أخبارصحة الكوكب

هل يمكن لتنقية الدم التخلص من الميكروبلاستيك؟ دراسة أولية تبعث الأمل

تقنية مستخدمة لعلاج الكوليسترول تكشف قدرة غير متوقعة على إزالة الملوثات الأبدية

كشفت دراسة علمية جديدة عن نتائج واعدة تشير إلى أن تقنية علاجية مستخدمة منذ سنوات لعلاج ارتفاع الكوليسترول قد تتمكن أيضًا من تقليل مستويات بعض «المواد الكيميائية الأبدية» (PFAS) وجزء من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics) الموجودة في دم الإنسان، إلا أن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تزال أولية وتحتاج إلى دراسات أوسع لتأكيد فعاليتها على المدى الطويل.

تقنية قديمة بنتائج جديدة

اعتمدت الدراسة على تقنية الفصادة العلاجية (Therapeutic Apheresis) ، وهي إجراء طبي يُسحب خلاله الدم من المريض، ثم يُزال منه الكوليسترول الضار وبعض مكونات الدهون قبل إعادته إلى الجسم.

ورغم استخدام هذه التقنية منذ عقود لعلاج اضطرابات الدهون الوراثية، لاحظ فريق بحثي من جامعة دريسدن التقنية والمستشفى الجامعي “كارل جوستاف كاروس” في ألمانيا أنها قد تُزيل أيضًا ملوثات كيميائية كانت تُعد شبه مستحيل التخلص منها داخل الجسم.

ونُشرت الدراسة في دورية Brain Health.

الميكروبلاستيك الصناعي

لماذا يصعب التخلص من PFAS؟

تضم مجموعة PFAS أكثر من 4700 مركب كيميائي صناعي استُخدم لعقود في تصنيع الأقمشة المقاومة للماء، وأدوات الطهي غير اللاصقة، ورغوات مكافحة الحرائق، والعديد من المنتجات الصناعية.

وتُعرف هذه المركبات باسم “المواد الكيميائية الأبدية” لأنها تتحلل ببطء شديد، وقد تبقى داخل جسم الإنسان سنوات طويلة، إذ تشير الدراسات إلى أن نصف الكمية الموجودة في الجسم قد يحتاج بين 4.8 و8.5 سنوات حتى يختفي بصورة طبيعية.

وتوجد هذه المركبات في دم أكثر من 99% من السكان في الولايات المتحدة، كما تعرض مئات الملايين لها عبر مياه الشرب الملوثة.

الملوثات ترتبط بالدهون

انطلقت فرضية الباحثين من حقيقة أن مركبات PFAS ترتبط بجزيئات الدهون والبروتينات الدهنية مثل LDL وVLDL، وهي نفسها التي تستهدفها أجهزة الفصادة العلاجية.

وافترض الفريق أن إزالة هذه الجزيئات الدهنية قد تؤدي تلقائيًا إلى التخلص من جزء من الملوثات المرتبطة بها.

المواد الكيميائية الدائمة PFAS

انخفاض ملحوظ في مستويات PFAS

أظهرت النتائج أن المؤشرات التقليدية للعلاج، مثل الكوليسترول الضار والبروتينات الدهنية الالتهابية، انخفضت كما هو متوقع.
أما المفاجأة فكانت في تحاليل المطياف الكتلي، التي أظهرت لدى 14 مريضًا انخفاضًا وصل إلى 25% في أربعة من أشهر مركبات PFAS بعد جلستي علاج.

وفي مجموعة أخرى من أربعة مرضى، سجلت جلسة واحدة انخفاضات أكبر، شملت:

  •  PFOS بنسبة 48.9%
  •  PFOA بنسبة 43.5%
  •  PFNA بنسبة 55%
  •  PFDoDA بنسبة 75.8%

كما عُثر على هذه المركبات في السائل الذي يفصله الجهاز ويتخلص منه، ما يشير إلى أنها خرجت بالفعل من مجرى الدم.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، Stefan R. Bornstein، إن الفريق لم يكن يبحث أساسًا عن إزالة هذه الملوثات، لكن التحاليل أظهرت حدوث “إزالة ذات دلالة وفعالية لهذه السموم من الدورة الدموية”.

ماذا عن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة؟

كانت النتائج الخاصة باللدائن الدقيقة أقل حسمًا، ففي عينات محدودة، انخفضت مستويات بعض أنواع البلاستيك مثل البولي إيثيلين لدى جميع المرضى، بينما تباينت النتائج بالنسبة لأنواع أخرى مثل البولي بروبيلين والبولي ستايرين.

كما استخدم الباحثون وسائل تحليل مختلفة، بينها قياسات التدفق الخلوي والتحليل الطيفي، وأظهرت إحدى الطرق انخفاضًا متوسطه نحو 70% في الجسيمات المرصودة، إلا أن الباحثين أكدوا أن هذه النتائج لا تثبت بصورة قاطعة إزالة البلاستيك نفسه، لأن بعض طرق القياس قد ترصد أيضًا جزيئات دهنية أخرى.

العثور على البلاستيك داخل الأنسجة

لم تقتصر الدراسة على الدم، إذ تمكن الباحثون باستخدام تقنية رامان الطيفية من رصد جسيمات من البولي ستايرين داخل عينات من جلد الجفن البشري، وهو ما يوفر وسيلة جديدة لتحديد أماكن تراكم البلاستيك داخل أنسجة الجسم.

كما أظهرت تجارب مخبرية أن تعريض خلايا الغدة الكظرية البشرية لجسيمات بلاستيكية نانوية ارتبط بمؤشرات تشير إلى زيادة تلف الخلايا، في حين بدا أن مصل الدم المأخوذ بعد جلسات العلاج خفف من هذه المؤشرات، إلا أن الباحثين وصفوا هذه النتائج بأنها اتجاهات أولية وليست دليلًا قاطعًا.

PFAS المواد الكيميائية الخطرة

خبرة طويلة وسجل أمان جيد

وأشار الفريق إلى أن مركز دريسدن يُجري نحو 200 جلسة فصادة علاجية أسبوعيًا، ويستخدم هذه التقنية منذ أكثر من 25 عامًا لعلاج مرضى ارتفاع الكوليسترول الوراثي.

ووفقًا للباحثين، فإن الآثار الجانبية المعروفة للعلاج غالبًا ما تكون بسيطة ومؤقتة، مثل انخفاض ضغط الدم، والدوخة، والإرهاق، والغثيان، وتقلصات العضلات.

قيود مهمة للدراسة

أكد الباحثون أن الدراسة تعاني عدة قيود، أبرزها:

  •  صغر حجم العينات.
  •  اختلاف الحالات المرضية وأنواع أجهزة العلاج المستخدمة.
  •  عدم وجود تجربة عشوائية محكمة.
  •  غياب بيانات طويلة الأجل حول استمرار انخفاض الملوثات.
  •  احتمال عودة جزء من المركبات إلى الدم مع تحررها تدريجيًا من الأنسجة.
  •  وجود علاقات مالية معلنة لبعض الباحثين مع شركات تصنيع أجهزة الفصادة العلاجية.

وشدد الفريق على أن النتائج تعكس انخفاضًا مؤقتًا في تركيز الملوثات داخل الدورة الدموية بعد العلاج مباشرة، ولا تثبت التخلص الكامل من المخزون المتراكم داخل الجسم.

الحاجة إلى دراسات أكبر

يخطط الباحثون لإجراء دراسات أوسع تشمل نماذج حيوانية وبشرية لتقييم مدى قدرة هذه التقنية على تقليل العبء الكلي للملوثات وتحسين النتائج الصحية على المدى البعيد.

وأكدوا أن الوقاية من التعرض للمواد الكيميائية الأبدية والجسيمات البلاستيكية الدقيقة تظل الخيار الأكثر فاعلية والأقل تكلفة، بينما يبقى التخلص منها بعد دخولها الجسم تحديًا طبيًا معقدًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة