أهم الموضوعاتأخبارالتنوع البيولوجي

بعد أكثر من 120 نوعًا مهاجرًا.. طريقة جديدة تراقب الأسماك المرشحة لغزو البحر المتوسط عبر قناة السويس

الاحتباس الحراري يسرّع الهجرة.. الذكاء الإحصائي يرصد موجة جديدة من أسماك البحر الأحمر إلى المتوسط

علماء يتنبأون بموجة جديدة من الأسماك الغازية في البحر المتوسط.. دراسة تكشف الأنواع الأكثر ترشيحًا للهجرة عبر قناة السويس

لم يعد العلماء مضطرين إلى انتظار ظهور أنواع جديدة من الأسماك في البحر المتوسط حتى يكتشفوا أنها غزت مياهه، إذ نجح فريق من الباحثين في تطوير نموذج علمي قادر على التنبؤ مسبقًا بالأنواع الأكثر احتمالًا للانتقال من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وهو إنجاز قد يمنح الدول المطلة على المتوسط فرصة للاستعداد مبكرًا لحماية الثروة السمكية والتنوع البيولوجي قبل وقوع الغزو البيولوجي.

وتأتي أهمية هذه الدراسة في وقت يشهد فيه البحر المتوسط تغيرات مناخية متسارعة، إذ ترتفع درجة حرارة مياهه بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، الأمر الذي يجعل بيئته أكثر ملاءمة للأنواع الاستوائية القادمة من البحر الأحمر، ويزيد احتمالات نجاحها في الاستقرار والتكاثر.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Journal of Animal Ecology، وأوضح الباحث Shahar Chaikin، الذي قاد الدراسة ضمن رسالة الدكتوراه في Tel Aviv University، بإشراف الأستاذ Jonathan Belmaker، أن النموذج الجديد لا ينتظر وصول الأنواع إلى البحر المتوسط، بل يرتب أنواع أسماك البحر الأحمر وفق احتمالات نجاحها في الهجرة والاستقرار مستقبلًا.

الإطار المفاهيمي لنهج المقارنات المتعددة المستخدم لتوصيف الغزو اللسيبسي (Lessepsian invasion)
الإطار المفاهيمي لنهج المقارنات المتعددة المستخدم لتوصيف الغزو اللسيبسي (Lessepsian invasion)

أكثر من 150 عامًا من الهجرة عبر قناة السويس

بدأت رحلة انتقال الأسماك من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط منذ افتتاح قناة السويس عام 1869، التي أنشأت لأول مرة ممرًا مائيًا مباشرًا بين البحرين.

ومنذ ذلك الحين، سجل العلماء استقرار أكثر من 120 نوعًا من الأسماك في البحر المتوسط بعد هجرتها من البحر الأحمر، وهي ظاهرة تعرف علميًا باسم الهجرة الليسبسية، نسبة إلى الدبلوماسي الفرنسي الذي أشرف على مشروع إنشاء قناة السويس.

وخلال العقود الماضية، اعتمد العلماء على رصد الأنواع الجديدة بعد وصولها بالفعل إلى البحر المتوسط، ثم دراسة أسباب نجاحها في الاستقرار، إلا أن الدراسة الجديدة قلبت هذه الفكرة، إذ أصبحت قادرة على توقع الأنواع المقبلة قبل أن تعبر القناة.

الاحتباس الحراري يسرّع الهجرة
الاحتباس الحراري يسرّع الهجرة

نموذج يتوقع الغزاة قبل وصولهم

طوّر الباحثون نموذجًا إحصائيًا يعتمد على تحليل الخصائص البيئية والسلوكية لعشرات الأنواع الموجودة في البحر الأحمر، ثم يقارنها بخصائص الأنواع التي نجحت بالفعل في غزو البحر المتوسط خلال أكثر من قرن ونصف.

وبدلًا من انتظار ظهور نوع جديد، يمنح النموذج لكل نوع “درجة احتمال” تعكس فرص نجاحه في عبور قناة السويس والاستقرار في البحر المتوسط.

ويقول الباحثون، إن هذه الآلية تمثل تحولًا كبيرًا في إدارة النظم البيئية، لأنها تنقل الجهود من مرحلة الاستجابة بعد حدوث الغزو إلى مرحلة التنبؤ والوقاية.

ثلاثة أنواع تتصدر قائمة المراقبة

حددت الدراسة ثلاثة أنواع جاءت في مقدمة القائمة بوصفها الأكثر احتمالًا للانتقال إلى البحر المتوسط خلال الفترة المقبلة، وهي:

  •  السمكة النفاخة النجمية.
  •  سمكة الماعز القرمزية.
  •  سمكة التريفالي صفراء البقع.

كما أعد الباحثون قائمة أطول تضم عددًا من الأنواع الأخرى التي ينبغي مراقبتها باستمرار، تحسبًا لظهورها مستقبلًا في مياه البحر المتوسط.

الاحتباس الحراري يسرّع الهجرة
الاحتباس الحراري يسرّع الهجرة

المفاجأة.. ليست الأسماك الأكثر قدرة على التكيف

على مدى سنوات طويلة، اعتقد علماء الأحياء البحرية أن أكثر الأسماك قدرة على غزو البيئات الجديدة هي الأنواع التي تستطيع العيش في ظروف متنوعة، سواء من حيث درجات الحرارة أو نوع القاع أو مصادر الغذاء.

وأشار البروفيسور جوناثان بيلميكر إلى أن معظم الدراسات السابقة ركزت على الأنواع بعد وصولها إلى البحر المتوسط، بينما سعت الدراسة الجديدة إلى فهم خصائصها قبل بدء الهجرة، وهو ما يجعل النموذج قادرًا على التنبؤ بالغزوات البيولوجية المستقبلية بدلًا من تفسير ما حدث بالفعل.

لكن نتائج الدراسة كشفت أن هذا الاعتقاد ليس العامل الحاسم، فقد تبين أن أهم عامل يحدد نجاح الأسماك في الهجرة ليس مرونتها البيئية، وإنما عدم اعتمادها على الشعاب المرجانية.

ويرجع ذلك إلى أن البحر الأحمر يتميز بانتشار واسع للشعاب المرجانية، بينما تكاد هذه الشعاب تكون نادرة داخل قناة السويس وعلى معظم سواحل البحر المتوسط.

ولهذا السبب، فإن الأنواع التي تعتمد على الشعاب المرجانية للحصول على الغذاء أو الحماية أو التكاثر تجد صعوبة كبيرة في إكمال الرحلة أو الاستقرار بعد وصولها، بينما تحقق الأنواع التي تستطيع العيش بعيدًا عن الشعاب فرصًا أكبر للنجاح.

مناطق الدراسة وتصميم أنظمة الكاميرات المجسمة المربوطة بطُعم (stereo-BRUVs)
مناطق الدراسة وتصميم أنظمة الكاميرات المجسمة المربوطة بطُعم (stereo-BRUVs)

مراقبة الحياة البحرية دون إزعاجها

وللتأكد من صحة هذه الفرضية، استخدم الباحثون نظامًا متطورًا للتصوير تحت الماء يعتمد على كاميرتين ثلاثيتي الأبعاد مع طُعم لجذب الأسماك.

ويمتاز هذا النظام بأنه يسجل السلوك الطبيعي للأسماك دون وجود غواصين، لأن وجود الإنسان قد يغير سلوك الكائنات البحرية ويؤثر في النتائج.

ووُضعت هذه الكاميرات في مواقع مختلفة بخليج العقبة وعلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وعلى أعماق تراوحت بين 5 و150 مترًا.

وخلال الدراسة، حلل العلماء مئات الساعات من التسجيلات المصورة، ودرسوا 179 تجمعًا من الأسماك، وقارنوا بين الأنواع التي نجحت في غزو البحر المتوسط وتلك التي ما تزال تعيش فقط في البحر الأحمر.

الأسماك الغازية لا تبحث عن أماكن خالية

تحولات الموائل

كشفت الدراسة نتيجة أخرى خالفت الاعتقاد العلمي السائد، فقد كان العلماء يظنون أن الأنواع الغازية تبحث عادة عن بيئات غير مستغلة داخل النظام البيئي الجديد، بحيث تتجنب الاحتكاك المباشر بالأنواع المحلية.

لكن النتائج أظهرت العكس تمامًا، فبعد وصولها إلى البحر المتوسط، تتجه الأسماك المهاجرة سريعًا إلى الموائل نفسها التي تعيش فيها الأسماك المحلية، ما يؤدي إلى منافسة مباشرة على الغذاء وأماكن الاختباء ومناطق التكاثر.

ويرى الباحثون أن هذه المنافسة قد تؤثر بمرور الوقت في أعداد الأنواع المحلية، وربما تغير التركيب البيئي للمنطقة بأكملها إذا استمرت الهجرة بمعدلات مرتفعة.

التغير المناخي يزيد سرعة الهجرة

تشير الدراسة إلى أن ارتفاع حرارة البحر المتوسط نتيجة التغير المناخي يمثل أحد أهم العوامل التي تساعد الأنواع الاستوائية القادمة من البحر الأحمر على البقاء والتكاثر.

فكلما اقتربت حرارة مياه البحر المتوسط من حرارة البحر الأحمر، أصبحت الظروف أكثر ملاءمة للأسماك المهاجرة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة أعداد الأنواع الغازية خلال العقود المقبلة.

كما أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يسمح لأنواع لم تكن قادرة سابقًا على تحمل ظروف البحر المتوسط بأن تصبح قادرة على الاستقرار فيه.

أهمية الدراسة لمصر ودول البحر المتوسط

تمثل نتائج الدراسة أهمية خاصة لمصر، باعتبارها الدولة التي تمر عبر أراضيها قناة السويس، التي تعد الممر الرئيسي لهذه الهجرة البحرية.

كما يمكن أن تساعد نتائجها الجهات المعنية بالثروة السمكية والبيئة في مصر ودول شرق المتوسط على:

  •  إعداد قوائم مراقبة للأنواع المتوقع وصولها.
  •  تطوير برامج الإنذار المبكر لرصد أي ظهور جديد.
  •  حماية التنوع البيولوجي والثروة السمكية المحلية.
  •  تقييم المخاطر البيئية والاقتصادية قبل انتشار الأنواع الغازية.

وضع خطط لإدارة النظم البيئية البحرية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

خطوة جديدة نحو التنبؤ بالغزوات البيولوجية

يرى الباحثون أن الدراسة تمثل تحولًا في فهم الغزوات البيولوجية البحرية، إذ لم تعد تقتصر على تفسير ما حدث في الماضي، وإنما أصبحت تقدم وسيلة للتنبؤ بما قد يحدث مستقبلًا.

ويخطط الفريق البحثي لدمج هذا النموذج ضمن برامج الرصد البيئي المستمرة، بحيث يتم تحديث قوائم الأنواع المرشحة للهجرة بصورة دورية، بما يمنح صناع القرار والعلماء وقتًا كافيًا لاتخاذ الإجراءات الوقائية قبل أن تتحول الأنواع الجديدة إلى جزء دائم من النظام البيئي للبحر المتوسط.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة