوم ببساطة على ضبط أجهزة التكييف عند درجات حرارة أعلى، تتراوح بين 25.5 و27 درجة مئوية، مع استخدام المراوح للمساعدة في تحسين الإحساس بالراحة الحرارية.
وقال تشوا زي جون، مدير شركة «دي بي أركيتكتس»، إن معظم الناس اعتادوا العمل في أماكن مكيفة، ولذلك فإن تقبل رفع درجة الحرارة إلى 26 درجة مئوية يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير والعادات، لم يصل بعد إلى مستوى القبول العام.
ارتفاع الطلب على التبريد يفرض حلولًا أكثر كفاءة
يتزايد الطلب على التبريد مع ارتفاع درجات الحرارة ومستويات الرطوبة نتيجة تغير المناخ، سواء في سنغافورة أو في مناطق أخرى من العالم.
وتعتمد أنظمة تكييف الهواء التقليدية على تقنية ضغط البخار، التي تستخدم مواد التبريد لنقل الحرارة من مكان إلى آخر.
أما تقنيات التبريد البديلة، فتستند إلى المبدأ الأساسي نفسه، لكنها تسعى إلى تقليل الطاقة اللازمة لتحريك الهواء البارد، أو تقليص ساعات تشغيل أنظمة التبريد، من خلال الاعتماد بدرجة أكبر على قدرة الأشخاص على التكيف مع درجات حرارة أعلى قليلًا.
ويرى وان مان بون، الخبير في تكنولوجيا التبريد بجامعة نانيانج التكنولوجية، أن هذه التقنيات تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه دعا إلى تطويرها مستقبلًا لتشمل أنظمة تحكم أكثر تقدمًا، بما في ذلك أنظمة التنبؤ التي تضبط درجات الحرارة قبل أن تصبح الغرف شديدة الحرارة أو البرودة.
ومع ذلك، أشار إلى أن التقنيات البديلة لم تحقق حتى الآن كفاءة أعلى من أنظمة ضغط البخار التقليدية، وفقًا لمعامل الأداء (Coefficient of Performance)، وهو المقياس المستخدم لتقييم كفاءة أنظمة التبريد.
وتعكس تجربة سنغافورة محاولة للتوفيق بين الحاجة المتزايدة إلى التبريد في ظل المناخ الحار والرطب، وبين ضرورة خفض استهلاك الكهرباء والانبعاثات المرتبطة بتشغيل أجهزة التكييف، عبر تنويع التقنيات المستخدمة وتحسين كفاءتها، بدلًا من الاعتماد الكامل على أنظمة التبريد التقليدية.





