د.فوزي يونس: اليوم العالمي للمحيطات 2026: دعوة لإعادة تخيّل علاقتنا مع كنز الحياة الأزرق
أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة
يغمر المحيط أكثر من 70% من مساحة كوكب الأرض. ومنه تنبض مقومات الوجود إذ يمد البشرية وسائر الكائنات الحية بما تحتاج إليه للبقاء والازدهار.
ويهب المحيط العالم ما لا يقل عن نصف الأكسجين الذي نتنفسه ويحتضن معظم التنوع البيولوجي على سطح الأرض كما يشكل المصدر الرئيس للبروتين لأكثر من مليار إنسان.
ولا تقتصر أهميته على ذلك بل يعد ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي إذ يُتوقع أن تؤمّن الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمحيطات سبل العيش لنحو 40 مليون شخص بحلول عام 2030.
غير أن هذا المورد الثمين الذي أغدق على البشرية خيراته بات اليوم في أمس الحاجة إلى عونها.
فقد استُنزفت 90% من مخزونات الأسماك الكبيرة ودُمر نصف الشعاب المرجانية في العالم وأصبحنا نأخذ من المحيط أكثر مما يستطيع أن يعوضه أو يستعيده. ومن ثم تبرز ضرورة أن نوحد جهودنا لإقامة علاقة أكثر توازنا معه علاقة لا تقوم على استنزاف عطائه بل على استعادة عافيته وتجديد حيويته وإفساح المجال أمامه ليزدهر من جديد.
ويدعونا شعار اليوم العالمي للمحيطات لعام 2026 «إعادة التخيّل»، إلى أن نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها المحيط ونتعامل معه.
فطوال عقود نظر كثيرون إليه بوصفه فضاء بعيدا عن حياتهم اليومية بينما الحقيقة أنه حاضر في كل تفصيل من تفاصيلها: في الهواء الذي نتنفسه، والغذاء الذي نتناوله والتوازن المناخي الذي يجعل استمرار وجودنا ممكنا. وقد آن الأوان لأن نتجاوز دور المنتفع من موارده وأن نصبح أمناء على مستقبله وحراسا على سلامته.
هذا وفي اليوم العالمي للمحيطات الذي يوافق 8 يونيو من كل عام نأكد جميعا علي أهمية إعادة تصور علاقتنا بالمحيطات باعتبارها ركيزة أساسية للحياة على كوكب الأرض وموردا طبيعيا يستدعي مزيدا من المسؤولية والحماية.
هذا ويحتفل باليوم العالمي للمحيطات بهدف تسليط الضوء على أهمية المحيطات. تضمنت احتفالات هذا العام التركيز علي شعار ” إعادة التخيل” وموضوع “محيطتنا مستقبلنا: التعلم من أجل الحفاظ على محيطنا” وكل ذلك هام في الحفاظ علي التنوع البيولوجي في هذه المحيطات ودورها في استدامة النظم الإيكولوجية علي سطح كوكب الأرض.
“المحيط يشهد أزمة خطيرة – ونحن نحمله ما يفوق طاقته. ليس بوسعنا الاستمرار في التعامل مع المحيط وكأن لا حدود له. بل يجب علينا أن نقيم علاقة جديدة معه تنبني على أساس العلم وتندرج ضمن إطار القانون الدولي.”
بهذه الكلمات الموجزة والمؤثرة دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للمحيطات في العام السابق 8 يونيو 2025 المجتمع الدولي إلى إعادة النظر جذريا في علاقته مع المحيطات.
تأتي هذه الدعوة في وقت بالغ الحساسية، إذ تواجه المحيطات “حالة طوارئ عالمية” تهدد قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الحيوية التي يرتكز عليها وجود الحياة على كوكب الأرض.

المحيط كمنظم لمناخ الأرض: حقائق وأرقام
يؤدي المحيط دورا محوريا في تنظيم مناخ الأرض وهو ما يتجسد في قدرته الفائقة على امتصاص الحرارة وثاني أكسيد الكربون. تشير البيانات الصادرة عن مؤتمر المحيطات لعام 2025 إلى أن المحيط يمتص 30% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية منذ العصر الصناعي .
وهذا الامتصاص رغم كونه يحمينا من تأثير الاحترار العالمي إلا أنه يأتي بثمن باهض يتمثل في تحمض المحيطات.
هذا فمنذ الحقبة الصناعية انخفض الرقم الهيدروجيني لمياه المحيط بنسبة تقارب 30%. وهذا التحول الكيميائي ليس مجرد رقم في معادلة علمية بل هو تغير يهدد الكائنات البحرية التي تعتمد على كربونات الكالسيوم لبناء أصدافها وهياكلها مثل المرجان والمحار والعوالق.
وتشير النماذج العلمية إلى أن المحيط سيصبح أكثر حمضية بنسبة 150% بحلول عام 2100 إذا استمرت الانبعاثات بالنمو.
كما يسجل المحيط ارتفاعا غير مسبوق في درجات حرارته. فعام 2024 سجل أعلى درجات حرارة للمحيطات على الإطلاق مع تسارع وتيرة الاحترار عبر جميع الأعماق. وهذا الاحترار مسؤول عن حوالي 40% من ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي الذي ارتفع بمقدار 9 سنتيمترات خلال الثلاثين عاما الماضية مع تضاعف معدل الارتفاع خلال هذه الفترة نتيجة ذوبان الصفائح الجليدية في غرينلاند وأنتاركتيكا الغربية.
المحيط والتنوع البيولوجي: كنز مهدد بالانقراض
يعد المحيط أحد أكبر خزانات التنوع البيولوجي على وجه الأرض حيث يحتوي على ما يقدر بين 500,000 و 10 ملايين نوع بحري العديد منها لم يُكتشف بعد. تضم المحيطات 32 من أصل 34 شعبة معروفة في المملكة الحيوانية ويتم التعرف على أكثر من 2000 نوع جديد سنويا.
غير أن هذا التنوع الفريد يواجه تهديدات وجودية. وفقا للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) فإن 46,300 نوع مهدد بالانقراض على مستوى العالم أي ما نسبته 28% من الأنواع التي تم تقييمها. كما أن حوالي 50% من الغطاء الحيوي للشعاب المرجانية قد فقد منذ سبعينيات القرن التاسع عشر و44% من أنواع المرجان التي تبني الشعاب معرضة لخطر الانقراض.
وقد أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن أكثر من 90% من المحيطات شهدت ظروف موجات حر في عام 2023 مما أدى إلى تسجيل رابع حدث عالمي لابيضاض المرجان.
كما تشير الدراسات الحديثة إلى أن التعرض للمخاطر المرتبطة بتغير المناخ قد يتضاعف بين مستويات الاحترار 1.5 درجة مئوية و2 درجة مئوية ويتضاعف مرة أخرى بين 2 و3 درجات مئوية. وهذا يضع النظم البيئية البحرية تحت ضغط متزايد قد يتجاوز قدرتها على التكيف.
المحيط وأهداف التنمية المستدامة: ترابط لا يمكن فصله
فيشكل الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة (الحياة تحت الماء) محورا مركزيا في الجهود الدولية لحماية المحيطات. ومع ذلك يظل هذا الهدف من بين الأقل تمويلاً بين الأهداف السبعة عشر .
وقد انعقد مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات في نيس بفرنسا في الفترة من 9 إلى 13 يونيو 2025 بمشاركة الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص بهدف “تسريع العمل وتعبئة جميع الفاعلين للحفاظ على المحيطات واستخدامها بشكل مستدام”.

وتظهر الإحصاءات المتعلقة بالهدف 14 تحديات كبيرة:
· 7% فقط من الأرصدة السمكية تُصاد ضمن مستدامة بيولوجيا (انخفاضاً من 10% عام 1974)
· 18,200 منطقة بحرية محمية تغطي 8.12% من المحيطات، وهي نسبة لا تزال أقل من هدف 10% الذي حددته خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وطموح 30% الذي حدده إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي
· حوالي 17 مليون طن من البلاستيك تدخل البحر سنوياً، مع توقعات بمضاعفة أو تضاعف هذه الكمية ثلاث مرات بحلول عام 2040 ما لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية
ويقدر أن 492 مليون شخص يعتمدون جزئيا على الأقل على مصايد الأسماك صغيرة النطاق منهم ما يقرب من نصفهم من النساء .
وهذا يوضح البعد الإنساني والاجتماعي لأزمة المحيطات إذ أن تدهور النظم البيئية البحرية يهدد بشكل مباشر سبل عيش الملايين والأمن الغذائي العالمي.
إطار قانوني جديد للمحيطات: من نيس إلى المستقبل
كما شكل مؤتمر نيس لعام 2025 منعطفا مهما في مسار الحوكمة الدولية للمحيطات حيث تم اعتماد إعلان “محيطنا مستقبلنا: متحدون من أجل عمل عاجل”.
وقد أكد الإعلان على ضرورة تعزيز الإجراءات العالمية المنسقة للتصدي للتهديدات المترابطة التي تواجه المحيطات بما في ذلك تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث.
من أهم الالتزامات التي خرج بها المؤتمر:
1. التكامل بين أطر العمل الدولية: دعا الإعلان إلى تعزيز العمل المنسق بين اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) واتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) واتفاقية المحيطات بشأن التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية (BBNJ).
2. هدف 30×30: الالتزام بحماية وإدارة 30% على الأقل من المناطق البحرية والساحلية بحلول عام 2030 تماشيا مع إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي.
3. مواجهة التلوث البلاستيكي: الإقرار بضرورة وضع صك دولي ملزم قانونا بشأن التلوث البلاستيكي بما في ذلك في البيئة البحرية يعالج دورة الحياة الكاملة للبلاستيك.
4. دعم الدول الجزرية الصغيرة النامية: الاعتراف بأن الدول الجزرية الصغيرة النامية والبلدان الأقل نموا والمجتمعات الساحلية تتأثر بشكل غير متناسب بارتفاع مستوى سطح البحر والدعوة إلى تعزيز التعاون الدولي لدعم قدراتها على التكيف.
التأثيرات المتتالية: نتائج الأبحاث العلمية الحديثة
هذا وتظهر الأبحاث العلمية الحديثة أن تأثيرات تغير المناخ على المحيطات ليست مجرد توقعات مستقبلية بل حقائق قائمة ومتسارعة.
ففي شرق البحر المتوسط الذي تم تحديده كنقطة ساخنة لتغير المناخ من المتوقع أن تحدث موجات الحر أكثر من سبع مرات بشكل متكرر وتستمر لفترة أطول بثلاث مرات بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين.
ويضاف إلى ذلك تفاقم ظاهرة تحمض المحيطات في هذه المنطقة بسبب قدرتها القلوية العالية التي تسمح بامتصاص كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون. وتشير الدراسات إلى أن التأثيرات المشتركة لارتفاع درجة حرارة المحيطات وتحمضها تؤدي إلى تغيرات في توزيع الأنواع البحرية وهجرة الأنواع غير الأصلية وتدهور النظم البيئية الحيوية.
وفي دراسة رائدة نشرت في يوليو 2025 تتبع الباحثون تأثيرات تحمض المحيطات وارتفاع درجات الحرارة على مستعمرات الحيوانات الحزازية (Bryozoans) في ينابيع ثاني أكسيد الكربون البركانية في جزيرة إيشيا الإيطالية. وأظهرت النتائج أن تحمض المحيطات يؤدي إلى:
· إضعاف الهياكل الكلسية للكائنات الحية مما يجعلها أكثر هشاشة
· اضطراب الميكروبيوم المرتبط بهذه الكائنات مما يفقدها وظائف حيوية أساسية
· تفاقم فقدان الغطاء الحيوي والموت عندما يقترن التحمض acidification بموجات الحر البحرية
وهذه النتائج تحذيرية لأن الحيوانات الحزازية هي كائنات حيوية تشكل الموائل البحرية وتلعب دورا مهما في إنتاج الرواسب وحماية الشواطئ.
وفي النهاية يمكننا القول بأنه لابد من تبني علاقة جديدة مع المحيط تعيدنا رسالة الأمين العام للأمم المتحدة إلى جوهر التحدي: لا يمكن الاستمرار في التعامل مع المحيط وكأنه نظام لانهائي القدرة على التحمل. إن الدعوة إلى “علاقة جديدة” مع المحيط تنبني على “أساس العلم” وتندرج ضمن “إطار القانون الدولي” هي دعوة لإعادة تعريف مكانة الإنسان في النظام البيئي الكوكبي.
فالعلم يقدم لنا اليوم فهما دقيقا للآليات المعقدة التي تربط المحيط بالمناخ والتنوع البيولوجي والاقتصاد العالمي والأمن الغذائي.
والقانون الدولي ممثلا باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واتفاقية BBNJ وإطار كونمينغ-مونتريال يوفر لنا الأدوات اللازمة لترجمة هذا الفهم إلى أفعال ملموسة.
كما أن خيار البشرية بسيط لكنه مصيري: إما أن نستمر في أوهام اللانهاية فنحمل المحيط ما لا يطيق ونفقد إلى الأبد كنزا بيولوجيا واقتصاديا ومناخيا لا يقدر بثمن وإما أن نتحلى بالشجاعة السياسية والعلمية لبناء هذه العلاقة الجديدة حيث يكون المحيط شريكا في التنمية المستدامة لا مكبا لنفاياتنا وضحيا لطموحاتنا غير المحدودة.
كما قال الأمين العام: “يجب أن نستثمر بشكل كبير في العلم والحفاظ على البيئة والاقتصاد الأزرق المستدام”. فالمحيط يحتاج مساعدتنا اليوم قبل فوات الأوان.
المراجع العلمية:
1. United Nations. (2025). Ocean Action Panel 7: Leveraging Ocean, Climate and Biodiversity Interlinkages. Concept paper for the 2025 UN Ocean Conference, Nice, France. A/CONF.230/2025/10.
2. United Nations Secretary-General. (2025, June 8). World Oceans Day Message. United Nations.
3. Figuerola, B., et al. (2025). Interactive effects of ocean acidification and warming disrupt calcification and microbiome composition in bryozoans. Communications Biology, 8, 1135. doi: 10.1038/s42003-025-08524-8.
4. United Nations Sustainable Development. (2025). Goal of the Month – Goal 14: Life below water. United Nations.
5. United Nations. (2025). Report of the 2025 United Nations Conference to Support the Implementation of Sustainable Development Goal 14. Nice, France, 9–13 June 2025. A/CONF.230/2025/16.
6. Christou, E. D., et al. (2025). Climate change in the “vulnerable” Eastern Mediterranean and adjacent areas: a literature review of ecological impacts and threats. Marine Environmental Research, 211, 107390. doi: 10.1016/j.marenvres.2025.107390.
7. United Nations. (2025). Ocean Action Panel 1: Conserving, sustainably managing and restoring marine and coastal ecosystems including deep-sea ecosystems. Concept paper for the 2025 UN Ocean Conference, Nice, France.
8. Schmidtko, S., Stramma, L., & Visbeck, M. (2017). Decline in global oceanic oxygen content during the past five decades. Nature, 542, 335–339.
9. Cheng, L., et al. (2025). Record high ocean temperatures in 2024.
10. IOC-UNESCO. (2024). State of the Ocean Report 2024.





