الخرسانة الخضراء تقترب.. حتى 20% من مخلفات البناء لا تؤثر على السلامة الإنشائية
من النفايات إلى الخرسانة.. تقنية جديدة تدعم الاقتصاد الدائري في قطاع التشييد
في تطور قد يدعم تحول قطاع التشييد نحو الاقتصاد الدائري والبناء المستدام، كشفت دراسة علمية جديدة أن استخدام الركام المعاد تدويره في الخرسانة الإنشائية لا يعني بالضرورة التضحية بالقوة أو السلامة، بعدما أثبت باحثون إمكانية استبدال جزء من الركام الطبيعي بمواد معاد تدويرها مع الحفاظ على الأداء الإنشائي، بشرط الالتزام بحدود فنية محددة.
وأجرى الدراسة باحثون من المدرسة العليا للبوليتكنيك في ليتورال بالإكوادور (ESPOL) بالتعاون مع جامعة سري البريطانية، ونُشرت نتائجها في دورية Construction and Building Materials.
وتتناول الدراسة واحدة من أبرز التحديات البيئية التي تواجه صناعة البناء، والمتمثلة في الكميات الضخمة من مخلفات البناء والهدم التي لا تزال تُستخدم بصورة محدودة، رغم إمكانية تحويلها إلى مورد جديد يقلل استهلاك المواد الخام ويخفض الأثر البيئي للقطاع.

هل يمكن لمخلفات البناء أن تحافظ على قوة الخرسانة؟
لطالما ارتبط استخدام المواد المعاد تدويرها في الخرسانة بمخاوف تتعلق بتراجع القوة والمتانة، خصوصًا عند استخدامها في العناصر الإنشائية التي تتطلب مستويات مرتفعة من الأداء والسلامة.
لكن الدراسة الجديدة تقدم نتائج مختلفة، إذ وجد الباحثون أن استبدال ما يصل إلى 20% من الركام الطبيعي الخشن بمواد ركام معاد تدويرها يمكن أن يحافظ على الأداء الإنشائي للخرسانة، بل إن بعض الخلطات حققت تحسنًا طفيفًا في مقاومة الضغط.
وتكتسب النتيجة أهمية خاصة لأنها تفتح المجال أمام إعادة إدخال جزء من مخلفات البناء والهدم في دورة الإنتاج بدلًا من التخلص منها في المدافن أو تركها كمخلفات غير مستغلة.
تجارب على نسب مختلفة من الركام المعاد تدويره
صمم فريق البحث برنامجًا تجريبيًا محكمًا لاختبار تأثير الركام المعاد تدويره، حيث جرى استبدال الركام الطبيعي بنسب بلغت 10% و20% و30%.
واستخدم الباحثون نوعين من الركام المعاد تدويره:
ركام الخرسانة المعاد تدويره (RCA) الناتج عن تكسير الخرسانة السابقة.
الركام المختلط المعاد تدويره (MRA) الذي يحتوي على مواد معاد تدويرها من مصادر متعددة.
ولضمان دقة المقارنة، استخدمت جميع الخلطات التدرج الحبيبي نفسه، ما مكّن الباحثين من عزل تأثير المواد المعاد تدويرها وتحديد انعكاسها الحقيقي على خصائص الخرسانة.

الركام المعاد تدويره يغير خصائص الخرسانة الطازجة
أظهرت الاختبارات أن إضافة الركام المعاد تدويره تؤثر في بعض الخصائص الأساسية للخرسانة وهي في حالتها الطازجة.
ومع زيادة نسبة الركام المعاد تدويره، أصبحت الخرسانة أقل سيولة وأخف وزنًا، ويرتبط ذلك بارتفاع مسامية المواد المعاد تدويرها وقدرتها الأكبر على امتصاص المياه.
لكن المفاجأة كانت أن الخلطات التي تحتوي على الركام المختلط المعاد تدويره أظهرت قابلية تشغيل أفضل مقارنة بالخلطات التي تعتمد على ركام الخرسانة المعاد تدويره وحده.
وتشير هذه النتيجة إلى أن نوع الركام المعاد تدويره وتركيبه يمكن أن يلعبا دورًا مهمًا في سهولة صب الخرسانة والتعامل معها داخل مواقع البناء.
20% تحافظ على الأداء الإنشائي
كان السؤال الأهم بالنسبة للباحثين هو مدى تأثير الركام المعاد تدويره على الأداء الإنشائي ومقاومة الضغط.
وفي الخرسانة التقليدية، جاءت النتائج مشجعة للغاية؛ إذ حافظت الخلطات التي استبدلت ما يصل إلى 20% من الركام الطبيعي على مقاومتها للضغط، وفي بعض الحالات سجلت تحسنًا طفيفًا مقارنة بالخرسانة التقليدية.
لكن الوضع كان أكثر حساسية عند التعامل مع الخرسانة عالية المقاومة.
فقد أدى استخدام نسب تتراوح بين 10% و20% إلى انخفاضات طفيفة فقط في مقاومة الضغط، بينما تسبب رفع نسبة الاستبدال إلى 30% في خسائر ملحوظة في القوة.
وبذلك حددت الدراسة نسبة 20% باعتبارها حدًا عمليًا مهمًا للاستخدام في التطبيقات الإنشائية التي تتطلب أداءً مرتفعًا.
اختبارات المتانة تؤكد جودة الخرسانة
لم يقتصر تقييم الباحثين على مقاومة الضغط، بل شمل أيضًا مجموعة من الاختبارات المتعلقة بجودة الخرسانة ومتانتها.
واستخدم الفريق اختبارات مثل:
- اختبار الهطول لقياس قابلية التشغيل
- اختبار مقاومة الضغط
- اختبار سرعة النبضات فوق الصوتية (UPV)
- اختبار نفاذية الهواء
التحليل المجهري باستخدام المجهر الإلكتروني الماسح (SEM)
وأظهرت النتائج أن الخلطات المختلفة، بما فيها الخلطات التي احتوت على أعلى نسب من الركام المعاد تدويره، ظلت ضمن نطاقات مقبولة من حيث المتانة.
كما أكدت اختبارات الموجات فوق الصوتية ونفاذية الهواء وجود جودة داخلية جيدة للمادة ومقاومة مناسبة لاختراق السوائل.
لماذا حافظ الركام المعاد تدويره على قوة الخرسانة؟
ساعد التحليل المجهري في تفسير النتائج.
ففي الخلطات التي استخدمت ركام الخرسانة المعاد تدويره، وجد الباحثون وجود كربونات الكالسيوم الناتجة عن عملية كربنة بقايا عجينة الأسمنت الموجودة في الركام القديم.
وساهمت هذه المادة في زيادة كثافة البنية الداخلية للخرسانة والمساعدة على الحفاظ على قوتها.
لكن الخلطات التي تحتوي على الركام المختلط أظهرت درجة أكبر من عدم التجانس، إلى جانب ظهور تشققات دقيقة عند ارتفاع نسبة الاستبدال، وهو ما يفسر انخفاض أدائها عندما وصلت نسبة الركام المعاد تدويره إلى 30% في الخرسانة عالية المقاومة.
تحويل مخلفات البناء إلى مورد اقتصادي
لا تقتصر أهمية الدراسة على الجانب الهندسي، إذ تحمل نتائجها أبعادًا بيئية واقتصادية مهمة.
فقطاع البناء والتشييد من القطاعات ذات الاستهلاك الكبير للمواد الخام، كما ينتج كميات ضخمة من مخلفات البناء والهدم.
وإعادة استخدام هذه المخلفات في إنتاج خرسانة جديدة يمكن أن تقلل الحاجة إلى استخراج الركام الطبيعي، وتحد من كميات النفايات التي تذهب إلى مواقع التخلص منها، فضلًا عن تقليل الآثار البيئية المرتبطة بإنتاج ونقل مواد البناء.
وتقدم الدراسة بذلك نموذجًا عمليًا لتطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري في قطاع التشييد، من خلال تحويل ما كان يُنظر إليه باعتباره نفايات إلى مادة يمكن استخدامها مرة أخرى في دورة الإنتاج.
فرصة مهمة للدول النامية
يمكن أن تكون نتائج البحث ذات أهمية خاصة في المناطق التي لا تزال تفتقر إلى أطر تنظيمية واضحة لاستخدام المواد المعاد تدويرها في البنية التحتية.
ويشير الباحثون إلى أن النتائج يمكن أن تسهم، خصوصًا في مناطق مثل أمريكا اللاتينية، في تسريع اعتماد ممارسات بناء أكثر استدامة، عبر توفير أساس تجريبي لتحديد نسب استخدام الركام المعاد تدويره مع الحفاظ على متطلبات السلامة.
وتعني النتائج أن الانتقال إلى البناء المستدام لا يتطلب بالضرورة الاختيار بين الاستدامة والأداء الإنشائي، بل يمكن الجمع بينهما من خلال تحديد نسب الاستخدام المناسبة واختيار المواد المعاد تدويرها وفق خصائصها.

30% ليست دائمًا أفضل.. والحد الفني مهم
تكشف الدراسة في الوقت نفسه أن استخدام المواد المعاد تدويرها لا يعني ببساطة زيادة نسب الاستبدال إلى أقصى حد ممكن.
فالنتائج توضح أن 20% تمثل نقطة مهمة للتوازن بين الاستدامة والأداء، بينما قد يؤدي تجاوزها إلى مشكلات في بعض التطبيقات، وخاصة الخرسانة عالية المقاومة.
وهنا تبرز أهمية الاختبارات الفنية والتصميم الدقيق للخلطات، بدلًا من التعامل مع جميع أنواع الركام المعاد تدويره باعتبارها مادة واحدة ذات خصائص متشابهة.
نحو مدن أقل نفايات وأكثر استدامة
تقدم الدراسة رؤية عملية لمستقبل صناعة البناء، حيث يمكن لمخلفات الخرسانة والهدم أن تتحول من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي يدخل مجددًا في تصنيع مواد البناء.
ومع الالتزام بالحدود الفنية التي حددتها التجارب، يمكن أن يسهم استخدام الركام المعاد تدويره في تقليل النفايات، وخفض استهلاك الموارد الطبيعية، ودعم الاقتصاد الدائري، وتقليل الأثر البيئي لقطاع التشييد، دون التضحية بالسلامة الإنشائية.
وبذلك لا تبدو الخرسانة المعاد تدويرها مجرد بديل بيئي للخرسانة التقليدية، وإنما خطوة نحو إعادة تصميم دورة حياة مواد البناء بحيث تصبح النفايات نفسها جزءًا من الحل.





