أخبارالمدن الذكيةالاقتصاد الأخضر

رخيصة وسريعة ومغرية.. لماذا يتجاهل المتسوقون أحيانًا كلفة الموضة السريعة على البيئة؟

الموضة السريعة تنتصر على الوعي البيئي.. السعر والراحة يغيران قرار المستهلك

قد يبدو شراء قميص رخيص قرارًا بسيطًا؛ فهو لا يكلف كثيرًا، ولا يستغرق سوى ثوانٍ لإتمامه، وقد يصل إلى المنزل بعد بضع نقرات على الهاتف. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن قرار الشراء في منصات الموضة فائقة السرعة قد يبدأ قبل وقت طويل من لحظة الدفع.

وتكشف نتائج بحث جديد أن المستهلكين يمكن أن يكونوا على دراية بالمشكلات البيئية المرتبطة بالموضة فائقة السرعة، وأن يخططوا لإنفاقهم بعناية، ثم ينتهوا رغم ذلك إلى شراء منتجات من منصات مثل «شين» و«تيمو».

ونُشرت الدراسة في Journal of Global Fashion Marketing.

وتسلط النتائج الضوء على مفارقة مهمة: الوعي بالمشكلة البيئية لا يعني بالضرورة تغير السلوك الشرائي.

فالسعر المنخفض، وسهولة التسوق، ووسائل التواصل الاجتماعي، والموضة الرائجة، والشعور بالمتعة عند اكتشاف منتجات جديدة، كلها عوامل يمكن أن تنافس المخاوف طويلة الأجل بشأن البيئة.

لماذا يبدو التسوق السريع سهلًا إلى هذه الدرجة؟

تعتمد الموضة فائقة السرعة على السرعة في المقام الأول، وعلى خلاف شركات الموضة السريعة التقليدية، تعمل هذه المنصات أساسًا عبر الإنترنت، وتحدّث منتجاتها باستمرار، وتستخدم أنظمة التوصية والخصومات والعد التنازلي للصفقات واتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي لإبقاء المستخدمين في حالة تصفح مستمرة.

وأجرى باحثون في جامعة RMIT مقابلات مع 20 شخصًا من جيل الألفية في أستراليا، وهم أشخاص ولدوا بين عامي 1981 و1996. وكان جميع المشاركين قد اشتروا منتجات من «شين» أو «تيمو» مرتين على الأقل خلال الأشهر الستة السابقة للمقابلات.

ولم يكن هدف الدراسة تحديد الطريقة التي يتسوق بها جميع الأستراليين، وإنما فهم كيفية وصف هؤلاء المشاركين لخياراتهم وعاداتهم والأسباب التي دفعتهم إلى الشراء.

«الشراء العفوي» قد يبدأ قبل أيام

الموضة السريعة
الموضة السريعة

كان أحد أوضح الأنماط التي ظهرت في المقابلات أن كثيرًا من عمليات الشراء التي بدت «عفوية» كانت في الواقع نتيجة عملية تمهيدية طويلة.

فقد كان بعض المشاركين يحفظون المنتجات التي أعجبتهم، ويبنون قوائم للرغبات، ويراقبون الأسعار، وينتظرون موعد صرف رواتبهم، أو يؤجلون الشراء إلى أن يظهر خصم مناسب.

وقالت البروفيسورة كارولين سوي لين تان، إحدى المشاركات في إعداد الدراسة، إن هؤلاء المتسوقين لم يكونوا بالضرورة يتصرفون دون تفكير.

وأوضحت أن بعضهم أمضى وقتًا في بناء قوائم الرغبات، ووضع المنتجات في سلال التسوق والانتظار حتى يحين الوقت المناسب للشراء، رغم أن عملية الشراء النهائية كانت تبدو لهم عفوية.

ويطلق الباحثون على هذا النمط اسم «العفوية الاستراتيجية» (Strategic spontaneity)؛ إذ قد تتم عملية الضغط على زر الشراء خلال ثوانٍ، لكن المتسوق ربما يكون قد أمضى أيامًا في الاستعداد لهذه اللحظة.

الأسعار المنخفضة تجعل الخطأ أقل كلفة

الموضة السريعة
الموضة السريعة

لم يؤثر السعر في حجم الإنفاق فحسب، بل أثّر أيضًا في الطريقة التي ينظر بها المشاركون إلى مخاطر الشراء.

فعندما تكون الملابس رخيصة جدًا، شعر المشاركون بأن اختيارًا سيئًا لن يكون مشكلة كبيرة، لأن الخسارة المالية ستكون محدودة.

وهذا جعل تجربة أنماط غير مألوفة أو شراء قطعة لارتدائها في مناسبة واحدة أو قبول مستوى أقل من الجودة أمورًا أسهل.

كما لعبت الخصومات دورًا إضافيًا، خصوصًا عندما بدا العرض مؤقتًا أو على وشك الانتهاء.

وكان بعض المشاركين يستجيبون بسرعة للعروض ومؤقتات العد التنازلي، بينما كان آخرون يتركون المنتجات في سلال التسوق وينتظرون وصول خصم مناسب.

وبذلك يمكن لعملية الشراء نفسها أن تجمع بين التخطيط المسبق والإحساس بالإلحاح في اللحظة الأخيرة.

عندما يتحول تصفح الملابس إلى ترفيه

غيّرت سهولة التسوق أيضًا طبيعة العلاقة مع عملية الشراء، فقد ذكر بعض المشاركين أنهم كانوا يفتحون تطبيقات «شين» أو «تيمو» أثناء الاسترخاء في المنزل أو قبل النوم، حتى عندما لم يكن لديهم منتج محدد يبحثون عنه.

وبالنسبة لبعضهم، تحول التصفح نفسه إلى عادة تشبه تفقد وسائل التواصل الاجتماعي.

كما أن التغيير المستمر في المنتجات كان يمنح المستخدمين سببًا للعودة إلى المنصة باستمرار، ووصف بعض المشاركين التسوق بأنه نشاط ممتع أو وسيلة لتحسين المزاج.

ولا تكتفي هذه المنصات بعرض المنتجات؛ فهي تتفاعل أيضًا مع سلوك المستخدم.

فالنقر على منتجات معينة أو حفظها أو قضاء وقت أطول في مشاهدتها يمكن أن يؤثر في المنتجات والتوصيات والعروض التي تظهر للمستخدم لاحقًا، ما يعني أن السلوك السابق يمكن أن يؤثر في خيارات التسوق المستقبلية.

وسائل التواصل الاجتماعي تختصر الطريق إلى الشراء

اكتشف المشاركون كثيرًا من الملابس عبر «تيك توك» و«إنستجرام» والمؤثرين أو الأصدقاء، ثم انتقلوا بسرعة من رؤية المنتج إلى إضافته إلى سلة التسوق.

وقد تجعل المنتجات التي يتم الإشارة إليها أو الروابط المباشرة هذه المسافة قصيرة للغاية، بحيث يمكن الانتقال من مشاهدة قطعة ملابس إلى التفكير في شرائها خلال دقائق.

كما ظهر الضغط الاجتماعي كعامل آخر، فقد أراد بعض المشاركين شراء ملابس جديدة لالتقاط الصور أو الحصول على التعليقات، أو لمجرد تجنب الشعور بأنهم خارج الاتجاه السائد عندما يرتدي الأصدقاء نمطًا شائعًا.

لكن المقابلات لا تثبت أن وسائل التواصل الاجتماعي تتسبب في زيادة الشراء، وإنما توضح أنها كانت أحد العوامل المؤثرة في قرارات هؤلاء المتسوقين، ويمكن أن تجعل عملية الشراء تبدو أكثر إلحاحًا وفورية.

معرفة المشكلة البيئية لا تعني التوقف عن الشراء

كان كثير من المشاركين يعرفون بالفعل المخاوف البيئية والأخلاقية المرتبطة بالموضة فائقة السرعة.

لكن هذه المخاوف دخلت في منافسة مع عوامل أخرى أكثر إلحاحًا بالنسبة إليهم، مثل السعر، والراحة، والاحتياجات الاجتماعية، أو الاستعداد لمناسبة قريبة.

وقال البروفيسور سانيات إسلام، وهو أيضًا أحد المشاركين في إعداد البحث، إن بعض المتسوقين وضعوا لأنفسهم قواعد أو حدودًا شخصية جعلتهم يشعرون بقدر أكبر من الارتياح تجاه إتمام عملية الشراء.

ويطلق الباحثون على هذه الآلية اسم «التخفيف المعرفي» (Cognitive buffering).

وبعبارة أبسط، يمكن للمستهلك أن يستخدم ميزانية محددة، أو سقفًا للإنفاق، أو مبررات أخرى لتقليل الشعور بعدم الارتياح الناتج عن شراء منتج لا يتوافق بالكامل مع قيمه البيئية.

لماذا قد لا يكون الوعي وحده كافيًا؟

توضح المقابلات، وفق الباحثين، أن المعلومات البيئية قد تكون محدودة التأثير عندما تتغلب المخاوف اليومية المباشرة على الاعتبارات طويلة الأجل.

وقالت تان إن كثيرًا من المشاركين كانوا بالفعل يفهمون المخاوف البيئية، لكن القدرة على تحمل التكلفة، والراحة، والرغبة في الحصول على شيء جديد، كانت قادرة على احتلال أولوية أعلى.

وأضافت أن تشجيع خيارات أكثر استدامة يتطلب فهمًا ليس فقط لما يعرفه المستهلكون، وإنما أيضًا لكيفية جعلهم عملية الشراء مقبولة بالنسبة إليهم رغم معرفتهم بتبعاتها.

ويقترح الباحثون ربط الاستدامة بشيء يفكر فيه المتسوقون بالفعل، وهو القيمة مقابل المال.

ومن الأمثلة على ذلك حساب «التكلفة لكل مرة ارتداء»، أي مقارنة سعر قطعة الملابس بعدد المرات التي يمكن استخدامها فيها. ويمكن لهذا المقياس أن يجعل قطعة أغلى سعرًا لكنها أكثر دوامًا قابلة للمقارنة بصورة أوضح مع قطعة رخيصة قد لا تصمد طويلًا.

ماذا لا تستطيع الدراسة أن تثبته؟

كانت الدراسة مشروع مقابلات صغيرًا شمل 20 شخصًا فقط من جيل الألفية في أستراليا، ولذلك لا يمكن استخدامها لتحديد مدى انتشار هذه الأنماط بين جميع المستهلكين في أستراليا.

كما أن المتطوعين ربما كانوا أكثر نشاطًا في التسوق عبر الإنترنت من المستهلك العادي.

ولا تستطيع الدراسة إثبات أن الخصومات أو مؤقتات العد التنازلي أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي أو التوصيات الشخصية تسببت في عمليات شراء بعينها.

فالنتائج تستند إلى الطريقة التي وصف بها المشاركون اختياراتهم، وإلى الأنماط المتكررة التي حددها الباحثون في رواياتهم.

الحاجة إلى دراسات أوسع

قد تختلف هذه النتائج أيضًا بين المراهقين وكبار السن والمستهلكين في بلدان أخرى، ولذلك ستكون هناك حاجة إلى دراسات مسحية أكبر وتجارب سلوكية لتحديد مدى انتشار مفهومي «العفوية الاستراتيجية» و«التخفيف المعرفي» بين شرائح مختلفة من المستهلكين.

وهكذا، قد لا تكون النقرة الأخيرة التي تسبق إتمام الشراء سوى الجزء الظاهر من قرار أطول بكثير.

فقد يخطط الشخص للشراء بعناية، ويهتم بالاستدامة، ويستمتع بالتصفح، ويشعر بضغط اجتماعي، ثم يقرر في اللحظة الأخيرة أن شراء قطعة معينة يبدو منطقيًا بالنسبة إليه.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة