د.رفعت جبر: كيف يُجهض التحالف العربي-الإفريقي مشاريع الفوضى لـ (آبي أحمد وحميدتي)؟
عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
التحالف العربي-الإفريقي يواجه الفوضى.. قراءة في تحركات السودان وإثيوبيا
مخاض المنطقة وظلال “العملة الزائفة”
تمر القارة الإفريقية والمنطقة العربية بواحدة من أعقد المراحل الجيوسياسية في تاريخها الحديث؛ مرحلة لم تعد تحتمل المناورات الرمادية أو الصمت عن المشاريع التخريبية التي تستهدف تفتيت الدول الوطنية وتدمير وحدة أراضيها.
وفي قلب هذا المشهد المشتعل، يبرز اسمان تحولا بفعل ممارساتهما إلى تهديد مباشر للأمن القومي العربي والإفريقي على حد سواء: قائد قوات الدعم السريع “حميدتي” ورئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”.
إن التدقيق التحليلي في مسار الرجلين يكشف بوضوح أنهما يمثلان “وجهين لعملة واحدة ممنوعة من الصك”؛ عملة رديئة سُكت خارج حدود الإقليم لإنتاج الفوضى، وتفكيك الجيوش النظامية، وخلق كيانات موازية تقضم سيادة الدول.
وإذا كانت الساعات الأخيرة في الخريطة السودانية تشير إلى اقتراب ساعة الصفر وعودة الزخم العسكري والالتفاف الشعبي لصالح الدولة المركزية، فإن هذا التحول لا يعكس مجرد جولة عسكرية دافعة في الفاشر، بل يؤسس لولادة تحالف استراتيجي صلب لحماية الأمن القومي العربي-الإفريقي وتحجيم أدوات الفوضى.
سقوط نظرية “الجيوش الموازية” والأطماع التوسعية
إن التحليل الأعمق للأزمة الإقليمية يكمن في وحدة “النموذج” والتكامل الأدواتي الذي يتبعه آبي أحمد وحميدتي، حيث ارتكز كلاهما على فكرة إضعاف المؤسسات المركزية والجيوش النظامية لصالح طموحات دكتاتورية أو فئوية، برعاية قوى إقليمية ودولية وظفتهما كأدوات لخلخلة الاستقرار:
- في السودان: سعى حميدتي لشرعنة ميليشيا عائلية لتكون بديلاً عن الجيش الوطني، منتهكًا وحدة الأراضي السودانية ومهددًا العمق الاستراتيجي لمصر والأمن القومي العربي العام.
- في إثيوبيا: تبنى آبي أحمد سياسات عدائية متطرفة تجاه جيرانه، تجلت في قضم الأراضي السودانية سابقًا، والتعنت في ملف سد النهضة، وصولًا إلى توقيع اتفاق غير قانوني مع إقليم “أرض الصومال” الانفصالي للحصول على ممر بحري، وهو ما فجر غضبًا عربيًا وإفريقيًا عارمًا لانتهاكه سيادة الصومال.
الارتباط الشرطي هنا واضح؛ فالقوى الدولية والإقليمية التي راهنت على هذا الثنائي بدأت تدرك أن الكلفة السياسية والأمنية لاستمرارهما باتت باهظة جدًا، وأن ارتدادات سياساتهما أنتجت جبهات مسلحة داخلية تذيق آبي أحمد اليوم من ذات الكأس التي حاول سقاية جيرانه منها.
الفاشر ومحور الحصار.. تفكيك خطوط الإمداد العابرة للحدود
لطالما مثلت مدينة “الفاشر” التاريخية في دارفور عقدة رئيسية في الحسابات العسكرية. وتشير المعطيات التحليلية والاستخباراتية الحالية إلى تحول نوعي جوهره الحصار المتبادل؛ حيث تحولت الرغبة الميليشياوية في إسقاط المدن إلى مستنقع لعزلها وتصفيتها، وذلك عبر ثلاثة مسارات استراتيجية:
- تطويق المنافذ الغربية: نجحت الدبلوماسية الأمنية للدولة السودانية، بالتنسيق مع الجوار الليبي وتشديد الرقابة الحدودية، في شل حركات التهريب وتدفق الدعم اللوجستي العسكري الذي كان يغذي الشرايين الحيوية للميليشيا من جهة الغرب.
- قطع شريان الشرق الإثيوبي: في خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، تم إغلاق وتأمين الحدود الشرقية ومنع مسارات توريد الأسلحة الممتدة عبر الأراضي الإثيوبية، مما وضع “آبي أحمد” في مواجهة مباشرة مع ارتدادات سياساته بعد تكشف حجم التنسيق الساعي لإنهاك الدولة السودانية.
- التفوق الاستخباراتي والعمق الشعبي: تحول الجيش السوداني إلى التخطيط الهجومي الحاسم مستندًا إلى تدفق معلوماتي دقيق يرصد غرف قيادة العدو، مدفوعًا بـالمقاومة الشعبية والالتفاف الهائل من القبائل والمدنيين الذين رفضوا انتهاكات الميليشيا، مما جعل معركة دارفور مقبرة للمشروع الميليشياوي.
التوازن التسليحي الجديد.. الصفقات التي قلبت الطاولة
لم تكن الاستغاثات والرسائل المكتومة التي تبادلتها أطراف المحور الداعم للميليشيات مجرد مناورة، بل جاءت كانعكاس مباشر لظهور ترسانة تسليحية رادعة وبيد الجيش النظامي السوداني غيرت قواعد الاشتباك التقليدية؛ حيث رفد هذا التحول الجيوسياسي القوات المسلحة بسرب طيران حديث مجهز بأحدث تكنولوجيا التفوق الجوي ليدك تحصينات المتمردين وحشودهم العسكرية مشلًا حركتهم تمامًا.
وتكامل هذا الغطاء الجوي مع دخول مسيرات انقضاضية وصواريخ “أرض-جو” ذات تقنيات متطورة، أثبتت كفاءة استراتيجية بالغة في اصطياد القيادات الميدانية للميليشيا بدقة وتدمير خطوط إمدادها الخلفية، فضلًا عن تحييد أي محاولات للاختراق أو الدعم اللوجيستي الخارجي عبر الجو.
تحالف الأبرار.. حائط الصد العربي-الإفريقي المشترك
إن القيمة المالية والعسكرية لهذه التحولات العسكرية، والتي قُدرت بمليارات الدولارات، أظهرت بوضوح ملامح “تحالف الأبرار”؛ وهو تنسيق ودعم استراتيجي مباشر من القوى العربية والإفريقية الكبرى (وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، بالتكامل مع العمق الإفريقي المتمثل في الصومال وإريتريا).
لقد أفرز هذا التحالف قرارًا إقليميًا حاسمًا: لن يُسمح بوجود موطئ قدم لأي مشروع يهدد الممرات المائية الحيوية (البحر الأحمر وباب المندب)، أو يسعى لتأسيس جيوش موازية على أنقاض الدول. هذا المحور الصلب نجح في عزل نظام آبي أحمد سياسيًا وإضعاف أوراقه، بالتزامن مع المحاصرة العسكرية الخانقة لحميدتي وميليشياته.
معالم الخلاص وحتمية الاصطفاف
تتجه الأزمة في السودان والقرن الإفريقي نحو لحظة حاسمة لإعادة صياغة التوازنات؛ فبقاء الدولة السودانية موحدة بجيشها الوطني، وحماية سيادة الصومال، هما صمام الأمان لمنع تفتيت المنطقة وصيانة سلامة الأراضي العربية والإفريقية من التمدد الميليشياوي.
وفي ظل السقوط الوشيك لمشروع حميدتي عسكريا، يواجه آبي أحمد ضغوطًا داخلية خانقة من جبهات المقاومة المسلحة (مثل انتفاضة “فانو” في إقليم أمهرة والأوضاع في تيغراي وأوروميا)، مما سيضطر القوى الدولية لرفع غطائها عنه وإخضاعه للتوقف عن سياسة ابتزاز دول المصب (مصر والسودان) ودول الجوار، لأن البديل سيكون انفجارًا شاملًا لا يمكن لأحد تحمل نتائجه.
لقد برهن “التحالف العربي-الإفريقي” المشترك أن الموارد، والمعلومات، والإرادة السياسية عندما تلتقي، قادرة على محاصرة أعتى المشاريع التخريبية. وإن غدًا لمتأمليه قريب، حيث ستظل الدولة الوطنية هي الأصل، وتذهب الكيانات الموازية وفراغها الأمني إلى مزبلة التاريخ كعملة زائفة لفظتها شعوب المنطقة ورفضت صكّها سنن التاريخ.





