د. محمد عبد العزيز بلح: كيف يهدد خس الماء نهر النيل وقنوات الري في مصر؟
أستاذ المبيدات ومكافحة الحشائش - مركز بحوث الصحراء
نبات خس الماء أو البستيا (Pistia stratiotes) هو نبات مائي معمر يطفو بحرية، يتميز بأوراقه الخضراء السميكة التي تشكل وردة على سطح الماء. يزهر النبات صيفًا، وله جاذبية خاصة، كما تتدلى جذوره في الماء، ويصل قطره إلى 20 سم.
ورغم جماله الظاهري الذي يجعله مرغوبًا في أحواض الزينة، فإن هذا النبات يمثل تهديدًا بيئيًا واقتصاديًا كبيرًا في العديد من مناطق العالم، حيث يُصنف ضمن الأنواع الغازية التي تميل إلى الانتشار بكثافة، وتتسبب في أضرار جسيمة للنظم البيئية المائية والأنشطة البشرية.
ورغم اكتشافه عند منابع نهر النيل منذ عشرات السنين، فإن أصله يُعتقد أنه يعود إلى أمريكا الجنوبية (المناطق الاستوائية)، ثم انتقل إلى إفريقيا وآسيا عبر مياه توازن السفن. وهو اليوم منتشر في جميع المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية حول العالم، وينتشر حاليًا في المجاري المائية ومصارف الري وأجزاء من نهر النيل في شمال ودلتا مصر.

انتشار نبات خس الماء في قناة ري بمحافظة الغربية
يشكل انتشار خس الماء تهديدًا متعدد الأوجه للبيئات المائية، ويمكن تلخيص أضراره فيما يلي:
1- عندما يغطي خس الماء سطح المسطح المائي بالكامل، يحدث اضطراب كبير في التوازن الكيميائي للمياه. تؤدي الكثافة العالية للنبات إلى انخفاض حاد في مستويات الأكسجين الذائب ودرجة الحموضة (pH)، مع زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون نتيجة تراكم الكتلة الحيوية.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن خس الماء يساهم في تحمّض المياه بمرور الوقت، مما يخلق ظروفًا مرهقة للكائنات المائية، ويزيد من سمية المعادن فيها.
2- تشكل الكتل الكثيفة من خس الماء حاجزًا يمنع وصول الضوء إلى النباتات المائية، مما يؤدي إلى موتها واختفائها. هذا التحول في البيئة المائية يغير طابعها بالكامل، ويؤدي إلى نفوق معظم الكائنات المائية الأصلية. كما تعيق هذه الكثافة الطيور المائية عن التغذي، وتوفر بيئة مثالية لتكاثر البعوض والحشرات الناقلة للأمراض.
3- تتسبب كتل خس الماء الكثيفة في سد القنوات والمجاري المائية، مما يعيق الملاحة وصيد الأسماك والسباحة. كما تؤثر هذه الكثافة على كفاءة مضخات المياه، وتعرقل الري الزراعي، وتحد من توليد الطاقة الكهرومائية، وتغزو حقول الأرز، مما يحد بشدة من نمو هذا المحصول الأساسي.

نهاية قناة ري بمركز قطور محافظة الغربية
4- عندما يغطي النبات سطح الماء بالكامل، يمنع وصول أشعة الشمس إلى النباتات المائية الأخرى، وعند موت تلك النباتات، يؤدي تحللها إلى استهلاك الأكسجين المذاب في الماء، مما يتسبب في نفوق الأسماك.
5- قد يسد المجاري المائية والقنوات، ويعيق حركة القوارب وشباك الصيادين.
التكاثر والانتشار
يتكاثر خس الماء خضريًا باستخدام سيقان أفقية قصيرة تُعرف بـ”المدادات”، ويكون تكاثره سريعًا في الظروف المثالية مثل دفء المياه وغناها بالعناصر الغذائية. إذ يستطيع النبات الواحد إنتاج نباتات جديدة كل بضعة أيام عبر سيقان جانبية قصيرة، مما يجعله يغطي سطح القناة بالكامل خلال أسابيع قليلة.
كما يتكاثر جنسيًا عبر أزهار صغيرة خفية تنتج بذورًا صغيرة، إلا أن دور البذور يظل محدودًا مقارنة بالتكاثر الخضري في الانتشار السريع.

قناة ري بمحافظة الغربية
طرق المكافحة والتخلص من خس الماء
تعتمد استراتيجيات مكافحة خس الماء على نهج المكافحة المتكاملة، الذي يجمع بين عدة طرق لتحقيق السيطرة الفعالة والمستدامة:
1- الوقاية
تتركز على منع دخول النبات إلى المسطحات المائية من خلال تنظيم تجارة نباتات الزينة، والكشف المبكر والاستجابة السريعة عند ظهور بؤر جديدة، بالإضافة إلى تعزيز نمو النباتات المحلية المنافسة.
2- المكافحة الميكانيكية
تشمل الإزالة اليدوية أو باستخدام المعدات، وتُعد مناسبة للمساحات الصغيرة أو في المراحل المبكرة من الانتشار. ويجب تنفيذها قبل موسم التزهير لمنع تكوين البذور، مع تجفيف النباتات المستأصلة بعيدًا عن الماء لمدة تصل إلى شهرين.
3- المكافحة الحيوية
تُعد من أكثر الطرق استدامة، ومن أبرز وسائلها استخدام “سوسة الماء”، وهي حشرة موطنها الأصلي أمريكا الجنوبية، وقد أثبتت نجاحًا كبيرًا في عدة دول. كما تُجرى تجارب على فطريات وعوامل حيوية أخرى.
4- المكافحة الكيميائية
تشمل استخدام مبيدات مائية مثل: بيسبيريباك، كارفينترازون، ديكوات، فلوميوكسازين، جليفوسات، وإيمازابير. ورغم فعاليتها، فإن لها آثارًا بيئية محتملة، خاصة في المساحات الكبيرة، حيث يؤدي تحلل النباتات الميتة إلى انخفاض الأكسجين وتعقيد استعادة التوازن البيئي.

الطرق الاقتصادية لاستغلال خس الماء
1- الأعلاف
يُستخدم محليًا كغذاء للدواجن ومكمل في أعلاف الماشية، نظرًا لاحتوائه على نسبة جيدة من البروتين. وقد نجحت شركة ماليزية في تحويله إلى مسحوق يُستخدم في أعلاف الأسماك، مما يقلل التكاليف بنسبة تصل إلى 20%.
2- الوقود الحيوي
يمكن استخدامه كمادة خام لإنتاج الإيثانول الحيوي والبيوجاز، حيث أظهرت الدراسات كفاءة جيدة في إنتاج الطاقة مقارنة بالنباتات الأخرى.
3- المعالجة الحيوية للمياه
يمتلك قدرة عالية على امتصاص العناصر الغذائية الزائدة والمعادن الثقيلة، مما يجعله مناسبًا لتنقية مياه الصرف الزراعي والصناعي.

خاتمة
يمثل خس الماء تحديًا بيئيًا واقتصاديًا كبيرًا يتطلب إدارة متكاملة تجمع بين المكافحة الميكانيكية والكيميائية والحيوية، مع التركيز على الوقاية والكشف المبكر. وفي المقابل، فإن استغلاله اقتصاديًا في مجالات الأعلاف والطاقة الحيوية والمعالجة البيئية قد يحول هذا التحدي إلى فرصة.
ويبقى التحدي الأكبر في تحقيق التوازن بين الاستفادة من هذا المورد الطبيعي، ومنع انتشاره وتحوله إلى آفة غازية تهدد المجاري المائية والنظم البيئية.





