بعض المدن تقترب من درجات حرارة لا يستطيع الإنسان النجاة منها
تغير المناخ يقترب بالبشر من عتبة لا يستطيع الجسم تجاوزها
حذر تقرير حديث من أن موجات الحر الشديدة الناتجة عن تغير المناخ تدفع بعض مناطق العالم تدريجيًا نحو حدود القدرة البشرية على البقاء، مع تزايد احتمالات تعرض ملايين الأشخاص لظروف مناخية قد تصبح مهددة للحياة خلال العقود المقبلة.
وأوضح التقرير، أن جسم الإنسان يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع نطاق واسع من درجات الحرارة، إلا أن هذه القدرة ليست بلا حدود، إذ توجد نقطة حرجة يصبح عندها الجسم غير قادر على تبريد نفسه مهما توفرت المياه أو الظل أو الراحة.
ويعتمد العلماء في تقييم هذه المخاطر على ما يعرف بـ”درجة حرارة البصيلة الرطبة” (Wet-Bulb Temperature)، وهي مؤشر يجمع بين درجة الحرارة والرطوبة لقياس قدرة الجسم على التخلص من الحرارة عبر التعرق.
وعندما تصل درجة حرارة البصيلة الرطبة إلى 35 درجة مئوية، يفقد العرق فعاليته في تبريد الجسم بسبب تشبع الهواء بالرطوبة، ما يمنع تبخر العرق ويؤدي إلى تراكم الحرارة داخل الجسم بصورة قد تصبح قاتلة خلال فترة زمنية محدودة.
وفاة نحو 500 ألف شخص سنويًا

وأشار التقرير إلى أن هذا الحد يمثل أقصى عتبة معروفة لقدرة الإنسان على البقاء، إلا أن المخاطر الصحية تبدأ قبل الوصول إليه بفترة طويلة، خاصة لدى كبار السن والعاملين في الأماكن المكشوفة والأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة.
وتشير التقديرات إلى أن الحرارة الشديدة تتسبب بالفعل في وفاة نحو 500 ألف شخص سنويًا حول العالم، فوق معدلات الوفيات الطبيعية.
وسلط التقرير الضوء على مدينة جاكوب آباد في جنوب باكستان، التي تعد واحدة من أكثر مدن العالم حرارة، حيث تجاوزت بالفعل حد 35 درجة مئوية للبصيلة الرطبة عدة مرات منذ عام 2010.
كما تشير دراسات مناخية إلى أن أجزاء من جنوب آسيا والشرق الأوسط قد تشهد هذه الظروف بصورة متكررة بحلول عام 2070 إذا استمرت معدلات الاحترار الحالية.
وصنفت جامعة الأمم المتحدة الحرارة الشديدة باعتبارها واحدة من ست نقاط تحول عالمية خطرة يقترب منها العالم حاليًا، وهي نقاط قد تؤدي إلى آثار واسعة النطاق يصعب عكسها أو الحد من تداعياتها بعد تجاوزها.
وأكد التقرير، أن التأثيرات لا تتوزع بالتساوي بين السكان، إذ تتحمل المجتمعات الفقيرة العبء الأكبر بسبب محدودية الوصول إلى التكييف والكهرباء والمياه النظيفة والخدمات الصحية، ما يجعلها أكثر عرضة لمخاطر الإجهاد الحراري.
كما أشار إلى أن الهجرة ليست خيارًا متاحًا لمعظم الأشخاص المعرضين لهذه المخاطر، نظرًا للارتباط بالعمل والأسرة والموارد المالية والقيود الاجتماعية والقانونية، ما يجعل التكيف المحلي ضرورة ملحة.

ورأى التقرير، أن التخطيط العمراني يمثل أحد أهم أدوات التكيف مع موجات الحر المتزايدة، حيث تختلف درجات الحرارة داخل المدن نفسها تبعًا لطبيعة الأحياء والبنية التحتية.
فالأحياء التي تضم مساحات خضراء وأشجارًا ومبانٍ جيدة العزل تكون أكثر برودة بشكل ملحوظ مقارنة بالمناطق الفقيرة التي تهيمن عليها الأسطح الخرسانية والإسفلتية التي تمتص الحرارة نهارًا وتعيد إطلاقها ليلًا.
وأوضح التقرير أن استراتيجيات التبريد تنقسم إلى نوعين رئيسيين؛ الأول يعتمد على التبريد النشط باستخدام المراوح وأجهزة التكييف، والثاني يعتمد على التبريد السلبي من خلال الحلول الطبيعية والعمرانية.
ورغم فعالية أجهزة التكييف، فإن استخدامها المكثف خلال موجات الحر يفرض ضغوطًا كبيرة على شبكات الكهرباء، كما قد يفاقم الانبعاثات الكربونية إذا كانت الطاقة المستخدمة تعتمد على الوقود الأحفوري.
في المقابل، توفر أسطح المباني العاكسة للحرارة، والطلاءات فاتحة اللون، وزراعة الأشجار، وإنشاء الحدائق والممرات المظللة، وسائل أكثر استدامة لخفض درجات الحرارة داخل المدن.

المدينة الإسفنجية
كما بدأت بعض المدن في تبني مفهوم “المدينة الإسفنجية”، الذي يدمج المساحات الخضراء مع أنظمة إدارة مياه الأمطار للحد من الفيضانات وتوفير التبريد الطبيعي في الوقت نفسه.

وأشار التقرير إلى أن الحرارة الشديدة بدأت بالفعل في تغيير أنماط الحياة والعمل حول العالم، حيث اضطرت بعض دول الخليج إلى حظر العمل في المواقع المكشوفة خلال ساعات الظهيرة في أشهر الصيف للحد من المخاطر الصحية.
كما أصبحت الأحداث الرياضية الكبرى أكثر تأثرًا بالظروف المناخية، وهو ما دفع إلى نقل بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر من فصل الصيف إلى الشتاء بسبب المخاوف المرتبطة بالحرارة المرتفعة.
وأكد التقرير أن تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية خلال موجات الحر، وتشجيع المبادرات المجتمعية لمساعدة الفئات الأكثر هشاشة، يمكن أن يسهم في تقليل الخسائر البشرية.
ومع ذلك، شدد التقرير على أن إجراءات التكيف، رغم أهميتها، لا تعالج السبب الجذري للمشكلة، إذ تبقى الخطوة الأكثر فعالية هي الحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري والتسريع في التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
وخلص التقرير إلى أن الوصول إلى حدود البقاء البشري لم يعد سيناريو افتراضيًا بعيدًا، بل أصبح واقعًا تشهده بالفعل بعض المدن حول العالم، ما يجعل مكافحة تغير المناخ ضرورة عاجلة لحماية حياة الملايين خلال العقود المقبلة.





